في كتابها “امرأة متهمة بالقراءة” تتحدّث زينب عفيفي عن بعض الشخصيات التي تركت أثرًا في مسيرتها القرائية، حيث قرأت لهم وغاصت في بحور إنتاجاتهم الفكرية والأدبية حتى غدت بفعل هذا التبحر والاستغراق امرأة قارئة، تلتصق فيها القراءة كتهمة لا مفر منها.
أثناء تأملي لعنوان كتاب عفيفي استذكرتُ نصًا آخر لغادة السمان، أوردته في كتابها “كتابات غير ملتزمة” تحت عنوان: “شتمني فقال: أنت مثقفة”. يروي النصّ في مضامينه قصة لقاء يحدث بين امرأة ورجل في لحظة تعارف قد تكون عابرة، يتوجّه لها فيها ببضعة أسئلة تجيب عليها؛ يسألها عن اسمها وعمرها ومكان مولدها، فتجيبه إجابات يتبدى له من خلالها أنّها تُظهِر بعض التفلسف والخروج عن المتوقع، فما يكون منه إلا أن يتململ ويقول لها بلهجة قاسية –تشعر معها أنها شتيمة من نوع ما-: أنت مثقفة!
قادني ذلك الاستذكار إلى التفكير في نموذج المرأة القارئة أو المثقفة في السياقات العربية، وفي كيفية تصويرها في متون الأدب والفن العربي، وهنا وردت على ذهني ثلاثة أعمال عربية تناولت صورًا مختلفة للمرأة القارئة أو المثقفة.
أول هذه الأعمال رواية “قارئة نهج الدباغين” للكاتب التونسي سفيان رجب، وهي رواية تتخذ من أزمة الرقابة على الإبداع الأدبي محورًا أساسيًا لها، فسفيان رجب يبني أركان نصّه الروائي عبر أخذ أزمة الرقابة على الإبداع الأدبي وتسليط الضوء عليها ومساءلتها ومناقشتها ونقدها، بل إنه يُحاول من خلال روايته اقتراح أساليب تُمكّن الكتاب من الافتكاك منها.
يأخذ رجب القارئ في رحلة إلى تونس، بأروقتها وأمكنتها وساحاتها وشوارعها، فالمكان الذي تدور فيه غالبية أحداث الرواية هو “نهج الدباغين”، الحي الذي تحوّل من قلعة لدبغ الجلود إلى مكتبة مفتوحة، وغدت شوارعه كمعارض موجودة في الهواء الطلق، تُعرض فيها الكتب بمختلف أنواعها حتى القديمة منها والنادرة.
في هذا النهج القديم يسكن النوري النمس، بطل الرواية وشخصيتها الرئيسة، الذي يهتم بعوالم الكتب والروايات، ويظهر في الرواية كمحرّك تاريخي خفي لا يكتب الكتب وإنما يُحرك من يكتبها، “أنا لا أكتب النصوص، بل أحرك من يكتبها، والتاريخ البشري لم يُدونه الكتبة كما يظنّ أغلب الناس، إنما دونه من يحركون الكتبة ويروضون الخيالات”.
يظهر النوري في الرواية كشخص متنور ينظر إلى الإبداع الأدبي باعتباره نتاج فرد مبدع متحرر من كافة أشكال الرقابة والقيود الخارجية والداخلية المفروضة عليه، ولإيجاد هذا الفرد المبدع يبتكر النوري شروطًا ظرفية تُسهل له عملية وجوده في بيئة تونس التي لا تختلف عن بقية بيئات العالم العربي من حيث طبيعة القمع الممارس والتابوهات المفروضة.
يؤسّس النوري لرابطة في “نهج الدباغين” ويُطلق عليها اسم “رابطة الكتاب الأشباح”، وفكرتها تقوم على “الكاتب الشبح” وهو الكاتب الذي يستخدم الأسماء المستعارة، من أجل أن تعينه على القفز عن حدود الرقابة المفروضة عليه، فصفة الشبحية تلتصق بهذا الكاتب لأنّه يستخدم أساليب الخفاء الهوياتي، فيكتب وهو يخفي اسمه ومكان إقامته وبقية متعلقات هويته، فلا يبرز من هويته شيء سوى أسلوب كتابته.
تبرز صورة القارئة العربية في الرواية من خلال شخصية ليلى، وهي بطلة رئيسية من بطلات الرواية، تكون رفيقة النوري في مشروعه “رابطة الكتاب الأشباح”، ومسؤولة عن تحرير الروايات التي يكتبها الأعضاء في الرابطة، فليلى في الرواية تمتلك مهارات عالية في الكتابة الإبداعية والتحرير، لكنها تكتفي بدورها كقارئة في النهج، وكأنّها تأتي لترمز إلى الكاتبة العربية الخاضعة لنظام أبوي بطريركي يفرض عليها سلطة مضاعفة ورقابة أشد بمراحل، وهو ما يدفع بها في كثير من الأحيان إلى الاكتفاء بدورها كقارئة في مجال الأدب، بدون أن تُفكّر في ارتياده لتعبّر وتكتب بقلمها.
من الأعمال الأخرى التي تُصوّر المرأة القارئة، حلقة “القارئة” من المسلسل السوري “بقعة ضوء”، وهي حلقة تبدأ بمونولوغ داخلي لامرأة تُدعى ليلى -أيضًا- تُعرف بنفسها كقارئة، وتصف القراءة بأنها تُشكل جزءًا أساسيًا من يومها، فهي تتعامل معها كفعل حياتي يُشبه الطعام والشراب، تقرأ وهي تمشي وهي تأكل وفي المواصلات، تقرأ قبل النوم ولحظة الاستيقاظ، إذ تبدو القراءة في حياتها مسارًا ممتدًا مستمرًّا، يبدأ ولا ينتهي.
غير أنّ الانقطاع في هذا المسار يحدث في اللحظة التي تتزوج فيها، حيث ترغمها مسؤوليات الزواج واحتياجات الزوج والأولاد على التوقف عن القراءة في اللحظة التي تبدأها فيها في كل مرة، وعلى طول بقية الحلقة تظهر ليلى وهي تمسك كتابًا واحدًا تَقلّبه لحظة الانشغال ولا تنهيه.
تَكبر ليلى وتُرزق بالأولاد والأحفاد وهي ما زالت تقف عند نفس الكتاب، وفي لحظة مرضها نتيجة التقدم في العمر، يدخل عليها زوجها ويراها تحمل نفس الكتاب في السرير، فيصرخ فيها: “ارحمي حالك من القراية بقى”، فتنظر إليه نظرة استنكار وتحسر.
يأتي الزوج في المشهد الأخير من الحلقة باكيًا حزينًا على موت ليلى، يُمسك نظارتها التي تضعها فوق كتابها الوحيد الذي بدأت تقرأه منذ لحظة زواجها، ينتحب على فقدها وهو يقول: “الله يرحمها كانت فارة، كانت فعلًا فارة كتب حقيقية”. وفي قوله هذا تتجلى تلكَ المفارقة بين اللقب والحقيقة، فليلى هي مشروع قارئة لم تكتمل، أجبرتها حيثيات واقعها وزواجها على جعل القراءة مهمة مؤجلة في حياتها، ظلت تنتظر لحظة تفرّغ لتمارسها حتى ماتت من دون أن تأتي تلك اللحظة.
هناك عمل أدبي آخر يأتي بتصوّر مغاير للمرأة القارئة، ففي رواية الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة “مذكرات امرأة غير واقعية” هناك امرأة تُدعى عفاف، لا تَظهر في متون الرواية كقارئة مباشرة، لكن مساءلتها ونقدها لواقع قهرها، ومذكراتها التي تسردها في صفحات الرواية، تُعطي إيحاءات مباشرة للقارئ بأن هذا الوعي الذي تمتلكه هو وعي لم يتشكل من عبث، وإنما جاء نتيجة انخراطها في حيز القراءة الواعية ليس للكتب فقط بل لواقعها الظالم كذلك.
تَسرِد عفاف في الرواية قصتها مع التحيزات الجندرية في مجتمعها ومدينتها المحافظة، وهي التي بدأت تلحظها في فترة مبكرة من عمرها، عندما كانت عائلتها تُقيم الاحتفالات عند قدوم المولود الذكر، إذ تُوزَّع الحلوى وتُطلق الزغاريد، ويُعامَل هذا القادم الجديد معاملة الولي المبروك الذي يُشكل “بوله” عطرًا يُمكن التطيّب به.
تقول عفاف إنّ هذه التحيزات أورثتها تشوهًا عميقًا في نفسها، ففي فترة مراهقتها كانت تخشى من ملامح الأنثى الكامنة فيها، فصارت “تتصبيَن” أي تتقمّص ملامح الصبي الذكر في هيأتها وتصرفاتها، لكنها في فترة لاحقة استطاعت أن تخلق لها طريق تمرد خاصّ على هذه التحيزات بالحب والرسم، فقد أحبت صبيًا وشاركته أوقاتها، وأمسكت بالريشة والألوان ورسمت لوحات كثيرة تُعبر فيها عن مكنونات داخلها.
لم تستطع عفاف أن تُكمل طريق تمردها هذا، فقد أُجبرت على الزواج برجل لا تحبه، وسافرت معه إلى بلدٍ بعيدة، وبقيت على هذه الحال لسنوات طويلة، تُدرِك أحوال بؤسها، وتقفز بين حالتيْ القبول بها والاستسلام لها أو رفضها ومحاولة التغلب عليها.
تظهر عفاف في الرواية امرأة تعيش في عالمين، عالم أحلامها الذي تخلقه في مخيلتها، وتعيش فيه واقعها كما تريد، وعالمها الفعلي الذي تعيش فيه واقعها البائس كما هو وتُطالَب دائمًا بالتأقلم معه تحت ذرائع تحليها بـ”الواقعية”، وتقول عن ذلك: “في البداية ما كنت أقول “آمين”، لكني كلما أوغلتُ في صحراء التيه والعطش والظلمة، وغابت عن ذاكرتي ملامح نقطة البدء الخضراء، وأصبحتُ حلمًا أكثر منه حقيقة، بت أؤمن أن ما علي تدريب النفس عليه هو “الواقعية”، التي طالما نُعتّ بعكسها. والواقعية تعني الرضى بالواقع والتأقلم معه وفيه، والانخراط في مسالكه لدرجة الاستشهاد في سبيله”.
إنّ واقعية عفاف التي ظلت تُطالَب بها هي نقيض كل دروب الحياة التي يُمكن أن تسلكها؛ نقيض الحب والشغف والإحساس بالخفة والحرية والطيران، فكأنها هنا ذلك القفص الجاهز الذي يصنعه أفراد المجتمعات المحافظة للمرأة الواعية أو القارئة ويطالبونها بالدخول إليه حتى تُثبت انتمائها إليهم.
في النهاية، فإنّ تصويرات المرأة العربية القارئة في هذه الأعمال الثلاثة، هي تصويرات ترتبط بعوامل القهر التي تُحيط بالمرأة عمومًا، فهي في هذه الصور قارئة أجبرتها ظروف الرقابة على البقاء في صفتها هذه من دون تطويرها أو الارتقاء بها، وقارئة اختُزلت تجربتها من بدايتها، وأجبرتها ظروف الزواج على أن تظل كمشروع قارئة لم تكتمل، وقارئة قادتها ضروب الواقعية إلى نبذ كل وعيٍ تَشكل لديها عبر القراءة ومن خلالها، وإلى الرضى بواقع لا تريده. هذه الصور الثلاث تأتي لتنبئ بأنّ الظروف القهرية التي تعيش تحت وطأتها المرأة القارئة في العالم العربي هي ذاتها التي تعيشها بقية النساء، وأنّ القراءة لا تكفي لتُغيّر أوضاع المرأة من دون تغيّر الشرط الاجتماعي الذي تُوجد فيه.