ستار كاووش.. جريدة المدى
ما أن خرجتُ من محطة مترو نورَبورت في كوبنهاغن، حتى ظهرت من بعيد بناية المتحف الوطني الدنماركي. توجهلتُ الى هناك وقبلَ الدخول إخترتُ واحدة من الأرائك الخضر التي إنتصبتْ في حديقة أوستره أونلايغ الواسعة التي تحيط بالمكان وجلستُ أتأمل بناية المتحف المذهلة بواجهتها ذات الطابوق الأحمر الذي أعشقه حقاً، كذلك أعمدة الغرانيت المهيبة التي إنتصبتْ كأنها تقص علينا حكاية هذا المتحف الفريد الذي تمثل بنايته أحد النماذج الفريدة لعمارة عصر النهضة. مرَّ بعض الوقت قبلَ أن أسحب خطواتي نحو المتحف، وهناك وجدتُ نفسي بين قاعات وممرات وطوابق مختلفة تضم أعمالاً تمتد لسبعمائة سنة. طفتُ بين الكثير من الأعمال الفنية لمختلف العصور، وتوقفتُ أمام الأعمال التي يتسع لها هذا النهار.
في إحدى الصالات وفيما أنا أتنقل من لوحة الى أخرى، واجهني عمل أحبه كثيراً. إنها لوحة ماتيس التي رسم فيها زوجته أميلي، والتي عرفت بعنوان (الشريط الأخضر)، والتي تعتبر واحدة من الإنتقالات التي جعلت الرسم أكثر حداثة وتحرراً، من خلال الإبتعاد عن الانطباعية وما بعد الانطباعية، بإتجاه الحركة (الوحشية) التي اعتمدت على قوة وتشبع اللون. وهكذا فتح ماتيس طريقاً جديداً صحبة مجموعة من الفنانين المجددين من خلال أعمال من هذا النوع.
بورتريت مدام ماتيس يقول كل شيء عن الرسم، وهو ذروة ما انتجته الحركة الوحشية. هكذا إنبثقت هذه اللوحة أمامي وكأنها شمساً صغيرة معلقة على جدار المتحف. نعم أنه بورتريت صغير الحجم لكنه يقول كل شيء عن الرسم، حيث تواجهك هنا أميلي بوجهها المشرق ونظرتها الأنيقة الواثقة. أتوقفُ هنا أمام أعجوبة اللمسة الخضراء الطويلة التي إختطها ماتيس على كامل وجهها وتمتد الى رقبتها (والتي جاء منها عنوان اللوحة). شعرها المصفف بعناية يعكس أناقة باريس، وفرشاة الرسم التي تتحرك مع إلتفاف خصلات الشعر وبدرجات مخلتفة من البنفسجي تمنحها جاذبية خاصة، فيما وزع ماتيس مساحات من الأزرق والبنفسجي والأحمر والوردي على الخلفية والثوب، وبذلك منحَ العمل شيئاً من التجريدية قبل الظهور الفعلي للتجريد. القوة هنا تكمن في جرأة استخدام الألوان وعدم الامتثال لما هي عليه في الواقع. هذه اللوحة رُسمتْ بفرشاة عريضة نابضة بالحياة وبجلسة واحدة وكأنها أغنية كُتبتْ بسرعة على ورقة صغيرة ثم ذاعَ صيتها وأصبحتْ على كل لسان. إنها مثال على كيفية إستيعاب ماتيس لألوان وتقنيات غوغان وفان خوخ، ليأخذ بعدها مكانه بإعتباره أعظم ملون في تاريخ الرسم.
خطوتان لا غير ابتعدتهما عن (الشريط الأخضر)، فأذا بلوحة أندريه ديران (إمرأة بقميص داخلي) تظهر بألوانها النابضة التي تجعلك تعتقد بأن المرأة الجالسة على حافة السرير بشعرها الأحمر هي واحدة من غانيات باريس في بداية القرن العشرين، وهي بالفعل كذلك، فقد قرأتُ ذات مرة بأن هذه الموديل ما هي سوى إحدى راقصات ملهى (دي رات مور) الذي كان ملهىً ليلياً شهيراً في حي مونمارتر، ومعنى الاسم هو (الفأر الميت) كعادة الأسماء الغريبة لهذه الأماكن في ذلك الوقت. رسم ديران هذه اللوحة بعد أن قضى سنة تقريباً صحبة ماتيس في جنوب فرنسا يرسمان سوية ويتأثران ببعضهما. لم يلتزم ديران هنا بواقعية المشهد، بل مضى بعيداً بمغامرته اللونية وحتى خطوطه التي جعل من خلالها يد المرأة كبيرة وغير واقعية وهذا ما منح العمل شيئاً من الغرابة. وحين نستثني وجه المرأة، فما يتبقى لنا من تفاصيل اللوحة يتحول الى نوع من التجريد، حيث توزعت بقع لونية باللون الأزرق والأحمر الفاتح والأخضر والأبيض (كما فعل ماتيس). حين أهدى أحد جامعي اللوحات هذه اللوحة الى المتحف قبل مائة سنة تقريباً، رفضها مدير المتحف بشدة لأنه رأى بأنها لا تتلائم مع معروضاتهم الجادة، لكن بعد عدة سنوات تم قبولها كهدية. والآن تعتبر إحدى جواهر المتحف التي لا تقدر بثمن.
تركتُ لوحة ديران وإستدرتُ نحو اليسار، وإذا بلوحة الفنان جورج براك التي رسم فيها ميناء ليستاك، وهنا إكتملت الحلقة (الوحشية). وقد رسم براك هذه اللوحة بطبقات كثيفة من عجائن الألوان ولمسات فرشاة واضحة، وهي من الفترة التي انضمّ فيها الى الوحشيين، قبل إنتقاله للتجارب التكعيبية صحبة بيكاسو.
وما أن حاولت مغادرة (قفص الوحوش)، حتى إستوقفتني عند باب الصالة (الراقصة أنيتا) وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى ويتدلى من كفيها رداءً وردياً ناعماً. أنها إحدى اللوحات المشرقة للفنان البوهيمي كيس فان دونغن. القلائد والمجوهرات تتلألأ على جسد الراقصة والزخارف تأخذ مكانها على الفستان الوردي. ترفع الراقصة رأسها الى الأعلى، كمن ينظر الى شيء بعيد ومجهول. هي منسجمة مع رقصتها وأنا مستغرق بجمال اللوحة. يا للترف الطاغي الذي أراه أمامي، حتى أكاد أن أشم عطر الراقصة التي تشبه رائحة الورد. إقتربتُ من اللوحة أكثر، فبدت الراقصة أكثر نعومة. إبتسمتُ لما يفعله الفن فينا وما يتركه الجمال في نفوسنا، وأشرتُ برأسي كتحية لراقصة فان دونغن ثم مضيتُ وسط المتحف متمتعاً بجمال هذه الظهيرة.