صار العدوان الإيرانيّ المباشر ومن خلال الأذرع نمطاً خطيراً لا بدّ من مواجهته بالتوحّد في المقاربة وحشد الإمكانيّات لوضع حدٍّ لهذا الإجرام المستمرّ حتّى على الأماكن المقدّسة. إذ هاجم الحوثيّون قبل ثلاثة أسابيع الساحل اليمنيّ الغربيّ واستولوا على مناطق ما بين باب المندب والمخا وقرى من حول صنعاء المحاصَرة. يهاجمون منذ أسبوع المنشآت المدنيّة والمطارات في المملكة السعوديّة.
وقفنا جميعاً مشدوهين لأنّ مسيّرات الحوثيّين وصواريخهم تضرب مكّة والمدينة، وتشمل بغاراتها المطارات المدنيّة، ما أدّى إلى إقفال مطار الرياض. ماذا تعني الحملات الحوثيّة الجديدة على المملكة بالذات؟
أعلنت السعوديّة التي ترأس قوّات التحالف تضامنها مع الحكومة الشرعيّة وقوّاتها باليمن، وأغارت طائرات التحالف على مئات المواقع الحوثيّة، ومن بينها صنعاء وصعدة والساحل الغربيّ. حرّرت القوّات اليمنيّة باب المندب وبعض جزره، وتمضي بعد الوازعيّة باتّجاه ميناء المخا والمدينة، كما تردّ الهجمات على تعز والمواقع الأخرى المحاذية للمناطق التي فيها السلطات الشرعيّة. وتشكو الحكومة اليمنيّة من الهجمات على مطار عدن المدنيّ، والتسبّب في تهجير مئات الآلاف من المناطق التي احتلّتها ميليشيا الحوثيّ.
هدنة غامضة المعالم
على مدى أعوامٍ وأعوامٍ عرض الوسيط السويديّ هانس غروندبرغ على اليمنيّين وساطات متعدّدة لاستعادة السلام. وظنّ الجميع أنّه منذ العام 2022 هناك هدنة وسلام مؤقّت، وبخاصّةٍ بعد أن نقض الحوثيّون اتّفاق استوكهولم المتعلّق بميناء الحديدة الذي كان ينبغي أن تديره القوّات الدوليّة.
لكن رغم الهدنة الغامضة المعالم، والاتّفاقيّات على تبادل الأسرى، كانت هناك مئات الخروقات، سواء باتّجاه مأرب أو تعز، فضلاً عن احتجاز عشرات العناصر الأمميّة العاملة في المساعدات. ثمّ كان الهجوم الشامل، وبدء الغارات الكثيفة على مطارات المملكة. والطريف والغريب أنّهم وهم يستولون على مضيق باب المندب، طمأنوا الأميركيّين إلى أنّهم لن يتعرّضوا لحرّية الملاحة وكلّ السفن تستطيع المرور باستثناء السفن السعوديّة!
ما كان ضروريّاً إيراد كلّ هذه التفاصيل، لأنّ هؤلاء عبارة عن ميليشيا مذهبيّة وطائفيّة تحكم شمال اليمن بالقوّة منذ العام 2014. وهم مثل “الحزب” يلبّون دائماً مطالب إيران عندما تشعر بضيق. الآن “الحزب” معطَّلٌ تماماً. والميليشيات العراقيّة جرّبت ضربةً واحدةً فردّ عليها السعوديّون والأميركيّون في جرف الصخر وقتلوا منهم العشرات، وعشرات أخرى على مقربة من مطار بغداد. وقد هدّدوا أخيراً، لكنّ الحكومة العراقيّة قالت إنّها ستضربهم بقوّات مكافحة الإرهاب لديها.
لم يبقَ إلّا الحوثيّ
ما بقي لدى الإيرانيّين إذاً غير ميليشيا الحوثيّ يمكن استخدامها، وبخاصّةٍ أنّهم استطاعوا في الشهور الأخيرة أن يزوّدوهم بصواريخ ومسيّرات وعناصر من الحرس الثوريّ ومن “الحزب” اللبنانيّ الذي شارك في تدريبهم قبل سنوات.
أميركا فوّتت على إيران الاستئثار في مضيق هرمز وإن حالت دون تحريره. وكلّ يوم يقول الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّه لن يقاتل قبل الانتخابات النصفيّة فيما الوساطات بين الطرفين متواصلة، فلماذا لا يستخدمون ذراعهم الأخيرة المتمثّلة في الحوثيّ ولهدفٍ مزدوج: الاستيلاء على باب المندب وتهديد أمن المملكة العربيّة السعوديّة؟
السؤال: لماذا هذا الحقد على المملكة والضربات على المطارات المدنيّة؟
لقد نشروا آلاف العناصر في الساحل الغربيّ ومن حول تعز والمخا وما وراءها. وقد استطاعت القوّات اليمنية بدعمٍ من طائرات التحالف تحرير باب المندب وبعض جزره، وهم سائرون من الوازعيّة ومن جبهة تعز باتّجاه المخا، ومن جهةٍ أُخرى باتّجاه الحديدة. كما أخمدوا الهجمات على مأرب وعلى لحج، ومن جهةٍ أُخرى على الجوف رغم تضارب الأنباء.
هل كان الردع الذي واجهوه في الساحل الغربيّ وباتّجاه مأرب، هو الذي دفعهم لتعظيم الهجمات على المملكة بحجّة كونها تساند قوّات الحكومة اليمنيّة؟
هذا أمرٌ غير مقنع، وبخاصّةٍ أنّ المملكة كانت الوحيدة التي عقدت اتّفاق عدم اعتداء مع طهران بوساطةٍ صينيّة عام 2022.
ترامب متردّد
الدول الخليجيّة والعربيّة والجهات الدوليّة، ومنها الولايات المتّحدة تستنكر الهجمات على المرافق المدنيّة بالمملكة. لكنّ ترامب، الذي يقدّم مساعدات استخبارية، متردّد في المشاركة في ضرب الحوثيّين كما سبق له أن فعل من قبل.
مضت شهور على هجمات إيران والحوثيّين على دول الخليج. وقد تبيّن أنّه: ما حكَّ جلدك مثل ظفرك! ما عادت العلاقات أو المفاوضات الثنائيّة مفيدةً ولا مجدية. فما الذي يمنع إيران أو عملاءها من العودة لضرب دول الخليج كلّها؟
التطوّرات الأخيرة تفيد أنّ ترامب مصرّ على التفاوض والاتّفاق مع إيران قبل الانتخابات على الأقلّ، وهذا يعني أنّه لن يساعد أكثر، ولذلك لا بديل في حالة الخطر والتصعيد والإجرام هذه من ثلاثة أمور:
1- التقاء دول مجلس التعاون الخليجيّ على التعاون والمواجهة للعدوان الإيرانيّ بشتّى الوسائل.
2- لا ينبغي ترك اليمن لأنّ ما يهدّده يهدّد أمن الخليج.
3- وضع الدول الكبرى أمام مسؤوليّاتها لجهة حفظ الاستقرار بالمنطقة في البرّ والبحر لارتباط المصالح العالميّة بذلك.
