ملخص
هذه الثنائية في الاستحضار كشفت عن وجود معسكرين مختلفين في قراءة الماضي وأسباب استدعائه وإسقاطه على الحاضر الإيراني. بحيث تضع الموروث الفكري والأيديولوجي للنظام أمام اختبار الاختيار بين العقلانية أو التهور العاطفي، وكلاهما محكوم بالخلفية الكربلائية في قراءة الحدث وتداعياته.
في تعريف الدولة الثيوقراطية، بأنها نظام حكم ديني يستمد سلطته من الله، وبالتالي فإن الحاكم الذي يجلس على رأس نظام هذه الدولة يستمد شرعيته من الحكم باسم الله. وهو الجهة المخولة بتفسير الدين وأحكامه وكيفية تطبيقه وحدود سلطته وهيمنته.
والحاكم في النظام الثيوقراطي مختار من الله مباشرة مثلما يعتقد المتشددون في إيران، أو بشكل غير مباشر في النظم التي تقوم على التلفيق بين الجانب الغيبي والآليات الديمقراطية أو المستحدثة مع غياب المختار.
ولتعزيز أركان سلطته الدينية وتأكيد البعد الثيوقراطي للنظام، يلجأ إلى تكريس سلطة وسيطرة المؤسسة الدينية التي تتولى مهمة توجيه وتسويغ سياسات النظام وقرارات السلطة في الشأن العام وتسيير أمور العباد والبلاد بحيث تكون منسجمة مع التعاليم الدينية والأحكام الشرعية المقدسة. وتتحمل هذه المؤسسة مع الدولة التي أنتجتها مسؤولية التصدي لأي صوت معارض أو أي حالة اعتراض ورفض في المجتمع باعتبار ما يقوم به هؤلاء يندرج تحت عنوان المعارضة للإرادة الإلهية.
وبما أن الدولة الثيوقراطية هي دولة دينية أو ذات طابع ديني، فهي إذن دولة ماضوية، بمعنى أن مثالها في الماضي، وأن سعيها ينصب دائماً على استحضار هذا الماضي والمثال وإسقاطه على الحاضر، ورسم معالم المستقبل من خلاله.
النظام في إيران، الذي يحكم من خلال آليات السلطة الحديثة، عبر التلفيق بين البعدين الديني والجمهوري، لا يخرج عن هذا التعريف للدولة الثيوقراطية. ويصبح معها نظام ولاية الفقيه وسلطته وقيادته للدولة والدين وحاكميته على الأحكام الشرعية والدينية في المذهب الشيعي الاثني عشري، تجسيداً للحاكمية المطلقة باسم الله، باعتباره امتداداً لسلطة أئمة الشيعة.
وعلى رغم أن القول بولاية الفقيه، لا يستغرق كل آراء كبار علماء ومراجع وفقهاء المذهب الشيعي، بل هو رأي إلى جانب آراء أخرى لا ترى هذه الصلاحية المطلقة للفقيه في ظل غياب المعصوم المعين من قبل الله طبقا للعقيدة الشيعية. إلا أن هذه النظرية وتطبيقاتها تجعل منظومة الحكم والسلطة الدينية لدى الشيعة أكثر انغلاقاً وتشدداً مقارنة مع المقاربة التي يقدمها الفكر السياسي لأهل السنة والجماعة ونظرية الحكم في الإسلام باستثناء من يتبنون منهجاً يدعو لإعادة إحياء الخلافة. التي تعطي الحاكم هامشاً واسعاً من حرية العمل، مع الحفاظ على القالب الماضوي للسلطة وخلفيتها الدينية.
ولعل ما ذكره الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان في سياق محاولته لفهم تجربة الثورة الإسلامية في إيران ونظامها الإسلامي ونظرية ولاية الفقيه، وذلك عندما اعتبر أن القوة المحركة للفكر الشيعي تكمن في أنه يضع الحسين في بداية الطريق، والمهدي في نهايته. لكنها مقولة تبقى ماضوية أيضاً. فالمحرك نحو المستقبل هي عقيدة نقلت الماضي وجعلته مصيراً أو صيرورة ترسم حدود هذه الجماعة من الحسين بداية وعند المهدي نهاية. فالوعد بالعدل والسلام هو وعد تاريخي من عمق الماضي يقوم ويدور حول حتمية تحققه في المستقبل.
استحضار المثال من الماضي، أو بتعبير أكثر تبسيطاً، ماضوية النظام الإسلامي في إيران برز في كثير وعديد من المحطات السياسية المصيرية من تاريخ إيران الحديث، من سردية الشاه السابق بأنه ظل الله على الأرض وأن شرعيته تأتي من ولائه لأئمة أهل البيت. وصولاً إلى اليوميات القتالية وسرديات الحرب العراقية الإيرانية، ومشاهدات المقاتلين “الفارس” غامض يرتدي ثياباً بيضاً يخرج من الغيب على خطوط التماس القتالية في اللحظات الحرجة والدقيقة للمعارك، والحديث عن أنه “المهدي” الذي يقف إلى جانب المقاتلين ويساعدهم في تحقيق النصر، الذي هو نصر للإسلام والدين والدولة الإسلامية الممهدة لظهوره المنتظر. مما حوله إلى حافز لشحن النفوس بطاقة روحية وعقائدية وأيديولوجية ومعنوية تساعدهم على استمرار القتال وتحقيق النصر.
وفي موازاة سردية الغائب الذي يساند ويشحذ الهمم، خاض الإيرانيون الحرب مع العراق بعقلية “كربلائية” أيضاً، أي إنهم استحضروا المثال من الماضي وجعلوه استراتيجيتهم للقتال، وحصروا خياراتهم ما بين النصر أو الشهادة، وكلاهما كانا انتصاراً برأيهم في المفهوم والمنظور الأيديولوجي الذي يحركهم. وقد حملت كبرى عملياتهم العسكرية الهجومية ضد القوات العراقية اسم “كربلاء” حتى تلك الهجمات التي ألحقت بهم خسائر بشرية فادحة وقاسية.
وعند وصول خيارات الحرب إلى طريق مسدود، وتحولها إلى عملية استنزاف مستمرة ومكلفة، لم يذهب مؤسس النظام الخميني إلى خيار التفتيش عن مسوغ عقائدي أو أيديولوجي لإعلان وقف الحرب والموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، بل ذهب إلى القول إن المعطيات الميدانية والمادية وحجم الخسائر التي لحقت بإيران بشرياً وعسكرياً ومادياً باتت كبيرة وهي مرشحة للتصاعد والزيادة، وأن لا خيار أمامه سوى “تجرع كأس السم” بإعلان موافقته على وقف هذه الحرب. مما يعني أن قناعته لم تغادر منطقة المفهوم الكربلائي الحسيني في هذه الحرب، ولم تتبلور لديه في المقابل قناعة بضرورة الذهاب إلى ما يشبه ما قام به الإمام الثاني لدى الشيعة الاثني عشرية الحسن بن علي في صلحه مع معاوية، لذلك ذهب إلى الخيار المر والمؤلم.
إذا ما كانت خيارات المؤسس الخميني لم تغادر دائرة الالتزام العقائدي والأيديولوجي بوصفه حاكماً يمثل سلطة الله والأنبياء والأئمة على الأرض وامتداداً لهم طبقا لعقيدة النظام. فإن سؤالاً جوهرياً يبرز عند الانتقال إلى المسار الذي اعتمده النظام الإيراني بقيادة خليفته المرشد علي خامنئي عام 2015 في تسويغ التوقيع على الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر في المفهوم الأيديولوجي للنظام بأنها الشيطان الأكبر.
عندما تأخذ البراغماتية شكل الأيديولوجيا
الانتقال من مرحلة المؤسس إلى مرحلة المرشد وتحديداً لمنتصف العشرية الثانية من القرن الحالي، ليس من باب القفز على الحقائق والأمثلة والتطبيقات، في كثير من محطاتها، وقد لا يتسع لها المجال هنا. إلا أنه من باب مواكبة المتغيرات السريعة والمحطات المفصلية في تاريخ النظام الإيراني وولاية الفقيه.
لذلك يمكن القول إن المرجعية العقائدية التي برزت مع قرار النظام بقيادة المرشد السابق الذهاب إلى توقيع الاتفاق مع واشنطن، كانت مرجعية عقائدية وتاريخية، حاولت استحضار المثال من الماضي وإسقاطه وتطبيقه على الحاضر ليشكل المسوغ الديني والعقائدي لهذه الخطوة التي قام بها النظام والتي تتعارض مع موقف الأيديولوجي الذي يتبناه وحكم مسار علاقاته السياسية مع محيطه والعالم.
هذا الاستحضار للماضي برز من خلال العودة إلى مفهوم “الليونة الشجاعة” ومثال صلح الحسن مع معاوية بن أبي سفيان عام 41 للهجرة. ويقوم أساساً على الفهم والقراءة التي قدمها المرشد السابق خامنئي في تفسير هذا الصلح إلى جانب ما قام به من ترجمات من العربية إلى الفارسية لدراسات وكتب حول هذا الصلح. وبالتالي فإن إسقاط التجربة الماضية والتاريخية قد يجد مسوغاً له في العصر الحاضر بناء على فهم المرشد لطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وعدم التزامها بالاتفاقيات والتفاهمات التي توقع عليها إذا ما تعارضت في لحظة ما مع مصالحها.
ومن ناحية أخرى، فإن الحسن وجد أنه غير قادر على الاستمرار في الحرب لعدم توازن القدرات مع معاوية. وبالتالي فإن ما وجده الحسن عائقاً أمام استمرار الحرب، الأجدى أن يأخذه النظام الإيراني بعين الاعتبار، وأن النظام الإسلامي غير قادر على الدخول في مواجهة وحرب مع أميركا وهو لا يملك القدرات والإمكانات التي تساعده على تحقيق هدفه، لذلك قد يكون من المصلحة ومن أجل حفظ النظام الذي هو أوجب الواجبات وأهمها، في الذهاب إلى الاتفاق والتفاهم، واعتبار ذلك محطة أو استراحة بانتظار تحقق وتوفر الشروط التي تضمن النصر وتغيير الواقع.
وهذه القراءة لصلح الحسن التاريخي، تشكل الركيزة العقائدية والأيديولوجية في فهم واقعة كربلاء عام 61 هجرية وتحولت إلى المكون الأول والأساس في التفكير السياسي والعقائدي والأيديولوجي لأي حركة شيعية ما بعد كربلاء. وبالتالي فإنه من المنطقي برأي النظام أن تكون المسألة الكربلائية أو العاشورائية هي المحور الأساس الذي تدور وتقوم عليه بنية النظام الإيراني الأيديولوجية والعقائدية. وقد عبر المؤسس الخميني مبكراً عن ذلك بمقولته الشهيرة إن “كل ما لدينا هو من عاشوراء”. وهذا يجعل كل المعارك ذات الطابع الوجودي التي يخوضها النظام هي معارك كربلائية محكومة بانتصار الدم على السيف.
والمرشد السابق خامنئي لم يجد صعوبة في توصيف موقعه التاريخي، وبأنه قادر على تمثل النموذجين في وقت واحد، نموذج الحسن الذي ذهب إلى الصلح بناء على المصلحة الكبرى وعدم توفر القدرات لخوض المعركة مع معاوية، ونموذج الحسين في كربلاء وإعادة إحياء يوم عاشوراء الذي قتل فيه الحسين وأهل بيته وأصحابه في معركة كربلاء. فهو الذي وافق وسهل عملية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي وما تضمنه من تنازلات قاسية واستراتيجية. وهو الذي استحضر مقولة الحسين ليزيد بن معاوية، وخاطب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما رفض الشروط التي وضعها البيت الأبيض لأي اتفاق مع إيران وحددها بالاستسلام غير المشروط، وقال له (الخامنئي لترمب) “مثلي لا يبايع مثلك”.
هذه المقولة التي استعادها خامنئي في اللحظات الحرجة من التصعيد بين إيران وأميركا، تجعل من السهل فهم البعد الفكري والأيديولوجي والعقائدي الذي ينطلق منه المرشد الإيراني في بناء موقفه واتخاذ قراراته. وأن مقتله ينسجم مع هذه العقيدة، وتجسيداً واستحضاراً عملياً لما حدث في كربلاء قبل 14 قرناً.
ولعل المشهدية التي رافقت تشييع المرشد والرايات الحمراء التي رفعت خلال كل مراحل التشييع، سواء في إيران أو العراق، ليس سوى استحضار جديد للماضي وجهد أيديولوجي للربط بين مقتل الخامنئي في هذا العصر ومقتل الحسين في القرن الأول الهجري. وأن الرايات الحمراء التي رفعت كمؤشر إلى تمسك الجماعة الإيرانية بمبدأ الانتقام والثأر لخامنئي، هي الرايات ذاتها التي رفعتها الجماعة الشيعية منذ قرون كعنوان لتمسكهم بالثأر لإمامهم.
كواليس منظومة السلطة والدولة العميقة في إيران التي دفعت لتظهر هذه الحالة النفسية والفكرية والدينية، هدفت لإعادة شحن المجتمع الإيراني وقواعد النظام الشعبية بدفق جديد من الشحن الأيديولوجي الذي يوفر الأرضية الداعمة لأي قرار قد تذهب له هذه المنظومة، إن كان باتجاه الحرب والمواجهة ورفض أي شروط تسوية قد تفرض عليها، أو باتجاه خيار التفاوض والتسوية لضمان الحد الأدنى من المصالح الإيرانية وهي جهود تلتقي على محاولة توظيف الشعور الوطني المتأجج ضد أي عدوان يستهدف إيران وسيادتها ووحدة أراضيها.
بين انتحار المختار ومبايعة السجاد
يمكن القول إن منظومة السلطة والدولة العميقة للنظام الإيراني، قد استطاعت استيعاب الصدمة الأولى التي لحقت بها جراء عملية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اللحظات الأولى لبدء الحرب الأميركية الإسرائيلية التي تعرضت لها. واستطاعت تحويل الغضب الشعبي الذي تلى عملية الاغتيال والناتج عن تنامي الشعور الوطني والقومي الرافض للهجوم على إيران بما هي وطن وأرض وهوية وعلم، إلى احتفالية يومية مستمرة في ساحات العاصمة طهران والمدن الأخرى، ومنبراً مفتوحاً أمام جميع الشرائح الاجتماعية والسياسية للتعبير عن تضامنها ووقوفها خلف النظام في هذه الأزمة ومواجهة التحدي الناتج عن هذه الحرب والتهديد الذي تتعرض له إيران بما هي هوية وجغرافيا.
وفي موازاة ذلك، وفي ظل استمرار العمليات العسكرية والضربات التي كانت تتعرض لها إيران، عملت السلطة وأجهزتها ومؤسساتها على ترتيب الأمور ووضع الخطط للاحتفال بتشييع المرشد في مرحلة ما بعد إعلان وقف إطلاق النار، وتحويل هذا اليوم من خلال الحشود الشعبية إلى ما يشبه يوم البيعة مع النظام والدولة والمرشد الجديد وإيران الجديدة.
يمكن القول أمام المشهدية التي رافقت تشييع المرشد في مدن طهران وقم ومشهد، إضافة إلى المشهدية العراقية في النجف وكربلاء، إن هذه المنظومة والسلطة حاولت توظيف هذه المناسبة باعتبارها حالة تضامن شعبي وتحصين للشعور الوطني، وفرصة لإعادة الحياة لخطابها الأيديولوجي الكربلائي من باب رفض الاستسلام أمام أي شروط قد يفرضها “العدو الأميركي”، أو تتعارض مع السيادة والاستقلال السياسي والفكري لإيران وشعبها.
إلا أنه في المقابل، ظهر على السطح، جدل مختلف، وإن كان ذا طابع أيديولوجي وعقائدي، يمكن توصيفه بالصراع بين المنطق العقلاني في استحضار الماضي وتوظيفه، والمنطق العاطفي غير المنضبط هو أقرب إلى المنطق المصلحي الضيق في دوافعه لهذا الاستحضار.
هذه الثنائية في الاستحضار، كشفت عن وجود معسكرين مختلفين في قراءة الماضي وأسباب استدعائه وإسقاطه على الحاضر الإيراني. بحيث تضع الموروث الفكري والأيديولوجي للنظام أمام اختبار الاختيار بين العقلانية أو التهور العاطفي، وكلاهما محكوم بالخلفية الكربلائية في قراءة الحدث وتداعياته. وهذه الخلفية تتداخل في توظيفها واستغلالها البعد المصلحي الذي يرى استمرارية الخطاب الكربلائي فرصة ووسيلة لتأمين مصالحه واستمراره وبقائه في السلطة، والبعد الأيديولوجي الذي يرى في استمرار النهج الكربلائي قدر الجماعة الشيعية في معركتهم المصيرية والتاريخية بين ما يصفونه بالحق والباطل. ولا يهم معها حجم الخسائر وأبعادها وتداعياتها طالما أنها تأتي منسجمة مع المثال الماضوي في كربلاء والهدف الغائي في الوصول إلى المهدي المنتظر ورفع راية النصر معه. أي إنها مصداق المقولة الشهيرة لأمين عام “حزب الله” اللبناني حسن نصرالله “نحن قوم إذا فزنا فنحن منتصرون وإذا استشهدنا فنحن منتصرون” الذي يستعيد قاعدة أو شعار “إما النصر أو الشهادة” باعتبار كليهما انتصاراً.
في مقابل هذين المنطقين، يأتي المنطق البراغماتي، الأكثر واقعية في قراءة الماضي وإسقاطاته على الحاضر، من خلال البحث عن مخارج لا تؤدي إلى التهلكة، ولا تمس بجوهر العقيدة والأيديولوجيا، كما حصل في استحضار مثال صلح الحسن لتسويغ الاتفاق النووي مع واشنطن في حينها.
وإذا أردنا اعتماد المنهج الإسقاطي واستحضار الماضي على ما تشهده إيران من صراع محتدم بين مؤيدين للاتفاق مع واشنطن وإنهاء حالة العداء والتحول إلى دولة طبيعية في محيطها والمجتمع الدولي، وبين الرافضين له والمطالبين بعدم الثقة بالأميركي والعودة إلى الحرب انتقاما للمرشد حتى تحقيق النصر. فإننا نستطيع القول إن مرحلة ما بعد الحرب وما يجري من تفاوض يضع إيران والنظام أمام واحد من ثلاثة خيارات أساسية ومفصلية بناء على استحضار المثال الكربلائي، وبخاصة في مرحلة ما بعد انتهاء المعركة. وهي خيارات شكل كل منها محطة مؤثرة في الموروث الشيعي.
الخيار الأول، الذي ذهبت إليه حركة التوابين بقيادة سلمان بن صرد الخزاعي، التي انطلقت بعد أربعة أعوام من واقعة كربلاء، (65 هـ) كرد فعل وندامة على تركه الحسين وتعويضاً عن تقاعسهم في نصرته وانتقاماً له من الذين قتلوه. وحركة التوابين هي الحركة الأولى التي رفعت الرايات الحمراء كدليل على هدفها بالثأر والانتقام. لكن سرعان ما استطاعت الدولة الأموية القضاء على هذا التحرك، نتيجة عدم التوازن في المقدرات والقوة. وانتهت هذه الحركة مع انتهاء معركة عين الوردة في منطقة رأس العين بين حران ونصبين شمال شرقي سوريا.
الخيار الثاني، هو الخيار الذي ذهب إليه المختار الثقفي الذي خرج من الكوفة على الدولة الأموية في سنة (66 هـ) ورفع شعار “يا لثارات الحسين” واستطاع الوصول إلى رؤوس القادة الذين شاركوا في معركة كربلاء وقتلهم انتقاماً وثأراً للحسين. إلا أن هذه الحركة وعلى الرغم من الثأر الذي قامت به، فإنها لم تحصل على الشرعية السياسية والدينية من الإمام الرابع لدى الشيعة علي بن الحسين الذي خلف والده في سلسلة أئمة الشيعة. وبخاصة أن المختار حاول التأسيس لمشروعه السياسي والسلطوي والسعي لاكتساب الشرعية الدينية من زين العابدين مقابل الدولة الأموية. وبالتالي فإن مشروع المختار وإن كان في أحد أبعاده بدأ تحت شعار الثأر فإنه تحول إلى مشروع سلطة بديلة، دخلت في صراعات متشعبة، وبخاصة مع المشروع الزبيري بقيادة عبدالله ومصعب ابني الزبير بن العوام، بعد أن ادعى الأول إمارة المؤمنين. بحيث تحول المشهد في تلك المرحلة التالية إلى ساحة تنازع بين ثلاثة أقطاب كلها تحاول كسب المشروعية الدينية وإمارة المؤمنين.
انتهت حركة المختار وصراعاته إلى طريق مسدود، وبعد أن قضي عليه وعلى أصحابه في معركة دامية مع مصعب في الكوفة، وكانت بمثابة انتحار عسكري وسياسي قام به المختار بعد أن فشلت كل جهوده لفرض شرعيته أو شراكته في الأمر.
الخيار الثالث، هو الخيار الذي ذهب إليه علي بن الحسين زين العابدين، الذي فضل الابتعاد عن دائرة الصراع المباشر مع السلطة، واعتماد نهج جديد في التعامل معها، بالعودة إلى مشروع بناء الأمة ثقافياً واجتماعياً ودينياً. وقد ذهبت عديد من المصادر الشيعية بما فيها كتاب “الكافي” للشيخ الكليني، إلى القول إن الإمام السجاد قد بايع يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة التي وجهها يزيد لإخماد حركة مسلم بن عقبة في المدينة المنورة. وهي رواية تخضع لكثير من الجدل داخل المجال الشيعي ويعدها البعض أنها جاءت من باب التقية وليس الاعتراف.
بالعودة إلى الجدل والصراع الذي تشهده إيران بين مؤيدين للاتفاق وهم الأكثرية والرافضين والمعارضين له، فإن كلاً من الخيارات السابقة يجد من يؤيده ويحاول استحضاره وتطبيقه على الواقع الحالي للمواجهة مع أميركا. فالجماعة الداعية لاستعادة واعتماد تجربة التوابين تنطلق من أسس أيديولوجية ترى في الشهادة والمقتل انتصاراً يكرر ويستعيد تجربة الحسين في كربلاء، في حين يرى البعض من أصحاب المنطق المصلحي أن خيار الحرب قد يعزز إمكانية سيطرتها واستمرارها في القبض على القرار الإيراني للنظام والدولة على حد سواء، وتصبح هي المقررة في شؤون البلاد والعباد بما ينسجم مع خطابها العقائدي والأيديولوجي.
في المقابل، يبدو أن التيار الداعي للحوار والتفاوض وإنهاء حالة العداء وإعادة ترتيب الأولويات الإيرانية داخل الصراعات والأزمات المتراكمة على مدى عقود، مدعوماً من المرشد الجديد الذي يعد ولياً لدم المرشد باعتباره البنوة التي تربطهما وأيضاً باعتبار الموقع الذي يشغله كولي للفقيه ومرشد للثورة والنظام. هو الأقرب لاعتماد العقلانية التي لجأ إليها علي بن الحسين، من دون التخلي عن محورية كربلاء في البنية العقائدية والأيديولوجية. لكن هذا التيار يمارس كثيراً من التروي في دفع سياساته إلى الأمام، في محاولة لنزع الذرائع من بقايا الجماعات الراديكالية الرافضة لأي تسوية لا تنسجم مع شروطها وتوجهاتها. وحتى لا تؤدي أي مواجهة إلى اندلاع نزاعات وصراعات داخلية تقضي على كل ما يمكن اعتباره إنجازاً للنظام سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وفكرياً.
