لم يكن كلام المبعوث الأميركيّ توم بارّاك عن السويداء كلاماً عابراً حين قال واصفاً ميليشيا حكمت الهجري بـ”العصابة” لتهديدها الاستقرار. أسباب ذلك تجد جذرها في تضييق مسلّحي الميليشيا التابعة للهجري على المستقلّين أو الرافضين لإلحاقهم بالدولة العبريّة، ومنع “الحرس الوطنيّ” زهاء 12 ألف طالب من التوجّه إلى الامتحانات الرسميّة في ريف السويداء الشماليّ والغربيّ. وكذلك فإنّ لكلام باراك بعداً استراتيجيّاً كون السويداء ستكون ممرّاً للربط البرّيّ في الإقليم من خلال سكّة الحديد الآتية من السعوديّة إلى الأردن ثمّ سوريا بموازاة الربط بالأنابيب لنقل النفط العراقيّ.
في شهر تمّوز الماضي، ولمناسبة مرور سنة على الصدامات العنيفة في السويداء وريفها بين مسلّحين دروز ووحدات أمنيّة تابعة للدولة السوريّة، ومع بعض عشائر البدو، توالت الأحداث التي تختبر مدى مقبوليّة النزعة الانفصاليّة التي شكّلها ويدعو إليها الهجري.
إسرائيل بين السّويداء… ومواجهة تركيا
تمكّن الأخير من السيطرة على الشارع في المدينة والمحافظة، بعد حصول أحداث أمنيّة في عدد من القرى الدرزيّة، واستغلّ ردّة الفعل عند بعض الأوساط الشعبيّة لطرح خيار الاستقلال عن سوريا بالتعاون مع إسرائيل.
تل أبيب كانت دفعت في تمّوز 2025 بطائراتها الحربيّة ضدّ القوى الأمنيّة السوريّة، وبعض المجموعات العسكريّة المناصرة لها، بزعم حماية الدروز. فعلت ذلك في سياق خططها لإقامة حزام أمنيّ في جنوب بلاد الشام، وتحوَّلَ توغّل إسرائيل إلى هدف آخر لا يقتصر على حفظ أمن شمالها، بل تعدّاه إلى مواجهة النفوذ التركيّ في الصراع الإقليميّ.
جاء تدخّل الدولة العبريّة في أحداث السويداء بهذا السياق، الذي غفل عنه الهجري المتّصف بالانفعال ومحدوديّة الأفق السياسيّ، وحبّ التزعّم.
ممارسات الميليشيا التي يقودها شلّت شيخَي العقل الآخرَين، وهما حمود الحنّاوي ويوسف جربوع، غير المتّفقين مع توجّهاته، وقَمَعت الأصوات المعارضة لها. وواصلت إسرائيل اللعب على وتر العصبيّة التي ولّدتها صدامات ومجازر العام الماضي فقدّمت مساعدات ماليّة وإغاثيّة للهجري، وأسلحة وتدريباً لميليشياه، ووسّعت تدخّلها في المحافظة الجارة درعا، حيث الأكثريّة سنّيّة، بتقديم مساعدات عينيّة.
حسابات إسرائيل وتمنّيات الهجري
يتحدّث مراقبون عن وقائع ظهرت في الأسابيع الماضية تعاكس هيمنة الهجري منها:
- جهات درزيّة في لبنان وسوريا تدقّق بمعطيات عن أنّ الهجري بعث قبل أسابيع بموفد إلى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لاستكشاف مدى الدعم الممكن لإعلان استقلال السويداء. تردّد أنّ الجواب جاءه بأنّ إسرائيل لم تَعِد بدعم قيام دولة درزيّة مستقلّة، وبأنّها قرّرت مساندة الانفصال عن سوريا بالمال وتقدّم المساعدات الممكنة حاليّاً. في اعتقاد هذه الجهات أنّ تل أبيب، المستفيدة من الهجري لتوسيع تدخّلها في بلاد الشام، تأخذ في الاعتبار الموقف الأميركيّ الرافض لتقسيم سوريا.
- افتعلت جماعة “الحرس الوطنيّ”، التي تأتمر بتعليمات الهجري، على مدى بضعة أيّام اشتباكات مع الأمن العامّ السوريّ في ريف السويداء، بينما تعمل دوائر المحافظة على ترميم منازل عدد من القرى التي أُحرِقت إبّان صدامات العام الماضي.
- تصريحه منتصف آب الماضي عن انتماء الدروز إلى إسرائيل هروب إلى الأمام، اعتقاداً منه أنّ التزامه العلاقة مع إسرائيل يشجّعها لدعم الاستقلال.
تجريد الهجري من “المعرفة بالعقيدة”؟
- ردود الفعل المستنكرة لتبرّعه بإلحاق الطائفة الدرزيّة بإسرائيل شملت مرجعيّات دينيّة وسياسيّة في فلسطين وسوريا ولبنان. فـ”الحركة التقدّميّة للتواصل-درب المعلِّم” في فلسطين أصدرت بياناً في 26 آب الماضي اعتبرت فيه أنّ كلّ “ما قاله عن العقيدة المشتركة (مع إسرائيل) مجرّد ترّهات”. ورأت “الحركة” أنّ مراكز أبحاث إسرائيل “يعرفون ما في كتب العقيدة الدرزيّة أكثر بكثير ممّا يعرف هو وكثير من الدروز”. وأشارت إلى أنّ “الدولة الإسرائيليّة عاملت الدروز كما بقيّة العرب فصادرت أراضيهم (70 في المئة) وجعلت لقمة عيشهم في يدها، مثل الكرام على موائد اللئام”. وجرّد البيان الهجري من “المعرفة” بالعقيدة الدرزيّة ومن الحقّ بالنطق باسم الدروز. كان طبيعيّاً صدور إدانات من “الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ” ومشيخة عقل الدروز في لبنان ضدّ “انحراف” الهجري. الردّ الأبرز عليه جاء من “الهيئة الدينيّة في الجولان المحتلّ” التي وصفت “حديثه الأخير” بـ”الأكثر خطورة” فأدانته مؤكّدة أنّ “الموحّدين الدروز على مرّ تاريخهم كانوا جزءاً لا يتجزّأ من الأمّة العربيّة والإسلاميّة… ونسجوا إرثاً ناصعاً بالمواقف والدماء صوناً لهذا الانتماء”.
- شمل رفض كلام الهجري جهات فاعلة في السويداء نفسها، فتسبّب ذلك بطرد مسلّحيه بعض الشخصيّات منها. إحداها الباشا عاطف الهنيدي، أحد وجهاء عائلته التي حملت السلاح ضدّ المقاتلين الذين اجتاحوا قرى في المحافظة، والتي تُعتبر من العائلات التي لها نفوذها ودورها التاريخيّ فيها. ورفض الهنيدي في مقال له “تشبيك العلاقة مع دولة الكيان”، و”اختزال جماعة كاملة في رجل يقرّر لهم اسم دولتهم المتخيّلة، الباشان”. وسبق أن طرد أنصار الهجري وجهاء ومثقّفين من السويداء لمعارضتهم توجّهاته، بل اتُّهِموا بقتل بعضهم.
بارّاك و”السّاعة الحسّاسة” والاستقرار
الأهمّ في ردود الفعل اتّصال أحد مساعدي توم بارّاك بالهنيدي مستنكراً ما تعرّض له، ومتضامناً معه، ثمّ ذكره بالاسم في تغريدة على منصّة إكس. وكرّر التشديد على “دمج السويداء في الدولة السوريّة وفق خارطة الطريق الثلاثيّة” التي وقّعها في عمّان مع وزيرَي خارجيّة سوريا أسعد الشيباني والأردن أيمن الصفدي قبل سنة. وأكّد أنّ “استخدام القوّة يجب أن يبقى بيد الدولة”. وأوضح أنّ “الحكومة السوريّة بدأت مواجهة الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها قوّاتها في تمّوز الماضي، ومحاسبة المسؤولين عنها”. وأشار إلى “ساعة حسّاسة في المنطقة والعالم”.
قال مراقبون سوريّون معنيّون بالمشاريع الدوليّة لسوريا لـ”أساس” إنّ كلام بارّاك يعود إلى التعويل الأميركيّ على مشاريع الربط البرّيّ الإقليميّ للطاقة والنقل كبديل رئيسي لمضيق هرمز. والسويداء يفترض ان تكون ممرّاً لإحياء خطّ سكّة حديد الحجاز من السعوديّة إلى سوريا ومنها إلى لبنان وتركيا. وهذا يفرض ضمان الاستقرار فيها.
