كانت واقعة تفجير منشأة عليّ الطاهر نقطة افتراق بين ما قبل وما بعد. فالدولة لا تستطيع التراجع عن خيار التفاوض مهما تزايدت الصعوبات. أمّا الحزب المسلَّح فلا يبدو مُكترثاً باستمرار الاحتلال والخراب، ولا مستعدّاً للبحث مع الحكم اللبنانيّ في إمكانيّاتٍ أخرى: لا تقتل الذئب ولا تُفنِ الغنم. ويقول العرب والدوليّون إنّ الجميع يريدون مساعدة لبنان، لكنّ لبنان نفسه ليس مستعدّاً لمساعدة نفسه.
ليس غريباً أن يجيب “الحزب” بما أجاب به بعد تسليم تلال عليّ الطاهر لإسرائيل. لقد سلّم من جهة، وهاجم الحكومة اللبنانيّة من جهةٍ ثانية. وكاد يقول أو قال إنّ الحكومة هي التي سلّمت عليّ الطاهر لإسرائيل! وقد ظلّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام يرجوان “الحزب” شهوراً لتسليم التلال للدولة، وبذلك تسلم من الاحتلال، ويخرج المقاتلون الإيرانيّون الذين يقال إنّهم كانوا محاصَرين فيها.
السّلاح والنّفوذ: ثلاث أدوات لإخضاع الدّولة
يعتبر الحزب المسلَّح أنّ إسرائيل عدوّ، لكنّ بينهما، كما كان الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصر الله يقول، قواعد اشتباك. أمّا العدوّ الآخر لـ”الحزب” على الدوام فهو السلطات اللبنانيّة التي ما قاومت سيطرته من قبل إلّا قليلاً، ومنذ قرابة ثلاثة عقود تخضع السلطات الرسميّة اللبنانيّة لقوى “الحزب” وسيطرته، والسبب في ذلك الحكم الأسديّ في سوريا ولبنان ولاحقاً الحكم الإيرانيّ أيضاً.
تأتي السيطرة من ثلاث جهات:
1 ـ اختراق المؤسَّسات عبر حصّة الشيعة في النظام، وعبر العمليّات غير المشروعة في مناطق سيطرة “الحزب” وفي المرفأ والمطار.
2 ـ قوّة السلاح وهيبته إلى جانب شبكة التنظيمات التابعة له في منظومة متكاملة تقوم على سياسة العصا والجزرة. العصا كانت بالاغتيالات والسيطرة على الجنوب وغيره، والجزرة كانت بتبادل الخدمات وأحياناً الفلوس بحيث يجري التمرير لـ”الحزب” في مقابل إيصال هذا وذاك للمنصب النافذ بالترغيب والترهيب، شأن المحكمة العسكريّة والقضاء والجامعة اللبنانيّة والجمارك والحدود اللبنانيّة السوريّة. ويكفي دليلاً على ذلك عشرات ألوف المسلّحين الذين عبروا إلى سورية للقتال إلى جانب الرئيس السوريّ المخلوع بشّار الأسد، والاغتيالات التي نفّذها “الحزب” بين السياسيّين والمثقّفين والإعلاميّين منذ الثمانينيّات من القرن الماضي حتّى عشرينيّات القرن الحادي والعشرين.
3 ـ بعد العام 2000 ثمّ 2006 صارت هناك سيطرة كاملة لـ”الحزب” على كلّ المؤسّسات الدستوريّة، من رئاسة الجمهوريّة إلى مجلس النوّاب والحكومة. وكم من شهورٍ بل سنوات كانت تمضي من دون رئيسٍ أو حكومة لأنّ “الحزب” لا يقبل هذا الوزير أو ذاك.
كان السياسيّون اللبنانيّون، مسيحيّين ومسلمين على السواء، يتباهون نفاقاً بتسامح “الحزب” وعقلانيّته تجاه تعيين هذا أو ذاك، وبالطبع من خارج الطائفة، وأمّا من الطائفة فهو تحصيل حاصل. وقد يكون التسامح لمصلحة حركة “أمل” فيما كان الحزب المسلّح يشير إلى فساد الأمليّين وطهارته هو. وقد تبيّن خلال الحروب الأخيرة بل وقبلها أنّ أفعال موظّفي “أمل” ووزرائها في الدولة هي أفعال أطفالٍ إن قورنت بأفاعيل “الحزب” وأنصاره وأعماله في الممنوعات وفي التوسّع في سوريا والعراق واليمن باستخدام أدوات الدولة اللبنانيّة وحتّى جوازات سفرها.
حين أدرك العرب أنّ السّلاح لا يبني دولة
أفعال التنظيمات المسلّحة في مواجهة الدول تفضي إلى نتائج تدميريّة ولا تقبل اللين أو التسامح أو التنازل. ولعلّ خير مثال على ذلك ما حظيت به أعمال المقاومة الفلسطينيّة منذ النصف الثاني من الستّينيّات، وكيف كان “الثوريّون” يشتمون الحكومتين اللبنانيّة والأردنيّة وحتّى الرئيس المصريّ جمال عبدالناصر وقبوله لمبادرة وليام روجرز وزير الخارجيّة الأميركيّ بعد هزيمة العام 1967.
غيّر عبدالناصر موقفه من الكفاح المسلّح للتنظيمات بعد العام 1967. ثمّ صار ذلك سياسة عربيّة رسميّة في مطالع السبعينيّات. ويقال إنّ الملك المغربيّ الحسن الثاني هو الذي نصح الملك الأردنيّ حسين بن عبدالله بالتخلّي عن الضفّة الغربيّة والقدس لمصلحة منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي ظهر قائدها ياسر عرفات في الأمم المتّحدة عام 1973 حاملاً غصن الزيتون في يدٍ والبندقيّة في يدٍ أخرى.
لقي “الحزب” الإيرانيّ ترحاباً من العرب والمسلمين يساوي، إن لم يفُقْ في العام 2006، ما تمتّعت به المقاومة الفلسطينيّة. أمّا الحكومة اللبنانيّة فكانت دائماً ملعونة ومتخاذلة. والشديدو الإنصاف من العرب هم الذين كانوا يقولون: لقد تنازلت الحكومة اللبنانيّة عن صلاحيّاتها وسلطاتها في حين لم تكن مضطرّةً إلى ذلك.
احتكار الدّولة للسّلاح: معركة استعادة القرار
لا قيام لدولةٍ في ظلّ وجود تنظيم مسلّح على أرضها إلّا إذا كانت تقاتله وإن لم تتمكّن من الانتصار عليه. وما قاتلت الدولة ولا جيشها “الحزب” أبداً، باعتبار أنّ الشيعة ثلث اللبنانيّين وأنّهم في معظمهم يؤيّدون “الحزب”، وهذه حجّة. فالشعب الأردنيّ أكثر من نصفه من أصول فلسطينيّة، لكن عندما وجد معظم الأردنيّين أنّ دولتهم قويّة ومصمّمة على عدم قبول التنظيمات المسلّحة على أرضها، وقفوا إلى جانبها وإن لم تخمد صرخات “الثورجيّين”.
إمّا الدولة وإمّا التنظيم المسلَّح، ولا مساومة أو مصالحة أو توافق بينهما. وما دامت ثقافة الدولة وإرادتها غير موجودتين في لبنان، فالخوف عليها كبير وشديد ولا ينبغي الركون إلى الأوهام. وقد شهد هذا الجانب تحوّلاً لافتاً.
في عهد الرئيس ميشال عون كانت التصريحات تتوالى من الرئيس ومن وزرائه مؤكّدةً أنّ “الحزب” لا يستخدم سلاحه بالداخل. أمّا في هذا العهد فمنذ اللحظة الأولى لانطلاقته هناك قرار بحصريّة السلاح بيد الدولة من جانب رئيس الجمهوريّة ومن جانب رئيس الحكومة. وهناك قراراتٌ أخرى مثل إخلاء بيروت من السلاح، ومثل أنّ سلاح “الحزب” غير قانونيّ أو غير شرعيّ. ولا يمكن التقليل من شأن هذه القرارات، فقد مضى الرئيس بالفعل للتفاوض باسم لبنان مع إسرائيل بوساطة أميركيّة رغم المعارضة الشديدة لـ”الحزب”، وحدوث انقسام بالداخل حول المسألة.
لا بديل عن التّفاوض
حظيت المفاوضات بدعم الأكثريّة. لكنّ الآمال المعلَّقة عليها لجهات وقف إطلاق النار، والانسحاب إلى الحدود، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة الناس إلى قراهم، والبدء بإعادة الإعمار، خابت لأنّ كلّ ذلك ما تحقّق منه إلّا أقلّ القليل (المنطقة التجريبيّة الفريدة، وإطلاق سراح خمسة أسرى). بيد أنّ ذلك لا يعطي حجّة للحزب المسلَّح الذي تسبّب بحروب على لبنان، ثمّ سكت سكوتاً كاملاً رغم استمرار الحرب الإسرائيليّة على الجنوب. وهكذا لا بديل عن التفاوض، ما دام استخدام السلاح ما عاد مجدياً وربّما ما عاد ممكناً، وصارت تكلفته عصيّةً على الاحتمال.
يشكّل زلزال عليّ الطاهر دليلاً جديداً على العجز وقلّة الحيلة من جانب الحزب المسلّح، ومن جانب الحكم اللبنانيّ. والطريف والعجيب أن يظلّ الحزبيّون يردّدون أنّ الحكم اللبنانيّ هو الذي تسبّب بالحرب. وتأتي الآن مناقشات مجلس النوّاب لمحاسبة الحكومة لتزيدَ المشهد والجوَّ سخونةً، وتعمِّق الانقسام، فيما يُصرّ كلّ فريقٍ على أنّه صاحب الحقّ الكامل الذي لا يرقى إليه شكّ. والحال أنّ الحياة السياسيّة المتصدّعة لا تعرف حقّاً مطلقاً ولا يقيناً كاملاً، ويغيب عنها الطرف أو الأطراف التي تعمل من أجل السلامة والسلم والوقوف عند المصالح الوطنيّة الكبرى.
