د. أمجد السوّاد…. جريدة المدى
من المنطقي أن تتغير ديناميكية العمل التنظيمي لأي حزب بين فترة المعارضة وفترة استلام السلطة، بل إن عدم تغيرها قد يكون بحد ذاته خطأً سياسيًا؛ فالحزب المعارض يعمل في بيئة مختلفة تمامًا عن الحزب الذي أصبح مسؤولًا عن إدارة الدولة. لكن هذا التغير في الأدوات والوسائل لا ينبغي أن يعني انقلابًا في القيم والمبادئ التي صنعت للحزب جمهوره، ولا أن يتحول الانتقال من المعارضة إلى السلطة من انتقال في أسلوب العمل إلى انتقال في طبيعة الحزب نفسه.
إن الحزب الذي يخرج من معارضة طويلة، وخصوصًا إذا كانت تلك المعارضة قد كلفته دماءً وسجونًا ومطاردة ونفيًا، يفترض أن يحمل معه إلى السلطة خلاصة تجربته، وأن يحول تلك التضحيات إلى مؤسسات وعدالة وكفاءة ونزاهة. فالسلطة ليست نهاية النضال، وإنما امتحانه الأصعب. وقد يكون من السهل على الحزب أن يصمد في المعارضة أمام خصم واضح، لكن الأصعب أن يصمد أمام إغراءات السلطة نفسها.
وفي العراق لا نملك سجلًا طويلًا لأحزاب مارست المرحلتين، المعارضة والحكم، بالقدر نفسه من الزمن حتى نستطيع إجراء مقارنة تاريخية مكتملة. فالحزب الشيوعي العراقي، الذي يمثل أحد أبرز الأحزاب التي تصدت للمعارضة السياسية في مراحل مبكرة، لم تكن له فترة حكم يمكن مقارنتها بفترة معارضته. أما حزب البعث، فقد طغت فترة حكمه الطويلة على ذاكرة العراقيين حتى أصبحت صفته كحزب حاكم هي الصفة الأكثر حضورًا في الذاكرة السياسية، ولم تعد فترة معارضته تمثل إلا جزءًا محدودًا من صورته التاريخية.
لكن النموذج الأكثر إثارة للدراسة هو حزب الدعوة الإسلامية، خصوصًا ونحن أمام أكثر من سبعة عقود على تأسيسه، وهي مسيرة طويلة تجعل من حق العراقيين، بل ومن حق الدعاة أنفسهم، أن يسألوا: ماذا بقي من الحزب الذي عرفناه في المعارضة بعد أن أصبح جزءًا أساسيًا من السلطة؟
لقد كان حزب الدعوة حالة استثنائية في المعارضة العراقية؛ فقد عاش قمعًا طويلًا داخل العراق، وانتشر في المهجر، وامتلك نشاطًا سياسيًا وتنظيميًا امتد إلى دول ومجتمعات متعددة، ودفع أثمانًا كبيرة من الشهداء والسجناء والمطاردين. وكان محمد باقر الصدر أحد أبرز رموز هذه المرحلة، وانتهت حياته شهيدًا في مواجهة النظام البعثي. وقد ارتبط اسم الدعوة، في الذاكرة الشعبية، بالصبر والتضحية والزهد والسرية والعمل الجماعي، وبشخصيات كان الجمهور ينظر إليها بوصفها نماذج دينية وسياسية وأخلاقية.
كانت هناك حكايات كثيرة عن دعاة رفضوا المناصب والامتيازات، وعن رجال صمدوا في سراديب التعذيب، وعن أشخاص قدموا حياتهم من أجل فكرة يؤمنون بها. ولهذا لم يكن جمهور الدعوة في تلك المرحلة مجرد جمهور انتخابي؛ كان جمهورًا يتماهى مع الفكرة والشخصية والتضحية.
وهنا بالضبط تظهر المفارقة التي تستحق الدراسة.
عندما انتقل الحزب من المعارضة إلى السلطة، تغيرت ديناميكية العمل بصورة عميقة. ففي المعارضة كان الحزب يتحرك من القاعدة إلى القمة؛ يبني تنظيمه، ويكسب جمهوره، ويصنع رموزه من خلال التضحيات والعمل الميداني. أما في السلطة، فقد بدأ جزء كبير من الحضور الجماهيري يتحرك من القمة إلى القاعدة، أي من موقع رئيس الوزراء والوزير والمسؤول إلى الجمهور.
وهذا فرق جوهري.
فالشعبية التي يصنعها العمل التنظيمي تختلف عن الشعبية التي يصنعها الموقع الحكومي. الأولى مرتبطة بالفكرة والتنظيم والتاريخ، أما الثانية فقد ترتبط بالمنصب والقدرة على توزيع الموارد والمنافع.
ومن هنا بدأ الحزب، في رأيي، ينتقل تدريجيًا من مرحلة كسب الجمهور إلى مرحلة إدارة الجمهور.
والفرق بين الاثنين أكبر بكثير مما يبدو.
الحزب الذي يكسب جمهوره يبني علاقة سياسية طويلة الأمد، أما الحزب الذي يشتري رضا الجمهور فيبني علاقة مؤقتة تنتهي أو تضعف بانتهاء المنفعة.
وقد كان سلاح التعيينات الحكومية واحدًا من أبرز الأدوات التي استخدمت في الحياة السياسية العراقية بعد 2003، ولم يكن ذلك حكرًا على حزب الدعوة وحده، بل تحول إلى ظاهرة عامة لدى معظم القوى السياسية. أصبح النائب الذي يعد بالتعيين أكثر قدرة على استقطاب الأصوات، وأصبح المواطن، في ظل ضعف القطاع الخاص وانسداد فرص العمل، ينظر إلى الدولة بوصفها المصدر الأساسي للعمل والدخل.
وهكذا تحول جزء كبير من العلاقة بين السياسي والمواطن من علاقة تقوم على البرنامج إلى علاقة تقوم على المنفعة.
بدل أن يقول السياسي للمواطن: سأبني اقتصادًا يوفر لك فرصة عمل، أصبح يقول له: سأمنحك وظيفة.
وهذا ليس بناءً للاقتصاد، بل بناءٌ للولاء.
إن المشكلة ليست في الموظف الذي يبحث عن وظيفة، وإنما في تحويل الوظيفة العامة إلى أداة انتخابية. فالوظيفة التي يفترض أن تكون نتيجة لحاجة الدولة وكفاءة المواطن أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من سوق سياسي، بينما بقي الاقتصاد المنتج، والصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، والقطاع الخاص، عاجزًا عن خلق فرص العمل التي يحتاجها العراق.
وبذلك أصبحت الدولة، بدل أن تنتج الاقتصاد، تستهلكه.
ثم جاءت المرحلة الأخطر: المال السياسي وتكوين شبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب والكتل والشخصيات السياسية. هنا لم تعد المسألة مجرد حزب يريد جمهورًا، وإنما شبكة سياسية تحتاج إلى موارد حتى تستمر، وموارد تحتاج إلى سلطة حتى تتوسع.
وهكذا تنشأ الحلقة الأخطر: السلطة تنتج المال، والمال يعيد إنتاج السلطة.
ومن هنا انتقلت الأحزاب تدريجيًا من فضاء الجمهور إلى فضاء عقد الطبقة السياسية. في المعارضة كان الحزب منشغلًا بالوصول إلى الناس، أما في السلطة فأصبح منشغلًا أكثر فأكثر بالتحالفات والكتل والمناصب وموازين القوى والتسويات السياسية.
ومع مرور الوقت يمكن أن يحدث أخطر تحول في حياة الحزب: أن يصبح الحفاظ على موقعه داخل السلطة أهم من الحفاظ على صلته بالجمهور.
وهنا تبدأ النهاية.
فالسلطة لا تقتل الحزب بالضرورة لأنها تضعفه، وإنما قد تقتله لأنها تعيد تشكيله.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في موضوع اختيار المسؤولين.
كان حزب الدعوة يُعرف طويلًا في أوساط واسعة من العراقيين بلقب «حزب النخبة»، وكان لهذا اللقب معنى سياسي وأخلاقي. فالحزب الذي خرج من بيئة فكرية ودينية، والذي ارتبط اسمه بشخصيات علمائية وفكرية وبشهداء ومثقفين وأصحاب كفاءة، كان يُنظر إليه على أنه حزب يمتلك من الرجال ما يؤهله لإدارة الدولة.
لكن المفارقة أن صورة «حزب النخبة» بدأت تنقلب في الوعي الشعبي بعد تجربة السلطة.
فبدل أن تستثمر السلطة تلك النخب التي صنعت تاريخ الحزب، ظهر في مواقع كثيرة من الدولة نمط آخر من الاختيار: أشخاص لا يمتلكون بالضرورة أعلى درجات الكفاءة، لكنهم يمتلكون ميزة أخرى أكثر أهمية في نظر صاحب القرار: الطاعة.
وهكذا تحولت بعض المناصب إلى ما يشبه رقعة شطرنج؛ لا يكون السؤال فيها: من هو الأفضل؟ وإنما: من هو الجندي الأكثر طاعة وقابلية للحركة عندما يُطلب منه ذلك؟
وهذه هي اللحظة التي ينقلب فيها مفهوم النخبة.
فالنخبة السياسية ليست مجموعة من الأشخاص الذين يشغلون المناصب، وإنما مجموعة من الأشخاص الذين يمتلكون الكفاءة والاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
أما عندما يتم استبعاد الداعية النزيه والكفوء لأنه قد يكون صاحب رأي مستقل، وتقديم شخص أقل كفاءة لأنه أكثر طاعة، فإن الحزب لا يخسر كفاءة واحدة فحسب؛ بل يرسل رسالة إلى كل أعضائه بأن الولاء أهم من الكفاءة.
وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تنظيم سياسي.
والأكثر إثارة للجدل أن هذه المفاضلة، في بعض الحالات، لم تكن بين داعية كفوء وشخص مستقل، وإنما بين دعاة من أبناء الحزب وبين بعثيين سابقين تم تقريبهم إلى مواقع مؤثرة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات تجربة حزب الدعوة إيلامًا.
كيف يمكن لحزب دفع أثمانًا هائلة في مواجهة حزب البعث، وفقد شهداء وسجناء ومطاردين بسببه، أن يجد بعض قياداته في مرحلة السلطة أكثر استعدادًا لتقريب بعثيين سابقين من بعض الدعاة الذين عاشوا المحنة نفسها؟
لا أقصد هنا التعميم على كل قيادات الحزب ولا على كل البعثيين؛ فهناك فرق بين من تورط في الجرائم والقمع وبين من كان مجرد عضو في حزب البعث، كما أن الدولة تحتاج في نهاية المطاف إلى معالجة الماضي بقوانين عادلة لا بمنطق الانتقام. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح معيار الاختيار السياسي هو العلاقة والولاء والمصلحة بدل القانون والكفاءة.
لقد كان حزب الدعوة وحزب البعث على طرفي نقيض في الصراع السياسي والفكري، وارتبط تاريخ الدعوة بمواجهة النظام البعثي، كما ارتبط اسمه بتشكيلات مسلحة في مواجهة النظام وبعمليات مقاومة له، بينما كان محمد باقر الصدر رمزًا كبيرًا من رموز تلك المواجهة.
لكن عندما أمسكت قيادات الدعوة بمفاصل الدولة، حدثت مفارقة تكاد تكون من أغرب المفارقات في التاريخ السياسي العراقي: بعض الذين كانوا يمثلون الضحية أصبحوا يتعاملون مع بعض عناصر المنظومة التي اضطهدتهم بطريقة يصعب تفسيرها أحيانًا إلا بمنطق السلطة ومصالحها.
وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى استخدام تعبير قاسٍ: متلازمة ستوكهولم السياسية.
فمتلازمة ستوكهولم، في معناها العام، تصف حالة تنشأ فيها علاقة تعلق أو تعاطف بين الضحية ومن يمارس السيطرة عليها. وأنا لا أستخدم المصطلح هنا بمعناه الطبي أو النفسي الحرفي، وإنما كاستعارة سياسية لوصف مفارقة: حزب عانى من قمع البعث، ثم أصبح بعض قادته في السلطة أكثر تساهلًا مع شخصيات بعثية من تساهله مع بعض رفاقه ودعاته.
ولا يصح، للإنصاف، تحميل الحزب كله هذه المسؤولية؛ فقد ساهمت قوى دعوية بالفعل في تشريع وتفعيل قوانين العدالة الانتقالية، وكانت مؤسسات مثل مؤسسة الشهداء ومؤسسة السجناء السياسيين جزءًا من منظومة سياسية جاءت بها قوى المعارضة السابقة.
لكن المفارقة كانت في الاستثناءات والتطبيق الانتقائي.
فحين يرى الداعية الذي عاش سنوات السجن والمطاردة أن بعثيًا سابقًا أصبح صاحب منصب أو نفوذ، بينما لا يجد هو نفسه المكان الذي يستحقه، فإن الرسالة التي تصل إليه ليست سياسية فقط، وإنما أخلاقية أيضًا: يبدو له أن التضحية أصبحت أقل قيمة من الطاعة، وأن الماضي النضالي أصبح أقل أهمية من العلاقة الجديدة بالسلطة.
وهنا حدث انقلاب آخر في مفهوم «حزب النخبة».
فالحزب الذي كان الناس يطلقون عليه «حزب النخبة» لأنه يضم نخبًا فكرية ودينية وسياسية، أصبح في نظر قطاعات من جمهوره حزبًا يختار جنود شطرنج مطيعين بدل النخب المستقلة، ويقرّب أحيانًا بعثيين على حساب دعاة أكثر نزاهة وكفاءة.
وهذا التحول لا يمكن أن يمر دون ثمن.
لأن النخبة إذا لم تجد مكانها داخل الحزب، ستخرج منه أو تصمت أو تتراجع، وحين تخرج النخب يبقى التنظيم، لكن يبقى فيه الشكل أكثر من المضمون.
والحزب الذي يستبدل النخبة بجنود مطيعين قد يربح المعركة السياسية القصيرة، لكنه يخسر معركته التاريخية.
وهنا نفهم جانبًا من التراجع الذي أصاب شعبية الدعوة.
فالحزب الذي كان في المعارضة يعتمد على آلاف القصص عن الشهداء والمناضلين والدعاة الذين رفضوا السلطة والمال، وجد نفسه بعد السلطة في مواجهة سؤال بسيط من جمهوره: أين ذهب أولئك الرجال؟
إن الجمهور لا ينسى.
قد يصمت، وقد يصوت لسنوات، وقد يتبع الحزب بسبب الخوف من البديل، لكنه في لحظة معينة يقارن بين الصورة القديمة والصورة الجديدة.
وقد تكون تلك المقارنة قاسية جدًا.
وهنا يمكن أن نضع تجربة حزب الدعوة ضمن سياق أوسع من الحزب نفسه. فالمشكلة ليست في الدعوة وحدها، بل في ديناميكية الإسلام السياسي العراقي عمومًا، وفي بنية النظام السياسي الذي جعل الأحزاب تتحول من تنظيمات تسعى إلى الوصول إلى السلطة إلى شبكات تسعى إلى الحفاظ عليها.
وهنا تتغير القاعدة: يصبح الهدف ليس كيف نبني دولة أفضل، وإنما كيف نحافظ على موقعنا في الدولة.