ملخص
تغير المناخ يتحول إلى عامل حاسم في السباق الاقتصادي والتكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة، إذ تهدد الكوارث المناخية شبكات الكهرباء والمياه والنقل وسلاسل الإمداد ومراكز البيانات. بكين تبني قدرة وطنية طويلة الأمد على التكيف، فيما تبدو واشنطن بلا استراتيجية مستقرة، ما قد يجعل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة ساحات جديدة لتفوق صيني محتمل.
يلقي تغير المناخ بظلاله على التنافس بين الصين والولايات المتحدة. فهو عامل لا يحظى بما يكفي من الاهتمام، لكنه قد يحدد من يفوز في سباق تطوير تقنيات المستقبل، ومن يكتسب أفضلية اقتصادية ويعزز نفوذه حول العالم. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، سيصعب أكثر تجاهل هذا العامل، لأن البلدين، وهما أكبر مصدرين لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، يواجهان مخاطر كبيرة من الظواهر المناخية المتطرفة.
يهدد الطقس المتطرف الأسس المادية للقوة الاقتصادية والتكنولوجية لكل من الصين والولايات المتحدة. فهو قادر على إضعاف أنظمة حيوية، مثل شبكات الكهرباء والمياه، وتعطيل شبكات النقل، وكسر سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الصناعة. ويمكنه أيضاً تدمير المساكن والمنشآت التجارية، ودفع المجتمعات المحلية إلى ركود اقتصادي مع رحيل السكان وإغلاق المتاجر. كما قد يضغط على أسواق التأمين، مع تراجع القدرة على تحمل كلفة تغطية الممتلكات أو عدم توافرها أصلاً. وقد يضعف إنتاجية العمل، ويجبر الحكومات على تحويل الموارد للتعامل مع أزمات صحية عامة.
وبحسب “مؤشر مخاطر المناخ لعام 2026” الصادر عن منظمة “جيرمان ووتش” غير الربحية، جاءت الصين والولايات المتحدة ضمن أكثر 20 دولة تكبدت خسائر اقتصادية وبشرية بسبب الطقس المتطرف بين عامي 1995 و2024. ولن تزداد هذه الظواهر إلا شدة مع ارتفاع حرارة الكوكب. وتتوقع شركة “إكس دي آي” XDI، المتخصصة في تحليل مخاطر المناخ، أن تكون 29 مقاطعة صينية و18 ولاية أميركية ضمن قائمة المئة منطقة إدارية في العالم الأكثر تعرضاً للاضطراب المناخي بحلول عام 2050.
وسيحدد مستوى استعداد الصين والولايات المتحدة للطقس المتطرف ملامح آفاقهما الاقتصادية في المستقبل. ويمكن تخفيف أضرار الكوارث المرتبطة بالمناخ عبر الانسحاب المنظم للسكان والبنية التحتية من المناطق المعرضة لخطر شديد، وتنفيذ مشاريع هندسية طموحة لحماية المراكز المالية، وبناء أنظمة إنذار مبكر قوية، وغير ذلك من أشكال التكيف. ووفق دراسة لمعهد الموارد العالمية، فإن كل دولار يستثمر في التكيف مع المناخ يمكن أن يحقق عوائد تتجاوز 10.5 دولار خلال 10 أعوام. واليوم، تستثمر الصين في هذه الإجراءات أكثر بكثير من الولايات المتحدة. وإذا لم تبذل واشنطن جهداً أكبر لحماية مصادر قوتها الوطنية من الطقس المتطرف المقبل، فقد تتلقى قدرتها التنافسية الاقتصادية ضربات أشد فأشد.
تسبق بخطوة
تدمج بكين التكيف مع المناخ في تخطيطها السياسي منذ أكثر من عقد، إذ أصدرت أول “استراتيجية وطنية للتكيف مع المناخ” عام 2013. ومنذ ذلك الحين، بنت الصين تدريجاً برامج متعددة، شملت مراقبة المناخ والإنذار المبكر، والوقاية من الكوارث، وتعزيز قدرة النظم الطبيعية على الصمود. كما عملت على تحصين البنية التحتية والزراعة والتنمية الحضرية وأنظمة الصحة العامة في مواجهة آثار المناخ.
وتشمل هذه الجهود التخطيط الإقليمي، إذ تملك معظم المقاطعات الصينية تقريباً خططاً للتكيف مع المناخ، كما تشارك فيها 17 وزارة وهيئة مركزية على الأقل، مع أهداف تمتد حتى عام 2035. وفي عام 2024 وحده، أصدرت الحكومة المركزية نحو 100 وثيقة تتعلق بسياسات التكيف مع المناخ. وفي قمة الأمم المتحدة للمناخ عام 2025، تعهد الرئيس الصيني شي جينبينغ بجعل الصين “مجتمعاً متكيفاً مع المناخ” بحلول عام 2035. كذلك دعت الخطة الخمسية الـ15 للصين، التي اعتمدت في وقت سابق من هذا العام، إلى تعزيز الإطار الوطني للتكيف مع المناخ، وتحسين تقييم المخاطر في القطاعات والمناطق الهشة، وزيادة القدرة على الاستجابة للطقس المتطرف.
وتدعم بكين تعهداتها باستثمارات كبيرة. ولخفض مخاطر الفيضانات في المدن، على سبيل المثال، نفذت الصين منذ عام 2015 نحو 90 مشروعاً تجريبياً ونموذجاً تطبيقياً ضمن برنامج “مدن الإسفنج”، مستخدمة الأرصفة النفاذة للمياه، والأراضي الرطبة، وحدائق المطر، والأسطح الخضراء، وأنظمة تصريف محسّنة لامتصاص الأمطار بفاعلية أكبر. وبين عامي 2021 و2025، حصلت هذه المبادرة على نحو 8.5 مليار دولار من تمويل الحكومة المركزية، وحشدت استثمارات إجمالية تقارب 23 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً قيمة تعويضات التأمين بعد حرائق لوس أنجليس عام 2025.
وأطلقت الصين أيضاً 67 مشروعاً تجريبياً لاستكشاف حلول إضافية، منها شبكات كهرباء أكثر متانة وتنسيق إمدادات الطاقة والطلب عليها وتخزينها، وأراض رطبة ساحلية تعمل كحواجز طبيعية في وجه العواصف والفيضانات وارتفاع مستوى البحر، وتصميمات لـ”مدن باردة” تخفف التعرض للحر، وممارسات زراعية تتكيف مع الحرارة والجفاف وتغير أنماط الأمطار. وارتفع استثمار الصين في الوقاية من الكوارث وإدارة الطوارئ بمعدل سنوي يقارب تسعة في المئة بين عامي 2019 و2023.
يمكن تخفيف أضرار الكوارث المرتبطة بالمناخ
يتجه جزء كبير من إنفاق الصين إلى تجهيز بنيتها التحتية كي تصمد أمام الطقس المتطرف. وخلال الأعوام الخمسة المقبلة، تعتزم شركة “ستايت غريد” State Grid، وهي الشركة المهيمنة على قطاع الكهرباء في الصين، استثمار نحو 570 مليار دولار في تحديثات تسمح للشبكة الوطنية بالتعامل بصورة أفضل مع تقلبات إمدادات الكهرباء، وتوسيع مصادر الطاقة الاحتياطية المحلية عبر الشبكات الصغيرة، والحفاظ على موثوقية الخدمة أثناء الاضطرابات الناجمة عن الطقس المتطرف.
وبلغ الإنفاق على الخزانات وأنظمة الري وتحويل المياه وغيرها من البنى المخصصة لحفظ المياه والسيطرة على الفيضانات رقماً قياسياً يقارب 190 مليار دولار عام 2024. وفي عام 2002، شرعت الصين في أكبر مشروع لتحويل المياه في التاريخ، وهو “مشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال”، الذي ينقل المياه من جنوب البلاد الرطب إلى شمالها الذي يعاني ندرة المياه، حيث تقع مراكز اقتصادية كبرى مثل بكين وتيانجين، في إطار جهد أوسع لتعزيز أمن الإمدادات المائية وبناء القدرة على مقاومة الجفاف.
وبنت الصين أيضاً واحداً من أوسع أنظمة الرصد الجوي في العالم، يستطيع، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، تقديم توقعات تدعم أنظمة الإنذار المبكر. كما تسخر الغابات والأراضي الرطبة والأنهار والمراعي والنظم الساحلية للحد من الفيضانات وخفض الحرارة وامتصاص الصدمات المناخية. فعلى سبيل المثال، زرعت الحكومة مساحات شاسعة من الغابات لمكافحة التعرية والتصحر. ويعود أحد هذه المشاريع إلى عام 1978، ويقوم على زراعة حزام من الأشجار بطول 2000 ميل حول صحراء تاكلامكان في شمال غربي البلاد.
وتلجأ الصين كذلك إلى أدوات مالية لإدارة مخاطر المناخ. وتشمل هذه الأدوات التأمين المناخي لمساعدة الأسر والمزارعين والشركات على التعافي من الخسائر المرتبطة بالمناخ، وتأميناً أوسع ضد الكوارث يغطي الخسائر الناجمة عن أحداث كبرى مثل الفيضانات والأعاصير، إضافة إلى التوسع في إعادة التأمين، بحيث تستطيع شركات التأمين تقاسم هذه المخاطر مع شركات أخرى ومواصلة دفع التعويضات بعد الكوارث الكبرى.
وفي العام الماضي، أصدرت الصين إرشادات للشركات حول كيفية الإفصاح عن تأثير مخاطر المناخ في أعمالها. واعتباراً من عام 2026، تلزم البورصات الصينية بعض الشركات الكبرى المدرجة بالإفصاح عن كيفية تحديدها مخاطر المناخ وإدارتها. وتهدف هذه الإفصاحات إلى مساعدة المستثمرين والمقرضين والجهات التنظيمية على معرفة الشركات المعرضة للصدمات المناخية ومدى استعدادها للتعامل معها.
كما كانت الصين رائدة في تطوير مؤشر جديد يعرف باسم “الناتج الإجمالي للنظام البيئي” Gross Ecosystem Product، ويقيس القيمة الاقتصادية للمنافع التي يحصل عليها الناس من البيئة الطبيعية. ويسمح هذا المؤشر لصناع القرار بإدخال القيمة الاقتصادية للعناصر الطبيعية، بما فيها تلك التي تخفف مخاطر المناخ، في تحليلات الكلفة والمنفعة للاستثمارات العامة والخاصة. وقد اعتمدته مئات الحكومات المحلية في أنحاء الصين.
غير أن مقاربة الصين للتكيف لا تخلو من الثغرات. فما زالت برامج كثيرة تعاني من نقص التمويل، كما أن التنفيذ غير متكافئ. فبعد فيضان عام 2021 الذي أودى بحياة 380 شخصاً في مدينة تشنغتشو، وهي مدينة شاركت في برنامج “مدن الإسفنج”، خلص تحقيق رسمي إلى أن ثلث استثمارات البرنامج فقط ذهب إلى إجراءات مرتبطة مباشرة بإدارة الفيضانات الحضرية، بينما أنفق أكثر من النصف على تنسيق الحدائق. كذلك لا تنفذ التوجيهات المركزية دائماً على المستوى المحلي، مما دفع الحكومة المركزية إلى تعزيز المساءلة بربط تقييم أداء المسؤولين المحليين بالنتائج البيئية. لكن القادة الصينيين، عموماً، يأخذون مخاطر المناخ والتكيف معها بجدية. فعلى مدى قرون، ارتبطت الشرعية السياسية في الصين بقدرة الدولة على إدارة الفيضانات والجفاف وسواهما من الصدمات البيئية، وهو إرث يعزز اندفاع بكين نحو تقوية الاستعداد للكوارث.
بلد بلا خطة
في المقابل، تبدو الصورة في الولايات المتحدة مختلفة كثيراً. ومن الطبيعي أن تظهر فروق بين جهود الصين والولايات المتحدة في التكيف، فالنظامان السياسيان مختلفان إلى حد بعيد، كما يواجه البلدان مخاطر مناخية مختلفة. لكن الفارق الأساس أن واشنطن، بخلاف بكين، لا تملك استراتيجية وطنية ثابتة. وحتى عندما أقرت الحكومة الأميركية بمخاطر المناخ، لم تتبع ذلك بتخطيط سياسي مستدام.
ومنذ عام 2013، يحذر “مكتب المساءلة الحكومية” الحكومة الفيدرالية من التداعيات المالية السلبية للطقس المتطرف. وأصدرت إدارة بايدن عام 2023 إطاراً وطنياً للتكيف حدد “فرصاً للتحرك”، لكنه لم يقدم تفاصيل كثيرة تتجاوز ذلك. وفي عام 2024، دعا المكتب الكونغرس مجدداً إلى وضع استراتيجية وطنية لتعزيز القدرة على مواجهة آثار تغير المناخ، وتحسين جمع المعلومات الخاصة بمخاطر المناخ وتوزيعها، وزيادة الاستثمار في تدابير الصمود. وفي النهاية، لم تؤمن إدارة بايدن التمويل الكافي ولا الدعم المؤسسي اللازم للحفاظ على أي تقدم حققته بعد انتقال السلطة إلى الإدارة التالية.
حتى الآن، لا يبدو أن هناك أي جهد وطني قائم للتكيف. وبدلاً من ذلك، ترفض إدارة ترمب فكرة مخاطر المناخ نفسها. فقد قلصت إتاحة المعلومات المناخية للجمهور، وأصدرت توجيهات ألغت الأعمال المتعلقة بالمناخ داخل الحكومة الفيدرالية، واعتمدت استراتيجية أمن قومي تتجاهل تغير المناخ، وفككت الجهود الفيدرالية لإعداد تقييم وطني للمناخ بتكليف من الكونغرس، وأنهت برامج مساعدات دولية كانت تساعد دولاً أخرى على التعامل مع تغير المناخ، وتخلت عن قواعد الإفصاح المناخي التي كانت ستلزم الشركات المدرجة في البورصة، وأضعفت القدرات الأميركية في الأرصاد الجوية، بما في ذلك جمع البيانات من الأقمار الاصطناعية وبالونات الرصد الجوي. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أصدر البيت الأبيض “استراتيجية للقدرة على الصمود” لمعالجة المخاطر التي تهدد الأمن القومي والاقتصاد والصحة والسلامة العامة والبنية التحتية، لكن الوثيقة لم تذكر تغير المناخ إطلاقاً.
حققت بعض المدن والولايات الأميركية تقدماً في بناء القدرة على الصمود المناخي بجهودها الخاصة. فمدينة نيويورك، مثلاً، رفعت أجزاء من جنوب مانهاتن للتعامل مع ارتفاع مستوى البحر، ومولت مشاريع للحد من الفيضانات عبر امتصاص مياه الأمطار ونقلها وتخزينها. وأنشأت فينيكس مكتباً حكومياً لقيادة التخطيط لموجات الحر الشديد، وبات لديها أكثر من 140 ميلاً من “الأرصفة الباردة”، وهي شوارع معالجة بطبقة إسفلتية عاكسة تمتص حرارة أقل. كما أتاحت ماريلاند للمقاطعات والبلديات أن تتعاون لإصدار سندات وفرض رسوم لتمويل مشاريع تساعدها على مواجهة آثار المناخ، حتى عندما تتجاوز هذه المشاريع الحدود الإدارية.
لكن أكثر من نصف الولايات لا يملك خططاً للتكيف. وحتى لو امتلكتها، فإن الاستجابات الفردية والمحلية للطقس المتطرف لا تكفي لمعالجة مشكلة لا تعترف بالحدود. وفي الحد الأدنى، ينبغي للحكومة الفيدرالية أن توفر رصداً وتوقعاً جويين عاليي الجودة بوصفهما منفعة عامة، وأن تدعم أبحاث علوم المناخ لفهم التغيرات المقبلة بصورة أفضل. لكن عليها أن تفعل أكثر من ذلك بكثير، بدءاً من إنشاء نظام يسهل الاستثمارات الوطنية الكبرى في التكيف، وصولاً إلى وضع قواعد تلزم مالكي البنية التحتية الحيوية ومشغليها بالتخطيط لمخاطر المناخ المتزايدة.
تأقلم أو ادفع الثمن
في التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة، سيحصل البلد الأقدر على التكيف مع تغير المناخ على مزايا كبيرة في مواجهة منافسه. ويرجع ذلك، في جزء منه، إلى سبب بسيط: الطقس المتطرف والاضطرابات البيئية مكلفان. ففي عام 2024، سجلت الصين نحو 55 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن كوارث مرتبطة بالمياه والطقس. وفي العام نفسه، شهدت الولايات المتحدة 27 كارثة منفصلة مرتبطة بالطقس والمناخ، تجاوزت أضرار كل منها مليار دولار، وبلغت كلفتها الإجمالية 182.7 مليار دولار.
وقد تجعل احتمالات هذه الخسائر بعض المناطق أقل جاذبية للمستثمرين، وأصعب تأميناً، وأقل قدرة على المنافسة في نهاية المطاف. ففي الصين، تسهم المدن الساحلية المنخفضة بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل ارتفاع مستوى البحر والعواصف والفيضانات الساحلية تهديداً لمحركات رئيسة للنمو. وقد قدر البنك الدولي أن تغير المناخ قد يكلف الصين ما بين 0.5 و2.3 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي في وقت مبكر من عام 2030. لكن إذا نجحت الصين في تنفيذ استراتيجياتها للتكيف بفاعلية، فستكون أمامها فرصة لتخفيف بعض هذه الكلف.
أما الولايات المتحدة، فتملك أدوات أقل لإدارة مشكلة مماثلة. فقد خلص تقرير لمكتب الإدارة والموازنة الأميركي عام 2022 إلى أن تغير المناخ قد يرفع الإنفاق الفيدرالي على برامج مثل تأمين المحاصيل، ومكافحة حرائق الغابات، والاستجابة للكوارث الساحلية، بما بين 25 و128 مليار دولار سنوياً بحلول أواخر القرن الـ21، وهو تقدير يشير التقرير نفسه إلى أنه على الأرجح أقل بكثير من الكلفة الإجمالية التي ستتكبدها الحكومة.
وتجبر حرائق الغابات بالفعل الأسر والمطورين وشركات التأمين على احتساب مخاطر الكوارث في قراراتها. ففي كاليفورنيا، أكبر اقتصاد بين الولايات الأميركية، أوقفت شركات تأمين كبرى أو قيدت إصدار وثائق تأمين جديدة لأصحاب المنازل بعد حرائق باليسيدس وإيتون عام 2025، التي خلفت فاتورة تأمينية بلغت 23.7 مليار دولار.
ولا يقتصر التعرض للمخاطر على حرائق الغابات. فقد قدر مكتب الموازنة في الكونغرس أن ارتفاع مستوى البحر قدمين بحلول عام 2100، وهو الحد الأدنى في سيناريو مرجح، قد يعرّض 250 مليار دولار من سوق العقارات السكنية الأميركية لخطر الفيضانات المتكررة. أما إذا بلغ الارتفاع أربعة أقدام، فقد ترتفع قيمة الأصول المعرضة للخطر إلى 930 مليار دولار.
ومع ذلك، لم تحقق الولايات المتحدة إلا تقدماً محدوداً في خفض مخاطر الأضرار المستقبلية، ولا تستثمر بصورة مستدامة في مشاريع واسعة النطاق، مثل خطة موحدة لحماية السواحل من الفيضانات، أو شبكة كهرباء وطنية قادرة على التعامل مع آثار التغير المناخي، أو أنظمة لنقل المياه بين الولايات، وهي مشاريع يمكن أن توفر حماية أفضل للاقتصاد والناس من الأضرار المناخية.
المقاربة الصينية للتكيف ليست كاملة
ستترك قدرة الصين والولايات المتحدة على التكيف مع تغير المناخ آثاراً كبيرة في محرك رئيس للنمو الاقتصادي المستقبلي: الذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات التي تشغل الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء. وفي الولايات المتحدة، تستهلك مراكز البيانات حالياً نحو أربعة في المئة من إجمالي استهلاك الكهرباء، وقد يتجاوز هذا الرقم 10 في المئة خلال الأعوام القليلة المقبلة.
لكن شبكة الكهرباء الأميركية متقادمة، وبني جزء كبير منها في منتصف القرن الـ20، قبل وقت طويل من بدء المخططين إدخال الطقس المتطرف الناتج من تغير المناخ في حساباتهم. ووفق منظمة “كلايمت سنترال” Climate Central غير الربحية، تسببت الأحداث المرتبطة بالطقس في نحو 80 في المئة من الانقطاعات الكبرى المبلغ عنها في الولايات المتحدة بين عامي 2000 و2023، وازدادت وتيرة هذه الانقطاعات بصورة ملحوظة خلال تلك الفترة. وفي عام 2024، بلغ متوسط مدة انقطاع الكهرباء عن العميل الأميركي نحو 11 ساعة، أي أطول بنحو 50 في المئة من الصين.
ويتنامى طلب مراكز البيانات في الصين على الكهرباء بسرعة أيضاً، ومن المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات تقريباً بحلول عام 2030. لكن لأن منظومة الكهرباء الصينية ضخمة جداً، لم تشكل مراكز البيانات سوى واحد إلى اثنين في المئة من إجمالي الطلب على الكهرباء عام 2024. لذلك قد تكون الصين أكثر قدرة على استيعاب الطلب المتزايد من مراكز البيانات في المدى القريب، حتى لو ارتفع بسرعة. كما أدخلت الصين بالفعل إجراءات التكيف مع آثار تغير المناخ في تخطيط الشبكات والاستثمار فيها، بما في ذلك مشروع يمتد بين عامي 2024 و2027 لتعزيز الحماية من الكوارث، وتحديث الشبكات المحلية، ورفع معايير التصميم في المناطق المعرضة للفيضانات والعواصف الجليدية والأعاصير وسواها من مخاطر الطقس المتطرف.
ولا تمثل موثوقية شبكات الكهرباء العامل المناخي الوحيد الذي سيؤثر في سباق الذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات نفسها معرضة أيضاً للغمر الساحلي والفيضانات ورياح الأعاصير الاستوائية وحرائق الغابات. ووجدت شركة “إكس دي آي” أن أكثر من 200 مركز من أصل 3382 مركز بيانات أميركياً حللتها، خصوصاً في فلوريدا ونيوجيرسي وأوريغون، قد تواجه خطراً كبيراً من أضرار مرتبطة بتغير المناخ بحلول منتصف القرن. وقد تكون مراكز البيانات الصينية أكثر تعرضاً، إذ إن نحو ربع المراكز التي حللتها “إكس دي آي” في الصين قد يواجه مخاطر مرتفعة بحلول عام 2050، وتتركز الأخطار في مراكز اقتصادية حيوية مثل مقاطعة جيانغسو وشنغهاي.
ويملك البلدان الوسائل اللازمة لمواجهة هذا التحدي. فالولايات المتحدة تتمتع بقطاع مراكز بيانات متطور وراسخ، ورأس مال خاص وفير، وأدوات تمويل متنوعة لتسعير مخاطر المناخ ونقلها والتأمين ضدها. أما نقاط قوة الصين فتكمن في التخطيط والتنسيق اللذين تقودهما الدولة، مدعومين باستثمارات كبيرة في البنية التحتية وشبكات وشركات كهرباء قوية. لكن امتلاك هذه المزايا لا يكفي وحده، إذ يتعين على البلدين بذل الجهد لحماية بنية الذكاء الاصطناعي التحتية.
ويمثل التكيف مع المناخ في حد ذاته فرصة اقتصادية، تبدو الصين في وضع أفضل من الولايات المتحدة لاغتنامها. فالصين تهيمن بالفعل على صناعات الطاقة النظيفة، التي باتت تمثل نحو ثلث نموها الاقتصادي. والبلد الذي يستطيع إنتاج تقنيات التكيف على نطاق واسع سيحصل لا على فرص جديدة في التصنيع والوظائف فحسب، بل أيضاً على مزايا تجارية مع بحث العالم عن بنى تحتية قادرة على التكيف مع تغير المناخ.
وسيتزايد الطلب العالمي على معدات شبكات كهرباء مصممة لتحمل الطقس المتطرف، وأنظمة طاقة وتخزين موزعة، ومعدات ري موفرة للمياه وتقنيات زراعية ذكية مناخياً، ومواد بناء قادرة على مقاومة آثار المناخ، إضافة إلى خدمات بيانات مثل أنظمة إنذار مبكر مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وخدمات أرصاد وبيانات أقمار اصطناعية، ومنصات لتحليل البيانات المناخية. وإذا واصلت الولايات المتحدة نقص الاستثمار في التقنيات والمعرفة والخبرة المرتبطة بالتكيف، فإنها تخاطر بالتراجع في صناعة أخرى ذات أهمية كبرى.
ومع ازدياد اضطرابات تغير المناخ، ستدفع الولايات المتحدة ثمناً باهظاً إذا عجزت عن حماية بنيتها التحتية وأصولها الاقتصادية. كما وستواجه فواتير متصاعدة للاستجابة للكوارث، وتصبح أقل جاذبية للمستثمرين، وتتأخر في الصناعات الناشئة، وتتراجع قدرتها التنافسية في نهاية المطاف.
صحيح أن أمام الصين الكثير لتفعله لجعل اقتصادها أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ، وأن البلدين لا يزالان بحاجة إلى فعل المزيد لخفض انبعاثات غازات الدفيئة ومعالجة السبب الجذري لمخاطر المناخ، لكن الصين تتقدم كثيراً على الولايات المتحدة في بناء قدرة الدولة وصوغ الخطط الطويلة الأمد اللازمة للاستعداد للطقس المتطرف المقبل. لقد حان الوقت كي تجعل واشنطن الاستثمار في التكيف أولوية. وإذا أخفقت في التحرك، فسيدفع الاقتصاد الأميركي الثمن.
آليس هيل، زميلة أولى في شؤون الطاقة والبيئة لدى “مجلس العلاقات الخارجية”، ومؤلفة كتاب “المعركة من أجل المناخ بعد كوفيد-19”.
منغيي تسو، عالمة أولى في “تحالف رأس المال الطبيعي” في جامعة ستانفورد.
ترجمة عن “فورين أفيرز”، مايو (أيار) / يونيو (حزيران) 2026