ليست مصادفةً عابرة أن تُضبط سيارة محمّلة بنصف طنّ من المتفجّرات على حاجز لقوى الأمن الداخليّ في ضهر البيدر، وهي في طريقها من البقاع إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة. فالشحنة كانت مُحمّلة بـ500 كيلوغرام من مادّة TNT وC4 مع 200 كيلوغرام من المسامير والكرات المعدنيّة، وقيل أنّ ابن مسؤول في “الحزب” هو واحد من اثنين كانا ينقلان الشحنة. ليست تفصيلاً أمنيّاً يمكن طيّه ببيان مقتضب أو التعامل معه بوصفه حادثاً انتهى بمجرّد مصادرة المتفجّرات وتوقيف ناقليها. إنّها واقعة تستدعي سؤالاً سياسيّاً يتجاوز السيّارة وأفرادها: من الذي يحتاج إلى هذه الكميّة؟ ولماذا؟ ولأيّ غاية يجري نقلها في بلد لم يتعافَ بعد من تاريخ طويل من الاغتيالات؟
اجتماع هذه الكميّة من الموادّ الشديدة الانفجار مع وسائل يُقال إنّها تهدف إلى زيادة الإصابات يجعل احتمال الاستخدام الإجراميّ أمراً بالغ الخطورة، ويستوجب كشف الحقيقة كاملة. ولا تكفي معرفة من قاد السيارة، بل ينبغي معرفة من أمّن الشحنة، ومن أصدر الأوامر، ومن حدّد وجهتها، ومن كان ينتظر تسلّمها.
لبنان الذي عرف الاغتيال السياسيّ يعرف جيّداً أنّ الجريمة لا تبدأ لحظة التفجير، بل قبل ذلك بكثير، حين تُبنى الشبكة وتُرسم الأهداف ويُقدَّر أنّ كلفة الدم أقلّ من كلفة التراجع السياسيّ. لذلك، فإنّ ضبط الشحنة ليس نهاية الخطر، بل بداية امتحان الدولة في قدرتها على الوصول إلى الحقيقة ومنع تكرار الجريمة.
من مروان حمادة إلى شبح الاغتيالات
في الأوّل من تشرين الأوّل 2004، دوّى انفجار استهدف الوزير مروان حمادة، فكان الاعتداء إشارة مبكرة إلى أنّ لبنان يدخل مرحلة جديدة من تصفية الحسابات السياسيّة. ثمّ جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ليتحوّل الانفجار الهائل الذي هزّ بيروت إلى منعطف في تاريخ البلاد، لا بسبب حجم الخسائر البشريّة وحده، بل لأنّ الجريمة أصابت قلب الحياة السياسيّة وفتحت الباب أمام سلسلة من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، ووضعت البلد على خطّ الزلازل.
سقط سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، واستُهدف آخرون، بينهم شخصيّات سياسيّة وأمنيّة وإعلاميّة. وفي السنوات التالية، امتدّ مسلسل القتل إلى نوّاب ومسؤولين وضبّاط، وصولاً إلى اغتيال النقيب وسام عيد واللواء وسام الحسن سنة 2012، وهو الذي كان يعمل على مسارات تحقيق مرتبطة بجرائم سابقة، ثمّ محاولة اغتيال الوزير السابق بطرس حرب. لم تكن تلك الوقائع مجرّد حوادث منفصلة. فقد صنعت من الخوف عنصراً دائماً في الحياة العامّة، وأرسلت إلى السياسيّ والصحافيّ والضابط رسالة واحدة: قد تصبح حياتك ثمناً لموقفك أو لمعلومة تملكها أو لدور تؤدّيه.
صحيح أنّ لكلّ جريمة ظروفها ومساراتها القضائيّة، ولا يصحّ وضعها جميعاً في سلّة واحدة أو افتراض وحدة الجهة المنفّذة. لكنّ الجامع بينها هو الأثر الذي خلّفته في النظام السياسيّ اللبنانيّ: إضعاف الثقة، وترويع المجال العامّ، وتحويل الاختلاف من تنافس مشروع إلى مخاطرة شخصيّة. هكذا، فإنّ أخطر ما في الشحنة المضبوطة ليس فقط قدرتها التدميريّة، بل ما تستحضره من مرحلة اعتقد اللبنانيّون أنّهم قطعوا شوطاً في تجاوزها، فإذا بها تعود لتطرق أبوابهم من جديد.
حين يعجز السّلاح عن إقناع السّياسة
الاغتيال سلاح الجبناء، لأنّه لا يواجه الحجّة بالحجّة، ولا البرنامج ببرنامج مضادّ، ولا يستمدّ شرعيّته من صندوق الاقتراع أو من المؤسّسات الدستوريّة. إنّه الطريق الذي يسلكه من يريد تغيير موازين القوى من دون أن يخضع لاختبار المجتمع، ومن يسعى إلى إسكات الخصم بعد أن يعجز عن هزيمته سياسيّاً. وفي بلد مثل لبنان، حيث تتشابك الطوائف والأحزاب والمصالح المحليّة مع الصراعات الإقليميّة، لا تنتهي آثار الاغتيال عند الضحيّة، بل تمتدّ إلى بيئته ومؤيّديه وخصومه، وقد تتحوّل إلى وقود لدورات جديدة من الانتقام.
لا يحتاج لبنان إلى اغتيال جديد كي يتأكّد أنّ السلم الأهليّ هشّ، وأنّ الثقة بين مكوّناته أضعف من أن تتحمّل صدمات إضافيّة. فالبلاد تعيش أصلاً أزمة دولة ومؤسّسات، وانهياراً اقتصاديّاً واجتماعيّاً تركا المواطنين مكشوفين أمام الخوف والعوز، فيما لا يزال سؤال احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمنيّ موضع نزاع سياسيّ حادّ. وفي مثل هذا المناخ، تصبح المتفجّرات أكثر من مادّة قاتلة: إنّها تهديد مباشر لفكرة أنّ اللبنانيّين يستطيعون إدارة خلافاتهم من دون أن يتحوّل كلّ خلاف إلى احتمال دمويّ.
الدولة التي تسمح بأن يتحوّل التهديد بالقتل إلى وسيلة ضغط تفقد تدريجيّاً معناها. وليس من المقبول أن يصبح اللبنانيّون أسرى انتظار التفجير التالي، أو أن يتعاملوا مع كلّ سيّارة عابرة بوصفها احتمالاً للموت. واجب الدولة أن تحميهم من هذا المصير، وواجب القوى السياسيّة ألّا تستخدم أمنهم ورقة في صراعها على السلطة والنفوذ. فالاستقرار لا يُبنى بتجميد السياسة، بل بإخضاعها لقواعد تمنع القويّ من فرض إرادته على الضعيف، وتمنع أيّ جهة من امتلاك حقّ الحياة والموت خارج القانون.
لا حصانة لمن يخطّط للقتل
قد تكون شحنة المتفجّرات المضبوطة فرصةً لقطع الطريق على عودة الاغتيالات، إذا امتلكت الدولة الإرادة السياسيّة والقضائيّة لتحويلها إلى ملفّ مكتمل. وقد تكون، إذا ضاعت الحقيقة في دهاليز التسويات، إنذاراً بأنّ شبكات العنف ما زالت قادرة على الحركة، وأنّ من يراهنون على الإفلات من العقاب لم يتخلّوا عن أدواتهم. وبين الاحتمالين يقف لبنان أمام مسؤوليّة لا تحتمل التأجيل: حماية الحياة السياسيّة من العودة إلى زمن العبوات والسيّارات المفخّخة.
ليس في الاغتيال بطولة، ولا في استهداف الخصوم دليل قوّة. القوّة الحقيقيّة أن يستطيع صاحب المشروع الدفاع عنه أمام الناس، وأن يقبل الاحتكام إلى المؤسّسات، وأن يتحمّل خسارة سياسيّة من دون أن يحوّلها إلى حكم بالموت على خصمه. أمّا من يخطّط للقتل، فإنّه يقرّ، قبل أيّ شيء آخر، بأنّه لا يثق بقدرته على الانتصار في السياسة، فيستبدل إرادة الناخبين بعبوة، والحوار بالدم، والمنافسة بالخوف.
الاغتيال سلاح الجبناء، أمّا الدولة فمسؤوليّتها أن تجعل هذا السلاح عاجزاً عن تقرير مستقبل لبنان. والدولة تدفع أثماناً باهظة من دم سياسيّيها وصحافيّيها وضبّاطها ومواطنيها لا تستطيع أن تسمح بتكرار المأساة، ولا أن تقبل بأن يصبح القتل وسيلةً لتصحيح موازين القوى.
