هل انحسر دور الناقد الأدبي نهائيًا في توجيه بوصلة القراءة، وفي اكتشاف النصوص النافرة وتوطينها في الخريطة الإبداعية؟ كان قدامة بن جعفر قد اختزل في كتابه “نقد الشعر” صورة الناقد منذ القرن العاشر بقوله “هو الذي يستطيع التمييز بين الدرهم الأصلي والدرهم المغشوش”.
وفقًا لهذه المسطرة النقدية التي تستعير ميزان الصائغ في فحص المعادن الثمينة، اكتشف يوسف إدريس رواية “تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم بنسختها التجريبية الأولى، والأمر نفسه بالنسبة لعبد الحكيم قاسم الذي كان روائيًا مغمورًا إلى أن أشار إلى موهبته الفذّة إدوار الخرّاط، وإذا بروايته “أيام الإنسان السبعة” تحتل واجهة أدب الستينيات كواحدة من بين أهم مائة رواية عربية، وربما كنّا لن نسمع باسم محمد الماغوط لو لم يرشحّه أدونيس لجماعة “مجلة شعر”، الذين ظنّوا وهم ينصتون بذهول إلى قصيدته “القتل”، التي كتبها في سجن المزّة العسكري على ورق سجائر لفّ بأنها تخصّ رامبو، أو بودلير، وبما يشبه اليقين، كان محمد شكري سيمضي حياته متشرّدًا في شوارع وحانات طنجة لو لم يكتشفه الكاتب الأميركي بول باولز بعد اطلاعه على سيرته الذاتية “الخبز الحافي”، ويترجمها إلى اللغة الإنكليزية، ثم تعهّد الطاهر بن جلون ترجمها إلى الفرنسية، قبل نشرها باللغة العربية كواحدة من تحف السيرة الذاتية.
تشييع جنازة الناقد
| عبد الحكيم قاسم كان روائيًا مغمورًا إلى أن أشار إلى موهبته الفذّة إدوار الخرّاط |
ولكنْ، مهلًا، هل قلت الناقد الأدبي؟ هنالك من يؤكد موته المحقّق، إذ شيّع رونان ماكدونالد جنازته منذ مطلع الألفية الثالثة، وقبله بعقود أعلن رولان بارت “موت المؤلف” في موكب جنائزي مهيب، منتصرًا للنصّ من دون صاحبه. وفي دورة التفافية ثالثة، تداول آخرون “موت القارئ”، ذلك الذي يقلّب تربة النص، ويكتشف منفذ الضوء، ونسبة الأوكسجين، بخلاف قارئ اليوم، هذا الكائن الهلامي الذي بالكاد يلتقط ذبذبات النصّ كمن يهرول نحو موعد متأخر في مطار مزدحم بالمسافرين، يفتّش عن رقم بوابة الطيران التي تخصّه كي لا تفوته الطائرة.
قارئ اليوم بدمغة أخرى، كائن يصطاد أسماك الشاطئ، ويسبح في المياه الضحلة من دون الغوص في المياه العميقة للمعنى، فهو يتعامل مع الكتاب وفقًا لثقافة مقاهي المولات: فنجان قهوة، وزجاجة ماء، وكتاب ابتاعه للتو من واجهة متجر مجاور، يقلّب صفحاته بضجر، أو بإغواء العنوان وحسب، ثم يغادر المكان بعد دفع الفاتورة تاركًا مخلّفاته وراءه بلا ندم (على الأرجح سيستولي النادل على الكتاب في أثناء تنظيف الطاولة). كان رونان ماكدونالد في كتابه “موت الناقد” قد رشّح النقد الثقافي بديلًا لسلطة الناقد الأكاديمي وعدّة شغله لجهة الصرامة النقدية، إلا أن أطروحته لم تلق استجابة حقيقية في إنتاج المعنى، أقلّه عربيًا، فنحن عمليًا نفتقد الصنفين في آنٍ معًا بانسحاب سلطة النقّاد الكبار من المشهد، عدا بعض الإشراقات المتناثرة في الشوارع الخلفية للتلقي، وذلك باضمحلال دور المنصات الرصينة، والمجلّات الأدبية المتخصصة، أو فشل ما بقي منها على قيد العيش في مواكبة هذه التحولّات العاصفة (في هذا المقام، ربما علينا أن نتذكّر بحنين وتبجيل زمن مجلتي “الآداب” و “شعر” البيروتيتين، ومجلة “إضاءة 77” المصرية، وأثر هذه المنابر في تربية ذائقة نقدية جديدة).
كركي جريح يراقب فوضى المشهد
| يفرّق نيكولاس كار في كتابه “السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا” بين القراءة المركّزة والتصفّح |
لا وصاية اليوم للناقد الرصين على النصّ، إنه مثل كركي جريح يقف بساقٍ واحدة عند طرف المستنقع، يراقب فوضى المشهد بحسرة الخاسر، وما عليه إلا أن يعترف بهزيمته في مواجهة “ناقد الديلفري”، الذي رسّخ حضوره عن طريق الخفّة وتفقيس البيض الاصطناعي وشجاعة الجهل، مكتفيًا ببضع عبارات في مديح النصّ، أو نسفه، واختراع مزايا وعلامات وإشارات عجلى ترضي رغبة الزبون بعشائرية فجّة تماثل الفزعة البدوية، مكتفيًا بمفردات سائلة ونيئة في توصيف هذا النصّ أو ذاك بأنه “رائع”، أو “من أجمل ما قرأت”، أو “تحفة إبداعية”، وعلى المقلب الآخر: “هذا الكتاب لا يستحق ثمن الورق”، وذلك من دون فحص أو لائحة إقناع للمتلقي.
| اكتشف يوسف إدريس رواية “تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم بنسختها التجريبية الأولى |
ناقد الديلفري نفسه سيتكفل بمهام أخرى لا تقل أهمية لجهة ترويج السلعة، كأن يلتقط صور السيلفي مع كتاب ما كنوع من التحية للمؤلف، أو يدلي بدلوه في موقع “غود ريدز” للكتب بوضع خمس نجوم مرفقة بسطر أو سطرين في تمجيد العمل. وزيادة في الإعجاب يطيح بأصحاب النجمة الواحدة، أو النجمتين، بذريعة عدم كفاية الأدلة وقلة الفهم. في هذا السياق، يلجأ بعض الكتّاب إلى تسويق مؤلفاتهم بأنفسهم من دون الحاجة إلى خدمات الآخرين، وذلك بتسجيل أكثر من حساب افتراضي على الشبكة الإلكترونية، باستخدام أسماء مستعارة، وإرسال المدائح الصاخبة إلى الحساب الأصلي، من طبقة “هذه يتيمة الدهر”، أو “كيف أحصل على هذا الكتاب؟” أو “كتاب مذهل”، أو “كتاب سيغيّر حياتك”. هنالك طراز آخر من نقّاد الديلفري، أولئك المتخصصون بكتابة نبذة مدائحية بالضرورة على الأغلفة الأخيرة من الكتب بقصد توريط القارئ الغشيم باقتناء السلعة في حال كان المحتوى متواضعًا، وذلك باستعمال قاموس مندوب المبيعات في الإقناع. نبذة يكتبها غالبًا المؤلف نفسه ويوقّعها الناشر، لأن معظم الناشرين الطارئين يجهلون قيمة هذا الكتاب، أو ذاك. والحال، لن نقع على ملاحظة نقدية واحدة في تقييم العمل الذي هو في الواقع، كما يقول غسان كنفاني “أقرب ما يكون إلى مأتم، أو مناحة، أو طق حنك”.
بضربة كيبورد واحدة
هذا التحوّل، أو الاحتضار في مستوى التلقي، لم يأتِ من عدم، إذ يصعب تجاهل سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وهيمنة الحشود لا النخبة على المشهد، مما أطاح بهيبة الناقد الأكاديمي بضربة كيبورد واحدة، فمراجعة الكتب بعمق صارت في معظمها من اختصاص المبتدئين، ينكشون أسنانهم اللبنية بها كتمرينات أولية على الكتابة، تمرينات تقع في باب المجاملة، أو تصفية الحساب، أو الزبائنية، وملء الفراغات في المنصات الثقافية لا أكثر، فيما تُطمس كتب مهمة لا يكترث بها أحد، ثم لن ننسى جامعي الحطب، قشة من هنا، وقشة من هناك، مما تتيحه مقدمة الكتاب، أو الفهرس، أو مما كتبه الآخرون عن الكتاب بعملية إعادة تدوير معلنة، وإذا بنا حيال وليمة من البلاستيك. هكذا انتصر ناقد الديلفري بعدة شغل خفيفة لا تحتاج إلى مصطلحات معقّدة وتيارات نقدية، أو عتبات نصية، فكل ما يملكه من أدوات لا يتجاوز العتبة في الأصل، فما بالك بأن يقتحم البيت من الداخل لتسليم الطلب! ألم يدعُ رولان بارت إلى “ديمقراطية التلقي”، و”ديكتاتورية القارئ”! إنها اللحظة المناسبة، إذًا، لانقضاض “كتيبة الحمقى” على المشهد، والعمل على تصدير الركام، وعرض خردة الكتابة في الواجهة باعتبارها معادن نفيسة.
من جهته، يفرّق نيكولاس كار في كتابه “السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا” بين القراءة المركّزة والتصفّح، ليخلص إلى أن من يحتل الساحة اليوم من دون منازع هو المتصفّح لا القارئ. بخصوص شخصية المتصفّح ربما علينا أن نستعيد ما أشار إليه الجاحظ قبل قرون بقوله “عقل المُنشئ مشغول، وعقل المُتصفح فارغ”.