ملخص
تقوي الحرب والعقوبات الخانقة سلطة النظام الإيراني وتضعف المجتمع والمعارضة، فيما قد تهيئ تسوية دبلوماسية لما بعد الحرب بيئة أفضل لعودة الاحتجاجات والمساءلة السياسية. تمتلك إيران مقومات داخلية مهمة للتحول الديمقراطي، لكن نجاحه يبقى رهناً بالاستقرار ورفع العقوبات الشاملة ودعم قوى الداخل بعيداً من التدخل العسكري الأجنبي.
في ظل غموض آفاق الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، قد يبدو من السابق لأوانه التفكير في مستقبل ما بعد الحرب. ففي نهاية المطاف، تصاعدت الحرب بين الطرفين مجدداً بعد توقيع مذكرة التفاهم في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي، مما قوّض الوثيقة عملياً. وشرع الجانبان في تنفيذ ضربات واسعة، فيما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن إيران دخلت مجدداً في “حرب شاملة”. وفي الـ27 من يوليو (تموز) الجاري، وبعد حملة قصف استمرت أسبوعين، أعلنت إدارة ترمب وقفاً لإطلاق النار، وردت إيران بالمثل، لكن احتمال استئناف الأعمال العسكرية ظل مرتفعاً.
لكن بغض النظر عن مسار القتال، فمن المستبعد أن تتغير النتيجة النهائية. فوفقاً لتقييم استخباراتي جديد أوردته صحيفة “واشنطن بوست”، “من غير المرجح أن تتأثر إيران بدرجة كبيرة أو أن تلين موقفها التفاوضي نتيجة الجولات الجديدة من الضربات العسكرية الأميركية”. و
ومع ترجيح بقاء النظام بعد انتهاء الحرب، فإن السؤال الملح هو ما الذي ستعنيه تسوية كبرى لإنهاء النزاع بالنسبة إلى مستقبل السياسة الإيرانية. وثمة وجهة نظر شائعة مفادها أن التوصل إلى اتفاق جديد لن يؤدي إلا إلى ترسيخ القيادة المتشددة الحالية. لكن هذا الرأي يتجاهل ديناميكيات مهمة داخل البلاد. ففي الواقع، من شأن الاتفاق أن يعزز بدرجة كبيرة فرص التحول الديمقراطي في إيران. وقد لا تظهر آثاره فوراً أو تُلمس على المدى القصير، لكنها مرشحة، في ظل الظروف المناسبة، للظهور في المستقبل القريب. ومن ثم يصبح السؤال الحاسم: كيف يمكن تهيئة ظروف ما بعد الحرب بما يمنح القوى الديمقراطية مجالاً أكبر للنمو، لا أقل؟
إخفاقات الحرب
من الواضح أن أي إنهاء دبلوماسي للحرب مع إيران، إن تحقق، سيشمل نوعاً من التسوية الكبرى. ومن المرجح أن يشبه مثل هذا الاتفاق، في خطوطه العريضة، البنود الواردة في مذكرة يونيو. وبطبيعة الحال، لن يكون التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار أمراً سهلاً، ومن المرجح أن تُرجأ أجزاء رئيسة منه إلى مفاوضات لاحقة. وقد تستمر الأعمال العدائية المنخفضة الحدة بعض الوقت. ولذلك، سيكون من الضروري هذه المرة، بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إنشاء آلية لتجنب الاشتباك العسكري والحيلولة دون اندلاع جولات جديدة من التصعيد والعودة إلى الحرب.
لكن الاتفاق سيتضمن بعض البنود التي تدخل حيز التنفيذ فوراً، ومن ثم سيؤثر في السياسة الإيرانية في اتجاه إيجابي عموماً. وعلى نطاق أوسع، لا يمكن أن يتحقق التحول الديمقراطي في إيران في ظل العقوبات الخانقة والحرب. فقد أدى تفاقم الفقر والبؤس الاقتصادي بفعل العقوبات الغربية وقصف البنية التحتية المدنية خلال الحرب إلى تعزيز قوة الدولة وإضعاف المجتمع. وبعبارة بسيطة، يستحيل حشد الناس من أجل التغيير السياسي وهم يعانون الجوع وتتساقط القنابل من حولهم. أما الاعتقاد بأن إفقار إيران اقتصادياً ومعاقبتها عسكرياً سيؤديان إلى انتفاضة شعبية، فلم يكن سوى وهم منذ البداية، وقد أثبتت الحرب ذلك.
تواجه الجمهورية الإسلامية أزمة شرعية. وعلى رغم أن الحرب أطلقت موجة من المشاعر الوطنية وعززت موقتاً شرعية القيادة، فإن المظالم الأساسية التي أفضت إلى السخط العميق والاحتجاجات الشعبية الواسعة في يناير (كانون الثاني) لا تزال قائمة. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الشريحة الكبيرة من الشباب الذين يعيشون في المدن الإيرانية. وفي إيران مستقبلية لا تواجه الحرب أو خطرها، ولا يستطيع النظام فيها تحميل العقوبات الخارجية مسؤولية البؤس الاقتصادي، ستتجه الأنظار حتماً إلى مسؤوليته عن مشكلات البلاد، وانفصاله الشديد عن إرادة الشعب، وفساده المستشري.
من المستحيل حشد الناس من أجل التغيير السياسي بينما يعانون الجوع وتتساقط القنابل من حولهم
قد يفاجئ هذا التحليل صناع السياسة الأميركيين، الذين دأبوا طويلاً على القول إن الخنق الاقتصادي المدعوم بالضغط العسكري سيهيئ فرصة للانفتاح الديمقراطي. ويعود جانب كبير من هذا الفهم الخاطئ إلى المبررات الرسمية التي قدمتها إسرائيل والولايات المتحدة للحرب. فلم تتجاوز مساندة الحكومتين لفكرة أن التدخل العسكري يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام حدود الكلام. وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للشعب الإيراني إن إسرائيل “تمهد الطريق أمامكم لنيل حريتكم”. وفي يناير، حين اجتاحت الاحتجاجات البلاد، شجع ترمب الإيرانيين على “مواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسساتكم”، مؤكداً لهم أن “المساعدة في طريقها إليكم”. وبعد اندلاع حرب 2026، كتب نتنياهو: “إننا نخوض حرباً تاريخية من أجل الحرية”، وقال ترمب للإيرانيين، مع بدء سقوط القنابل: “لقد حانت ساعة حريتكم”.
لكن حملة القصف العنيفة جاءت بنتائج معاكسة تماماً. فقد صمد النظام على رغم اغتيال مرشده الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين. وعزز قبضته على السلطة داخلياً، وصمد أمام أزمة اقتصادية متفاقمة، وخاض، من خلال إغلاق مضيق هرمز، معركة شرسة ضد إسرائيل والولايات المتحدة انتهت بالتعادل. ولم يخرج الإيرانيون إلى الشوارع كما دعاهم ترمب. كذلك أدى استهداف المدارس، ولا سيما مدرسة البنات في ميناب في اليوم الأول من الحرب، إضافة إلى الهجمات على الجامعات والمستشفيات ومواقع التراث الثقافي، إلى إطلاق موجة جارفة من الوطنية الإيرانية.
وقد تجلى هذا التحول في مراسم تشييع خامنئي التي استمرت ستة أيام في أوائل يوليو. ولا شك في أن النظام حشد قاعدته المؤيدة، لكن بالنظر إلى حجم الحشود التي تحدث عنها الصحافيون الأجانب الموجودون على الأرض، فمن المرجح أن المشاركة الشعبية كانت أكبر بكثير مما كان متوقعاً. ويبدو أن كثيراً من الإيرانيين الذين لم يكونوا قد حسموا موقفهم انحازوا، نتيجة الحرب، إلى الإبقاء على الوضع السياسي القائم. وهو ما يؤكد فرضية عالم السياسة روبرت بايب بأن عمليات تغيير النظام التي تُنفذ من خلال القصف الخارجي نادراً ما تنجح.
مقومات الثورة
إذا كان القصف الخارجي قد فشل في إحداث تغيير سياسي في إيران، فإن الظروف الداخلية للبلاد تقدم صورة مختلفة تماماً. وعلى رغم عدم وجود وصفة سحرية واحدة، فإن الباحثين يتفقون إلى حد كبير على العوامل السياسية التي تعزز فرص التحول الديمقراطي. وما يُغفل غالباً في شأن إيران هو أن عدداً كبيراً من هذه الشروط متوافر فيها بالفعل.
وبوجه عام، يُعد ارتفاع مستويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية ووجود طبقة وسطى كبيرة عنصرين أساسين. ولا بد أيضاً من وجود دولة ذات جهاز إداري متماسك، وأن يضم المجتمع المدني منظمات مدنية مستقلة قادرة على طرح مطالبها على الدولة والمساهمة في تعزيز المساءلة. وينبغي أن تسود ثقافة سياسية تقوم على احترام القواعد والمعايير الأساسية. وتُعد الوحدة الوطنية ضرورية، إذ إن الدول التي تواجه حركات انفصالية أو نزاعات إقليمية عميقة وغير محسومة تكون أقل قدرة على الانتقال بنجاح إلى الديمقراطية. وأخيراً، يمثل تنوع الاقتصاد عاملاً مهماً أيضاً، لأن الاعتماد على عدد محدود من الموارد الوطنية يمنح الأنظمة الاستبدادية قدرة واسعة على التحكم في الاقتصاد والحفاظ على شبكات المحسوبية.
وخلال الأعوام الـ25 الماضية، استوفت إيران خمسة من هذه الشروط الستة المسبقة. ففي ما يتعلق بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية، تتمتع إيران بمستويات مرتفعة، إذ تبلغ نسبة معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين نحو 90 في المئة، فيما تصل نسبة التحضر إلى 78 في المئة. وعلى رغم أن حصة الطبقة الوسطى من السكان تراجعت مقارنة بأعلى مستوى سجلته عام 2012، حين كانت تمثل نحو ثلثي السكان، فلا يوجد ما يمنع ارتفاعها مجدداً. وتمتلك إيران جهاز دولة إدارياً فعالاً، وشهدت في الماضي، خلال فترات الرئاسات الإصلاحية، توسعاً في نشاط المجتمع المدني.
علاوة على ذلك، كثيراً ما اتسمت الثقافة السياسية الإيرانية بنزعة ديمقراطية. فهناك تقليد عريق للنضال الديمقراطي يعود إلى الثورة الدستورية عام 1905، وكان السعي إلى المساءلة السياسية جزءاً أساساً من التاريخ الإيراني الحديث. وإضافة إلى ذلك، لا تواجه إيران، بخلاف بعض جيرانها، انقسامات عرقية أو تشرذماً طائفياً قد يؤديان إلى تفكك البلاد. صحيح أن لدى الأقليات مظالم عميقة، لكن البلاد تبقى في النهاية موحدة بفضل شعور قوي بالهوية الوطنية يعود إلى أكثر من قرن من الزمن.
أما الشرط الرئيس الوحيد الذي لم تستوفه إيران تاريخياً، فهو امتلاك اقتصاد متنوع. فقد أدى اعتمادها الطويل على النفط إلى نشوء نظام قائم على المحسوبية يعزز الاستبداد، من خلال تمكين الدولة من الهيمنة على الاقتصاد. غير أن هذا الوضع ليس ثابتاً. فبسبب العقوبات، بدأت إيران تصدر المعادن الصناعية والبتروكيماويات والمنتجات الزراعية، ولم تعد دولة ريعية نفطية خالصة. ومع ذلك، لا تزال قطاعات واسعة من اقتصادها خاضعة لسيطرة شبكات موالية للنظام، متغلغلة في بنية النخبة الحاكمة وتستفيد منها. ويحمل هذا النموذج الاقتصادي الأكثر تعقيداً إمكانات لخلق فرص سياسية جديدة، ولا سيما في أعقاب تسوية دبلوماسية تُرفع بموجبها العقوبات ويُدمج الاقتصاد الإيراني في الاقتصاد العالمي.
وإلى جانب هذه العوامل الداخلية، يشدد الباحثون في مجال التحول الديمقراطي على أهمية السياق الدولي الذي تعمل فيه الدولة. فالبيئة الدولية والإقليمية المستقرة تعزز فرص التغيير السياسي، فيما تقوضها الحرب أو حتى التهديد بها بدرجة كبيرة. إذ يحوّل ذلك مركز الثقل في السياسة من المساءلة الداخلية إلى مواجهة التهديدات الخارجية، مما يسمح للقيادة الاستبدادية باستغلال مخاوف الأمن القومي كذريعة للإبقاء على سيطرة الدولة. وإلى جانب ذلك، يستطيع النظام توظيف المشاعر الوطنية لسحق المعارضة.
وخلال معظم الأعوام الـ25 الماضية، أعاقت البيئة الدولية غير المواتية مسار التحول الديمقراطي في إيران. لكن الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة عام 2015، في عهد الرئيس باراك أوباما، مثّل لحظة أمل نادرة. وقد عُرف الاتفاق رسمياً باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، ولم يحظَ بترحيب واسع من قادة العالم فحسب، بل حظي أيضاً بترحيب المجتمع المدني الإيراني ونشطاء الديمقراطية. وبالنسبة إليهم، حملت الخطة وعداً بتهيئة ظروف داخلية وخارجية أفضل للنضال من أجل الديمقراطية. فقد زال أخيراً خطر الحرب الخارجية، ورُفعت بعض العقوبات، وبدت إمكانية اندماج إيران بصورة أعمق في المجتمع الدولي تلوح في الأفق، فيما ظهر انقسام عميق بين النخب الحاكمة حول مستقبل الجمهورية الإسلامية.
لكن هذه الصورة تغيرت جذرياً عندما انسحب دونالد ترمب من الاتفاق النووي عام 2018 وأعاد فرض عقوبات مدمرة، على رغم التزام إيران ببنوده. وكانت النتيجة إصابة أنصار الديمقراطية في إيران بالإحباط، فيما ابتهج المتشددون ووجدوا في ذلك فرصة للقول: “ألم نقل لكم ذلك؟”، زاعمين أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها مطلقاً. وكانت العواقب كارثية بالنسبة إلى فرص الانفتاح السياسي في إيران. كذلك فإن انسحاب ترمب من الاتفاق النووي مهد الطريق مباشرة إلى الحرب الأخيرة معها. وخلال ولايته الأولى، اقتربت الولايات المتحدة وإيران من الحرب في ثلاث مناسبات منفصلة. ومنذ بداية ولايته الثانية قبل 18 شهراً، قاد الرئيس الولايات المتحدة إلى حرب ضد إيران مرتين.
الحرب في الداخل
بسبب الحرب، سيتعين على الإصلاحيين الإيرانيين التغلب على عقبات كبيرة تقف في طريق التحول الديمقراطي. فقد ازداد تماسك النخبة الحاكمة، وأحكم المتشددون قبضتهم على السلطة، ومن مظاهر ذلك الانتقال السلس للقيادة إلى مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي والمرشح المفضل لدى الحرس الثوري الإيراني. وضيقت الحرب المجال أمام القادة الأكثر براغماتية الذين كان يمكن أن يبرزوا في زمن السلم. وإضافة إلى ذلك، بقيت القوات المسلحة الإيرانية موالية للنظام. وعلى رغم اغتيال طبقات عدة من القيادات العليا في الحرس الثوري، تمكن النظام من الصمود والرد بفاعلية باستخدام تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والصواريخ. وعلى الصعيد الداخلي، حشد النظام أنصاره الأساسيين، الذين احتلوا الساحات العامة في المدن الإيرانية الكبرى، مما ردع معارضي النظام عن التعبير عن أنفسهم.
وقد أدى غياب معارضة فعالة وموحدة ومتماسكة إلى تعزيز البنية القائمة للجمهورية الإسلامية. فبعد المجازر التي ارتكبتها قوات الأمن في حق المحتجين في يناير، وما خلفته الحرب من صدمة، لا يزال معارضو النظام منقسمين بشدة وغير منظمين. لكن هذه الانقسامات ليست عصية على الحل. فمن جهة، تواجه المعارضة الإيرانية تحديات مشابهة لتلك التي تواجهها حركات المعارضة الديمقراطية في دول أخرى، ومنها كيفية وضع استراتيجية للتغيير السياسي، وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل ديمقراطي قادرة على حشد ائتلاف واسع من المؤيدين. لكن الإيرانيين يواجهون أيضاً أحد أكثر الأنظمة قمعاً في العالم. ووفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، تعدم الجمهورية الإسلامية، قياساً إلى عدد السكان، من الأشخاص أكثر مما تعدمه أي دولة أخرى في العالم، إذ أعدمت 1500 شخص عام 2025، و370 آخرين خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026. وقد أتاحت الحرب تصعيد هذا القمع.
ومن القضايا الحاسمة الأخرى كيفية استرداد زمام النضال من أجل الديمقراطية من رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع. فعلى رغم أنه أبرز شخصية معارضة خارج إيران، فإن حجم التأييد الذي يحظى به داخل البلاد غير معروف، ومن المرجح أنه أقل بكثير مما يدعي. كما أن ولاءه لحكم والده القمعي، وعلاقاته بإسرائيل، يثيران تساؤلات جدية حول صدقيته الديمقراطية. ويتمثل أحد التحديات الأساسية التي تواجه الديمقراطيين داخل إيران في إيجاد قيادة بديلة ذات روابط عضوية بالمجتمع، وقادرة في الوقت نفسه على إلهام مقاومة سلمية.
وقد أفرزت الحرب خطين أحمرين أخلاقيين سيحكمان مسار المعارضة في المرحلة المقبلة: فهي لن تساوم على مطالبها الديمقراطية في تعاملها مع النظام، وستعارض بحزم أي تدخل عسكري أجنبي. وقبل الحرب، أبدت بعض أطراف المعارضة الداخلية الإيرانية تأييداً للضغوط العسكرية الخارجية على إيران، ولا سيما في أعقاب مجازر يناير. لكن هذه الصفحة طُويت الآن. وأي شخص يؤيد أياً من هذين النهجين مستقبلاً سيفقد صدقيته لدى شريحة واسعة من الإيرانيين داخل البلاد وخارجها. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قادرين على تبني سياسات تدعم الديمقراطيين الإيرانيين بصورة غير مباشرة.
من الاستقرار إلى الفرصة
ثمة عامل جديد واحد في الأقل في أي تسوية ناجحة لما بعد الحرب يمكنه أن يعزز بدرجة كبيرة آفاق الديمقراطية في إيران على المدى الطويل، وهو تغير السياق الدولي. ويعني ذلك، في المقام الأول، إزالة خطر الحرب. وسيكون من الضروري في هذا الصدد العودة إلى اتفاق في شأن البرنامج النووي الإيراني يشبه إلى حد كبير “خطة العمل الشاملة المشتركة”. ومن مزايا مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو أنها فتحت الطريق أمام مثل هذا الاتفاق. وعلى رغم أن التصعيد الحالي جمّد هذه الوثيقة عملياً، فإنها قد تظل إطاراً مفيداً لخفض التصعيد وحل النزاع.
وحتى الآن، ركز معظم النقاش الغربي حول أي اتفاق جديد على احتواء التهديدات الأمنية الناجمة عن برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم. لكن اتفاقاً دبلوماسياً قابلاً للاستمرار يمكن أن يهيئ أيضاً بيئة أفضل بكثير للتحول الديمقراطي في إيران. وتبرز هنا أهمية مسألة العقوبات، إذ تفيد بحوث جديدة بأن آثار العقوبات الحالية في فرص التغيير السياسي في إيران كانت كارثية. ويقدر كل من البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نسبة الفقر في إيران قد تصل إلى 40 في المئة، ولا شك في أن الحرب رفعت هذه النسبة إلى مستويات أعلى. ووفقاً لدراسة نُشرت عام 2025 في “المجلة الأوروبية للاقتصاد السياسي”، فرضت العقوبات الأميركية “كلفة مدمرة وقابلة للقياس على النسيج الاجتماعي” في إيران. ويرى معدّو الدراسة أن هذا النهج العقابي الشامل “يمثل فشلاً استراتيجياً كبيراً للغرب”.
ومستقبلاً، ينبغي أن تستند أي عقوبات على إيران إلى هدف واضح يتمثل في تهيئة الظروف اللازمة للتحول الديمقراطي. ولذلك، يجب إلغاء العقوبات الشاملة التي تستنزف الطبقة الوسطى وتفرغها من مضمونها. وفي المقابل، ينبغي تشديد العقوبات المفروضة على القادة الإيرانيين الذين يتحملون مسؤولية إصدار الأوامر والإشراف على تنفيذ انتهاكات حقوق الإنسان. أما العقوبات على غرار “ماغنيتسكي”، وهي تدابير عقابية محددة الأهداف وقابلة للتطبيق عالمياً ضد الأفراد، مثل حظر السفر وتجميد الأصول، فينبغي الإبقاء عليها في حق كبار المسؤولين الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يسهم تشجيع خفض التصعيد بين إيران وجيرانها في الخليج في دعم التحول الديمقراطي، من خلال تهيئة بيئة دولية أكثر استقراراً. وسيكون إنشاء منظومة أمنية جديدة في الخليج تضم إيران وجيرانها العرب خطوة إيجابية في هذا الاتجاه. وقد ألمح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى ذلك عندما قال إن الاستمرار في المسار الدبلوماسي القائم على مذكرة التفاهم “سيُحدث تحولاً في المنطقة بأسرها”.
عمر مستعار
يتطلب التحول الديمقراطي في إيران قدراً من الاستقرار. فالتدخل العسكري الأجنبي، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والتهديدات بالحرب، تقوض جميعها قدرة البلاد على التغيير. وبالنظر إلى أن بقاء الجمهورية الإسلامية بعد انتهاء الحرب يبدو شبه مؤكد، فإن السؤال الأهم هو كيف يمكن لتسوية ما بعد الحرب أن تدعم القوى الداخلية الساعية إلى التغيير.
وعلى رغم أن هذه الحرب مددت عمر الجمهورية الإسلامية، فإن عمر النظام يظل محدوداً. فأزمة الشرعية الداخلية عميقة، والرغبة في إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي منتشرة على نطاق واسع، ولا سيما بين الشباب الذين يشكلون نحو 70 في المئة من السكان. وبعد حرب يونيو 2025، لم يستغرق الأمر سوى ستة أشهر قبل أن تعود المطالب السياسية إلى الظهور في صورة احتجاجات وطنية اندلعت بسبب تدهور الاقتصاد والقمع السياسي. وحين ينقشع غبار هذه الحرب في نهاية المطاف، ستعود مطالب المساءلة والشفافية والتمثيل السياسي إلى الواجهة.
لا بد من أن تنتهي الحرب الحالية يوماً ما، وحين يحدث ذلك، سيبدأ الإيرانيون في التعافي، وسيعود النضال من أجل الديمقراطية إلى الظهور. وسيكون الطريق طويلاً وشاقاً، ولا يوجد ما يضمن انتصار المعارضة. لكن من المهم إدراك أن كثيراً من الشروط الداخلية اللازمة للتحول الديمقراطي متوافرة بالفعل، وأن اتفاقاً فعالاً لإنهاء الحرب من شأنه، عبر تغيير السياق الدولي، أن يعزز بدرجة كبيرة فرص نجاح هذا التحول، لا فوراً، بل في نهاية المطاف.
نادر هاشمي مدير مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي – المسيحي، وأستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط والسياسة الإسلامية بجامعة جورج تاون.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 28 يوليو (تموز) 2026
