لا يمكن التقليل من خطورة التَّطورات الميدانيّة في الساحل الغربيّ لليمن، حيث وضعت طهران يداً ثقيلة على مضيق باب المندب الحيويّ، من خلال حليفها “الحوثيّ” الذي استولى على ميناء المخا وذوباب والجُزر اليمنيّة جنوبَ البحر الأحمر. اليوم لم تعد المعركة تدور فقط حول مدن ومناطق يمنيّة، بل حول موقع جغرافيّ يمكن أن يفرض نفسه على الحسابات الأمنيّة والاقتصاديّة لليمن ودول الإقليم والقوى الدوليّة.
لا تعني السيطرة على ذوباب والمناطق المحيطة بها أنّ الحوثيّين باتوا يمتلكون باب المندب بصورة كاملة أو أنّ الطريق صار مفتوحاً أمامهم للسيطرة المطلقة على المضيق. فالجغرافيا العسكريّة للساحل الغربيّ معقّدة، وخطوط الإمداد الحوثيّة طويلة ومكشوفة، فيما تبقى الجماعة الحوثيّة أمام مهمّة صعبة تتمثّل في تثبيت مكاسبها الجديدة وحمايتها من الضربات الجوّيّة والبحريّة، وتحويل التقدّم السريع إلى وجود عسكريّ قابل للاستمرار.
لكنّ أهمّيّة التطوّر تكمن تحديداً في أنّ الحوثيّين باتوا في أقرب نقطة يمكن منها التأثير في حركة الملاحة الدوليّة. وتكتسب ذوباب أهميّة استثنائيّة بسبب موقعها المواجه لجزيرة ميون، عند أحد أضيق أجزاء باب المندب، بما يمنح السيطرة على المرتفعات والمواقع المحيطة بها قيمة عسكريّة تتجاوز مساحتها الجغرافيّة بكثير. وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بعد الوصول إلى باب المندب؟
الهجوم المضادّ
السيناريو الأوّل يتمثّل في إعادة تنظيم القوّات الحكوميّة اليمنيّة ومحور تعز، ثمّ إطلاق هجوم مضادّ لاستعادة المخا وحيس والخوخة والكدحة، وصولاً إلى دفع الحوثيّين بعيداً عن ذوباب والمناطق المحاذية للمضيق.
لكنّ هذا الخيار يحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب القيادة والانتشار وخطوط الإمداد، وقد يستغرق أسابيع قبل أن يصبح ممكناً شنّ عمليّة واسعة. كما أنّ استعادة الساحل لن تكون مهمّة سهلة بعد إعادة انتشار الحوثيّين في منطقة ذات أهمّيّة استراتيجيّة استثنائيّة. تبقى قيمة هذا السيناريو في أنّه يحاول معالجة المشكلة من مصدرها: منع الحوثيّين من تثبيت وجودهم قرب باب المندب قبل أن يتحوّل الأمر إلى واقع جيوسياسيّ يصعب تغييره.
الحزام البحريّ الإقليميّ
السيناريو الثاني هو إعادة تشكيل أمن البحر الأحمر على أساس إقليميّ. فكلّما اقترب الحوثيّون من باب المندب، تراجع إمكان التعامل مع المسألة باعتبارها شأناً يمنيّاً داخليّاً، وازدادت الحاجة إلى قوّة بحريّة قادرة على مراقبة المضيق وحماية الملاحة ومنع تهريب الأسلحة والقدرات الصاروخيّة والمسيّرات.
في هذه الحالة يمكن أن يتزامن النشاط البحريّ الإقليميّ مع عمل برّيّ للقوّات اليمنيّة، بحيث تتولّى القوى المحلّيّة مواجهة الحوثيّين على الأرض، بينما تتولّى القوّات البحريّة الإقليميّة والدوليّة حماية الممرّ البحريّ ومنع تحويل المضيق إلى ورقة عسكريّة دائمة.
هذا السيناريو قد يكون أكثر قابليّة للتطبيق من العودة إلى حرب شاملة لأنّه يسمح للقوى الإقليميّة بالتدخّل في المجال الذي يمسّ مصالحها المباشرة، من دون الانخراط بالضرورة في احتلال أو إدارة الأراضي اليمنيّة.
العودة السّعوديّة
أمّا السيناريو الثالث فيتمثّل في عودة سعوديّة أكثر مباشرة إلى المشهد، لكن ليس بالضرورة بالصيغة التي عرفتها الحرب قبل هدنة 2022. حساسيّة باب المندب بالنسبة إلى الرياض لا تنبع فقط من قربه الجغرافيّ من اليمن، بل من علاقته بأمن البحر الأحمر والطاقة. وتعتمد السعوديّة على البحر الأحمر بوصفه مساراً استراتيجيّاً لصادرات الطاقة، فيما تجعل الاضطرابات التي تطال مضيق هرمز هامش المناورة والبدائل المتاحة أمامها أكثر ضيقاً.
بالتالي، فإنّ وصول الحوثيّين إلى باب المندب يلامس مباشرة أمن الطاقة والاقتصاد السعوديّ. وكلّما أصبح وجودهم هناك أكثر رسوخاً، ارتفعت احتمالات أن تجد الرياض نفسها مضطرّة إلى القيام عمليّة عسكريّة أو بحريّة لمنع تحوّل المضيق إلى مصدر ضغط دائم عليها. وقد التقى أمس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائد القوات المركزية الأميركية للبحث في وسائل “التعاون” لرد الحوثيين عن الإمساك بمفتاح باب المندب.
لكنّ عودة الحرب السعوديّة المباشرة تحمل في المقابل كلفة كبيرة، وتفتح الباب أمام استهداف المملكة بهجمات حوثيّة، وهو ما يفسّر تفضيل الرياض، على الأرجح، صيغاً أكثر انتقائيّة تقوم على دعم القوّات اليمنيّة والمعلومات الاستخباريّة والدفاع البحريّ والجوّيّ، بدلاً من العودة تلقائيّاً إلى نموذج الحرب المفتوحة.
واشنطن: احتواءٌ للتّهديد لا خوض حرب جديدة
يبقى الموقف الأميركيّ عاملاً حاسماً. فواشنطن تبدو، وفق المعطيات المتوافرة، غير راغبة في فتح جبهة عسكريّة جديدة، خصوصاً في ظلّ استمرار المواجهة مع إيران. ولذلك قد تفضّل تقديم الدعم الاستخباريّ واللوجستيّ لحلفائها، مع الإبقاء على وجودها البحريّ في المنطقة، وهذا السيناريو الرابع.
لكنّ عدم الرغبة في التدخّل المباشر لا يعني أنّ الولايات المتّحدة ستقبل بسيطرة حوثيّة غير مقيّدة على باب المندب. وتبدو هناك ثلاثة تطوّرات يمكن أن تغيّر الحسابات الأميركيّة: تعرّض القوّات الأميركيّة لهجوم مباشر، تهديد واسع ومستمرّ للسفن التجاريّة، أو نجاح الحوثيّين في نشر قدرات صاروخيّة ثابتة قرب المضيق.
عند هذه النقطة قد تنتقل واشنطن من سياسة المراقبة والدعم إلى سياسة أكثر هجوميّة لأنّ المسألة لن تعود مرتبطة باليمن وحده، بل بحرّيّة الملاحة الدوليّة.
باب المندب كورقة إيرانيّة
السيناريو الخامس هو الأكثر ارتباطاً بالصراع الإقليميّ الأوسع. فكلّما تمكّن الحوثيّون من تثبيت وجودهم قرب باب المندب، ازدادت قيمة هذا الموقع كورقة ضغط إيرانيّة في مواجهة الولايات المتّحدة وحلفائها.
ليس ضروريّاً أن تغلق “الجماعة” المضيق فعليّاً حتّى تصبح السيطرة ذات قيمة استراتيجيّة. يكفي امتلاك القدرة الموثوقة على تهديد السفن لرفع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، وإعادة توجيه التجارة، وزيادة الضغط على قناة السويس. هنا يتحوّل باب المندب من جبهة يمنيّة إلى عقدة في شبكة صراع أوسع تمتدّ من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
مصر أمام معادلة مختلفة
لا يمكن فصل هذه التطوّرات عن الحسابات المصريّة. فباب المندب ليس مجرّد ممرّ بحريّ بعيد عن القاهرة، بل إنّه المدخل الجنوبيّ إلى البحر الأحمر، وأيّ اضطراب مستدام فيه يمكن أن ينعكس مباشرة على حركة الملاحة المتّجهة إلى قناة السويس.
من هذه الزاوية، فإنّ التقدّم الحوثيّ يضع مصر أمام معادلة تتجاوز الحرب اليمنيّة نفسها. فكلّما ازدادت المخاطر في باب المندب، ازدادت أهميّة أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى الأمن الاقتصاديّ المصريّ، خصوصاً في ظلّ حساسيّة إيرادات قناة السويس تجاه اضطراب حركة التجارة العالميّة.
قد لا تكون القاهرة راغبة في الانخراط في حرب يمنيّة جديدة، لكنّها لن تستطيع تجاهل تحوّل باب المندب إلى منطقة نفوذ عسكريّ ثابت لجماعة قادرة على تهديد الملاحة، ذلك لأنّ باب المندب يشكّل المدخل الإلزاميّ لأيّ سفينة قادمة من آسيا أو شرق إفريقيا أو الخليج تريد الوصول إلى قناة السويس المصريّة. فبدون المرور عبر باب المندب أوّلاً، لا يمكن لأيّ سفينة الوصول إلى البحر الأحمر ومنه إلى القناة.
معركة المضيق لا معركة المدن
في المحصّلة، لا تبدو المعركة المقبلة في الساحل الغربيّ مجرّد سباق لاستعادة المخا أو حيس والخوخة. أصبح جوهر الصراع مرتبطاً بمنع الحوثيّين من الانتقال من السيطرة على الأرض إلى امتلاك قدرة مستدامة على التحكّم بالممرّ البحريّ.
من هنا فإنّ باب المندب قد يصبح خلال المرحلة المقبلة اختباراً جديداً للنظام الأمنيّ في البحر الأحمر كلّه. فالسعوديّة ستنظر إليه من زاوية أمن الطاقة، ومصر من زاوية أمن قناة السويس، والولايات المتّحدة من زاوية حرّية الملاحة والمنافسة مع إيران، فيما سيراه الحوثيّون وإيران باعتباره ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
هذا هو التحوّل الأخطر: أن تنتقل الحرب من معركة على الساحل الغربيّ إلى معركة على من يملك مفتاح البحر الأحمر.
