ملخص
تؤكد كثير من العائلات المتضررة من “احتجاجات يناير” في إيران أن النظام لم يكتف باعتقال أبنائهم أو سجنهم أو إعدامهم، بل سعى أيضاً إلى حرمانهم من إمكانية مواصلة حياة طبيعية، وهو ما تصفه هذه العائلات بأنه شكل من “العقاب الجماعي” ضد المحتجين وأسرهم.
بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في يناير (كانون الثاني) 2026 خلال ما بات يعرف بـ”الثورة الوطنية الإيرانية”، لم يكتف النظام بالاعتقالات والإعدامات والقمع في الشوارع، بل بدأ بالتزامن مع ذلك مشروعاً واسعاً لتدمير الحياة الاقتصادية للمعتقلين وعائلاتهم وحتى للأشخاص الذين أبدوا أدنى تعاطف مع الاحتجاجات
وبعد نحو خمسة أشهر على تلك الاحتجاجات، ما زالت هذه الإجراءات مستمرة في عدد من المدن الإيرانية. وبحسب معلومات وصلت إلى “اندبندنت فارسية” من مدن عدة في إيران، فإن الأجهزة الأمنية والقضائية كثفت خلال الأسابيع الأخيرة، وخصوصاً بعد بدء وقف إطلاق النار بين النظام والولايات المتحدة وإسرائيل، استخدام أدوات مثل الطرد من العمل، وإغلاق المتاجر، ومنع التوظيف، ومصادرة الممتلكات، وتهديد أصحاب الأعمال، بسبب المشاركة في الاحتجاجات أو حتى دعم المحتجين إلى أقصى حد ممكن.
يقول آرمان، وهو شاب يبلغ من العمر 27 سنة من مدينة كرج، وكان قد اعتقل خلال احتجاجات ليلة التاسع من يناير 2026، إنه فصل من عمله بعد أقل من أسبوعين على إطلاق سراحه الموقت من السجن. وقال لـ”اندبندنت فارسية”، “كانت شركة خاصة، مديرها حاول في البداية المقاومة، لكنه أخبرني لاحقاً أن شخصين من جهاز الاستخبارات جاءا إليه وحذراه من أن الاحتفاظ بي سيجر الشركة إلى المشكلات، بل قالا إن العقود الحكومية للشركة قد تلغى أيضاً”. وأضاف آرمان أنه حاول مراراً خلال الأشهر الأربعة الماضية التوظف في شركات مختلفة، لكن طلباته كانت تتوقف بعد الفحص الأمني، وقال “لقد جعلوا الأمر عملياً بحيث لا أستطيع العمل ولا أن أعيش حياة طبيعية، كأن هدفهم هو تدمير الإنسان ببطء من دون أن يعيدوا اعتقاله”.
وفي مدينة مشهد، قالت عائلة أحد قتلى احتجاجات يناير إن متجر الوالد أغلق بعد أسابيع قليلة من إقامة مراسم الـ40 لابنها، وقال أحد أقارب العائلة “قبل المراسم حذرونا مرات عدة من إجراء مقابلات أو إقامة مراسم. وبعد المراسم جاءت أولاً دائرة الرقابة، ثم قالوا إن المتجر ارتكب مخالفات وتم إغلاقه، بينما كانوا يكذبون بالكامل. والآن وضعوا شرطاً بأنه إذا التزمت العائلة الصمت لمدة شهر، ولم تكتب شيئاً على تويتر أو إنستغرام ضد الحكومة أو عن الضحية، فسيتم رفع الإغلاق عن المتجر”.
كما أفاد ناشطون مدنيون في محافظة مازندران بأن عدداً من الطلاب الذين اعتقلوا خلال احتجاجات يناير تعرضوا لتعليق طويل الأمد أو منعوا من مواصلة الدراسة، وقال طالب من مدينة بابل يعيش متخفياً خوفاً من الاعتقال والأحكام الثقيلة، “اتصلت بي الجامعة وقالوا إنني محروم من الدراسة حتى إشعار آخر، وعلي مراجعة دائرة الاستخبارات في بابل لحل مشكلتي. أعلم أنه إذا ذهبت فسأعتقل بالتأكيد، لذلك لن أذهب، الآن فقدت الحق في الدراسة والعمل أو حتى العيش بصورة طبيعية”.
ويقول ناشطون اجتماعيون وحقوقيون في إيران لـ “اندبندنت فارسية” إن القوات الأمنية في عدد من المدن لم تكتف بالضغط المباشر على المحتجين، بل استهدفت أيضاً عائلاتهم، من خلال الاستدعاءات والتهديدات وفرض القيود على أعمالهم وأنشطتهم الاجتماعية.
وقال مصدر مطلع في مقاطعة أرومية “إنهم يهددون العائلات بأنه إذا تحدث أفرادها عن وضع أبنائهم، فسيجري اعتقال بقية أفراد الأسرة أو طردهم من أعمالهم، هل يعقل أنهم يريدون حتى منع الناس من الحديث عن الاعتقالات؟ مم يخافون؟ من أن يعرف العالم مدى قمعهم؟ العالم كله يعلم، لكن مأساتنا أن معاناة هؤلاء الناس لا تعني شيئاً لأية دولة أو حكومة”.
انقطاع الإنترنت
في الوقت نفسه، زاد استمرار الانقطاع الشامل للإنترنت من الضغوط الاقتصادية على الناس، ودخلت إيران أمس الثلاثاء الـ26 من مايو (أيار) الجاري، يومها الـ88 من الانقطاع الواسع للإنترنت، وهو وضع تسبب في أزمة معيشية خطرة للملايين من أصحاب الأعمال والبائعين والعاملين في مجالات الحاسوب والإنترنت والأعمال الرقمية والمشاريع الحرة.
وقال بائع ملابس في طهران، كان يعتمد سابقاً على “إنستغرام” في جزء كبير من مبيعات، “لقد انقطع تقريباً كل دخلي، في السابق كنت أتلقى طلبات يومية، أما الآن فلم يتبق لي سوى إيجار المحل والديون”.
إلى جانب الضغوط الاقتصادية، ما تزال موجة الإعدامات وفتح الملفات الأمنية مستمرة. فقد أعلنت وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية في النظام صباح أمس الثلاثاء، تنفيذ حكم الإعدام بحق غلام رضا خاني شكرآب، الرياضي والسجين السياسي، بتهمة “التعاون الاستخباري والتجسس لصالح إسرائيل”.
وجاء نشر هذا الخبر في وقت كانت فيه منظمات حقوقية قد حذرت خلال الأيام الماضية من خطر تنفيذ حكم الإعدام في حقه بصورة وشيكة.
وبحسب التقارير، فقد تم اعتقال غلام رضا خاني شكرآب في الـ24 من سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد نقله من سجن “إيفين” إلى الحبس الانفرادي في سجن “قزل حصار”، وضع تحت إجراءات أمنية مشددة.
ويقول ناشطون سياسيون ومدنيون داخل إيران لـ”اندبندنت فارسية” إن الحكومة، بعد احتجاجات يناير الواسعة، توصلت إلى قناعة بأن الاعتقالات والقمع الميداني وحدهما لا يكفيان لمنع اندلاع احتجاجات جديدة، ولذلك يجب أيضاً إنهاك المحتجين وعائلاتهم اقتصادياً واجتماعياً.
وفي ظل هذه الظروف، تؤكد كثير من العائلات المتضررة من “احتجاجات يناير الوطنية” أن النظام لم يكتف باعتقال أبنائهم أو سجنهم أو إعدامهم، بل سعى أيضاً إلى حرمانهم من إمكان مواصلة حياة طبيعية، وهو ما تصفه هذه العائلات بأنه صورة من “العقاب الجماعي” ضد المحتجين وأسرهم.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”
