-1-
مرّت الموسيقى العربية، منذ نشأتها الأولى، سواء في المراحل التي سبقت زرياب أم تلك التي تلته، بمنعطفاتٍ وتحوّلاتٍ عديدةٍ، أسهمت في تشكيل هويّتها الفنية. وقد تعدّدت أشكالها وتسمياتها بين الموشّحات والأندلسيات وغيرها من القوالب الغنائية والموسيقية، لكنها ظلّت، لقرونٍ طويلة، مرتبطةً بالبلاط والقصور والمناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى، حتى بدا وكأن المتذوقين حفظوا أنغامها ومقاماتها، وتآلفوا مع إيقاعاتها وآلاتها، بوصفها جزءًا من الذاكرة الجمعية لعصورٍ بأكملها. ولعلّ بعض تلك الأنماط الموسيقية تحوّلت إلى علامةٍ ثقافيةٍ تميّز مرحلةً تاريخيةً بعينها، حتى اقترن اسم العصر بما أنتجه من فنون وألحان.
وإذا كانت الموسيقى رافقت الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ، فإن بلاد الرافدين تقدّم واحدًا من أقدم الشواهد على ذلك، من خلال القيثارة السومرية التي تعد من أقدم الآلات الموسيقية المكتشفة في العالم. أما أقدم الإشارات المعروفة إلى الموسيقى العربية، فتعود إلى نقشٍ آشوريّ من القرن السابع قبل الميلاد، يذكر أن أسرى عربًا كانوا يمضون أوقاتهم بالغناء والعزف. ويشير النقش إلى أن الملك الآشوري آشور بانيبال وحاشيته استمتعوا بذلك الأداء الموسيقي، وأن الحاضرين أبدوا إعجابهم به وطالبوا بالمزيد.
وكان آشور بانيبال قد وسّع نفوذ إمبراطوريته عام 648 قبل الميلاد ليشمل مناطق واسعةٍ من جنوب العراق ومملكة عيلام، ودخل في مواجهات مع القبائل والممالك العربية، ومنها مملكة دومة الجندل التي كانت تحكمها الملكة عطية وزوجها الملك يثع. ومن المحتمل أن يكون أولئك الأسرى الموسيقيون من نتائج تلك الحروب والصراعات. ومع ذلك، لم يصل إلينا أي أثرٍ موسيقيّ مدوّنٍ، أو مقطوعة محفوظة من تلك المرحلة، الأمر الذي يجعل معرفتنا بالموسيقى العربية القديمة مقتصرةً على الشواهد التاريخية والآثارية، التي تؤكّد وجودها وأهميتها، من دون أن تكشف لنا طبيعة ألحانها أو أساليب أدائها.
-2-
شهدت الموسيقى العربية تحوّلات كبرى، أسهمت في تشكيل هويّتها الفنية والجمالية، بدءًا من العصر الجاهلي وصولًا إلى العصر الحديث. وقد تجلّت هذه التحوّلات في تطوّر المقامات الموسيقية، التي ما تزال تمثّل العمود الفقري للموسيقى العربية حتى اليوم، مع حفاظها على كثير من خصائصها الأساسية، فضلًا عن تنوعّ الآلات الموسيقية المرتبطة بها، مثل الرق والدف والناي والقانون، فيما ظلّ العود يحتل مكانةً خاصّةً، بوصفه الآلة الأكثر التصاقًا بالهوية الموسيقية العربية.
وإذا تجاوزنا المراحل الأقدم التي لا تتوافر عنها معلومات كافية، فإن العصر الجاهلي يمثّل نقطة انطلاق واضحة في تاريخ الموسيقى العربية. فقد ارتبط الغناء آنذاك بالشعر ارتباطًا وثيقًا، إذ كانت القصائد تُنشد بإيقاعاتٍ ونبراتٍ صوتيةٍ تمنحها بُعدًا موسيقيًا واضحًا، حتى بدا الشعر نفسه شكلًا من أشكال الغناء. ومع تطوّر استخدام الآلات الموسيقية، ولا سيّما العود، أخذت تلك الأشعار تتحوّل تدريجيًا إلى أغانٍ ذات بناءٍ لحنيّ أكثر وضوحًا.
وفي العصر الأموي بدأت الموسيقى العربية تكتسب طابعًا فنيًا أكثر احترافًا وتنظيمًا، فازدهر الغناء في الحواضر الكبرى، وبرز دور المغنين الذين أسهموا في تطوير الأداء الموسيقي، وإدخال أساليب جديدةٍ في التلحين والغناء. وفي هذه المرحلة لمع عدد من الأسماء المهمة، من بينهم سائب خاثر وعزّة الميلاء وابن مسجح، الذين وضعوا اللبنات الأولى لتطوير الغناء العربي وإثرائه بالمؤثّرات الموسيقية الوافدة.
أما العصر العباسي، فيُعد بمثابة العصر الذهبي للموسيقى العربية، إذ تحوّلت بغداد إلى مركزٍ للفنون والعلوم والمعرفة، وأسهمت حركة الترجمة والانفتاح الحضاري في تطوير النظريات الموسيقية وتوسيع آفاقها. وفي هذا العصر برز إسحاق الموصلي بوصفه أحد أعظم الموسيقيين والمجدّدين، فيما قدّم الفارابي إسهاماته النظرية المهمة في كتابه “الموسيقى الكبير”، الذي يعد من أبرز المؤلّفات الموسيقية في التراث العربي. كما حمل زرياب هذا الإرث إلى الأندلس بعد استقراره في قرطبة، فطوّر أساليب الأداء والعزف وأضاف الوتر الخامس إلى العود، وأسهم في ترسيخ تقاليد موسيقيةٍ جديدة، كان لها أثرٌ بالغٌ في ظهور الموشحات والنوبات الأندلسية، التي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من التراث الموسيقي العربي.
وفي العهد العثماني استمرت الموسيقى العربية في أداء دورها الثقافي والاجتماعي، وتأثّرت ببعض الأنماط الموسيقية التركية وبالإيقاعات المرتبطة بالموسيقى العسكرية، ولكنها حافظت على خصوصيتها المقامية وعلى حضورها في المجالس والاحتفالات والطقوس الدينية، وظلت تمثل أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية العربية حتى بدايات العصر الحديث.
| تعد القيثارة السومرية من أقدم الآلات الموسيقية المكتشفة في العالم (قيثارة الملكة والقيثارة الفضية، من المقبرة الملكية في أور، جنوب بلاد ما بين النهرين، المتحف البريطاني، لندن)- (Getty) |
-3-
وفي العصر الحديث، دخلت الموسيقى العربية مرحلةً جديدةً من التحوّلات، التي جعلتها أكثر انفتاحًا على التطوّر والتجريب، ولا سيما مع بدايات القرن العشرين التي يمكن عدّها نقطة انعطافٍ حقيقيةً في تاريخها. فبعد قرون من الاعتماد على التخت الشرقي التقليدي القائم على عددٍ محدودٍ من الآلات والعازفين، بدأت الموسيقى العربية تنتقل تدريجيًا إلى التكوينات الأوركسترالية الأوسع، مستفيدةً من التطوّرات التقنية، ومن الاحتكاك بالموسيقى العالمية، مع حرصها في الوقت نفسه على الاحتفاظ بخصوصيتها المقامية واللحنية.
وقد ارتبطت هذه المرحلة بأسماء تركت أثرًا كبيرًا في الوجدان العربي، مثل سيّد درويش الذي أعاد ربط الموسيقى بالحياة اليومية للناس، وجعلها أكثر تعبيرًا عن هموم المجتمع وتطلّعاته، ومحمد عبد الوهاب الذي أدخل مفاهيم جديدةً في التوزيع الموسيقي والتلحين، واستفاد من بعض التقنيات الغربية، من دون أن يتخلّى عن روح الموسيقى العربية، فضلًا عن أم كلثوم التي تحوّلت إلى ظاهرةٍ فنيةٍ وثقافيةٍ استثنائية، بفضل تعاونها مع كبار الشعراء والملحّنين، وفريد الأطرش الذي جمع بين التلحين والغناء والعزف على العود، مقدمًا نموذجًا متكاملًا للموسيقي العربي الحديث.
وفي هذه المرحلة تعزّز حضور المقامات العربية، بوصفها الركيزة الأساسية للبناء الموسيقي، إذ تشكّلت من منظومةٍ نغميةٍ غنيةٍ تمتاز بتنوّع الدرجات والمسافات الصوتية التي تمنح الموسيقى العربية طابعها العاطفي والوجداني الخاص. وعلى الرغم من محاولات التحديث والتطوير، ظلّت المقامات تحتفظ بمكانتها المركزية، سواء في الغناء أو في التأليف الموسيقي، لتبقى السمة الأبرز التي تميّز الموسيقى العربية عن غيرها من الموسيقات العالمية.
كما شهدت الآلات الموسيقية العربية تطوّرًا ملحوظًا في أساليب العزف والتوزيع، فحافظ العود على مكانته بوصفه سيّد الآلات العربية وأكثرها حضورًا، إلى جانب القانون والناي والربابة والكمان الذي أصبح جزءًا أساسيًا من التخت الشرقي، فضلًا عن الآلات الإيقاعية مثل الطبلة والرق والدف. وقد أتاح هذا التنوّع الموسيقي إمكانات أوسع للتعبير الفني وأسهم في إثراء البنية اللحنية للأغنية العربية.
ولم تعد الموسيقى العربية مجرّد وسيلةٍ لمرافقة القصيدة المغنّاة، بل أصبحت فنًا قائمًا بذاته يمتلك أدواته التعبيرية المستقلّة، فظهرت المقدّمات الموسيقية الطويلة، والمقطوعات الآلية والتوزيعات المركّبة، التي منحت اللحن مساحةً أكبر للحضور والتأثير. كما ساعد انتشار الإذاعة ثم السينما والتلفزيون وشركات التسجيل على وصول الأغنية العربية إلى جمهورٍ واسعٍ تجاوز الحدود المحليّة ليشمل العالم العربي بأكمله.
وقد شهدت هذه النهضة الموسيقية ازدهارًا واضحًا في عدد من البلدان العربية، ولا سيما مصر التي تحوّلت إلى مركز الإنتاج الموسيقي العربي، والعراق الذي حافظ على خصوصية المقام العراقي، وقدّم تجارب لحنية متجدّدة، وبلاد الشام التي أسهمت في تطوير الأغنية الحديثة من خلال مدارسها الغنائية والموسيقية المتنوّعة. ومن خلال هذا التفاعل الخلاق بين التراث والتجديد، استطاعت الموسيقى العربية أن تدخل في القرن العشرين وهي أكثر قدرة على التعبير عن الإنسان العربي وتحوّلاته الاجتماعية والثقافية، ممهّدة الطريق لظهور مدارس لحنيةً جديدةً ستترك بصمتها الواضحة في النصف الثاني من القرن نفسه.
-4-
بعد منتصف القرن العشرين دخلت الموسيقى العربية مرحلةً جديدةً اتّسمت أساسًا بالنضج الفني واتساع دائرة التأثير الجماهيري، إذ لم تعد الأغنية مقتصرةً على الأداء التقليدي أو على القوالب الموروثة، بل بدأت تشهد تجارب تجديدية واسعة في البناء اللحني والتوزيع الموسيقي والأداء الغنائي. وقد ساعدت الإذاعات العربية والسينما وشركات الإنتاج على انتشار الأغنية الحديثة، لتتحوّل الموسيقى إلى أحد أهم عناصر الثقافة العربية المعاصرة.
وفي هذه المرحلة برز عدد من الملحنين الذين أسهموا في رسم ملامح الأغنية العربية الجديدة، من بينهم رياض السنباطي الذي منح القصيدة العربية بعدًا دراميًا عميقًا، ومحمد القصبجي الذي أدخل أساليب لحنية مبتكرة، تجاوزت المألوف في عصره، وزكريا أحمد الذي حافظ على روح الطرب العربي الأصيل، إلى جانب الأخوين رحباني اللذين قدما في لبنان مشروعًا موسيقيًا متكاملًا جمع بين التراث المحلي والرؤية الحديثة، وأسهم في تقديم صوت فيروز بوصفه أحد أبرز الأصوات العربية في القرن العشرين.
كما شهدت هذه المرحلة تطورًا ملحوظًا في التوزيع الموسيقي، ودخول الآلات الوترية والنحاسية ضمن تشكيلات أكثر اتساعًا، الأمر الذي أوجد مساحاتٍ جديدة للتعبير اللحني. ولم يعد اللّحن يعتمد على الجملة الموسيقية القصيرة فحسب، بل أصبح بناءً متكاملًا يتداخل فيه الأداء الغنائي مع المقدّمات الموسيقية والجمل الآلية، بما يمنح الأغنية طابعًا دراميًا أكثر عمقًا وتأثيرًا.
-5-
لكن التطوّر الذي شهده الجانب اللحني في الموسيقى العربية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين يمكن برأيي اعتباره طفرةً نوعيةً حقيقية، تجسّدت في ظهور مدرستين لحنيتين تركتا أثرًا عميقًا ما زال حاضرًا حتى اليوم، الأولى في مصر قادها بليغ حمدي، والثانية في العراق جسّدها طالب القرة غولي. ولم يكن تأثيرهما مقتصرًا على نجاح مجموعةٍ من الأغنيات، أو بروز عدد من المطربين، بل تعدّى ذلك إلى إعادة صياغة مفهوم اللحن العربي نفسه، وطريقة تعامله مع المقام والإيقاع والكلمة.
فموسيقى بليغ حمدي، كما يشير عدد من النقاد، قامت على كسر القوالب الجامدة التي استقرّت عليها الأغنية العربية لعقودٍ طويلة، مع الحفاظ على روح المقام الشرقي. فقد تعامل مع المقامات بوصفها فضاءاتٍ مفتوحةً للتجريب والانتقال، وليس بوصفها حدودًا مغلقة، فتنقل بين البيات والراست والحجاز والكرد والصبا بسلاسة لافتة، مانحًا اللحن حركة داخلية متجددة. وفي أعماله مع أم كلثوم في “سيرة الحب” و”فات الميعاد” و”الحب كله”، ومع عبد الحليم حافظ في “زي الهوى” و”موعود” و”حاول تفتكرني”، ومع وردة في “العيون السود” ومع ميادة الحناوي في “أنا بعشقك”، تبدو الجملة الموسيقية وكأنها كائنٌ حيٌّ يتطوّر مع النص ويعيد إنتاجه. ولهذا لم يكن بليغ حمدي مجرّد ملحّنٍ ناجح، بل مؤسّس مدرسة لحنيّة جعلت الأغنية العربية أكثر حيوية وقدرة على التجدّد.
أما طالب القرة غولي فقد انطلق من نقطةٍ مختلفة، إذ استند إلى المقام العراقي وما يحمله من ثراء نغمي وتاريخي، لكنه لم يقدّمه بصيغته التراثية الخالصة، بل أعاد صياغته داخل الأغنية الحديثة. فكان يعتمد كما يذكر عدد من النقاد، على مقامات مثل اللامي والبيات والحجاز والسيكاه، ويمنحها بعدًا شعبيًا وإنسانيًا قريبًا من المتلقي. وفي أغنيات مثل “جذاب” و”الهدل” و”حِن وآنه حِن” وعشرات الأعمال التي قدّمها ياس خضر وسعدون جابر وفؤاد سالم، استطاع أن يحوّل المقام العراقي من فضاءٍ نخبوي أو تراثي، إلى عنصرٍ فاعل في الأغنية الجماهيرية الحديثة. وقد تميّزت ألحانه ببساطة ظاهرية تخفي وراءها بناءً موسيقيًا متماسكًا، وبقدرةٍ كبيرةٍ على ترجمة المعنى الشعري إلى إحساس لحني مباشر.
ومن هنا يمكن النظر إلى بليغ حمدي وطالب القرة غولي بوصفهما مدرستين متوازيتين في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، فالأولى انطلقت من مركز الأغنية العربية في مصر، لتطوير المقام العربي وإدخاله في أفق أوركسترالي أكثر اتّساعًا، فيما انطلقت الثانية من خصوصية المقام العراقي لتؤكّد أن التجديد الحقيقي لا يتحقّق بقطع الصلة مع التراث، بل بإعادة اكتشافه وتقديمه بلغةٍ جديدة. وربما لهذا السبب ما زالت أصداء المدرستين حاضرة في تجارب عدد كبير من الملحّنين العرب حتى يومنا هذا، سواء على مستوى البناء اللحني أو طريقة التعامل مع المقام أو العلاقة بين الموسيقى والكلمة.