ستار كاووش….جريدة المدى
حين تود زيارة متحف لودفيخ في مدينة كولن الألمانية، عليكَ أن تهيء نفسك جيداً وتخصص يومك كله لهذا المتحف، لأن هذا المكان المذهل مليء بآلاف الأعمال الفنية لعباقرة دفعوا بالفن التشكيلي الى الأمام من خلال ابتكاراتهم وأساليبهم وتقنياتهم. هنا تقف أمام التيارات والمدارس التي غيرت نظرتنا الى الفن وصارت جزء من تاريخ الثقافة الإنسانية. وبشكل خاص إبداعات القرن العشرين التي تعتبر الكنز الحقيقي الذي يملكه هذا المتحف.
بواجهته الرمادية المهيبة إستقر المتحف وسط المدينة بمحاذاة من نهر الراين وقريباً من محطة القطار الرئيسية. وما أن وضعتُ قدمي في الصالة الأولى استقبلتي امرأة مستلقية من البرونز للفنان هنري مور، فيالها من بداية رائعة مع هذا التمثال البرونزي حيث بدت المرأة متحركة رغم ملامح وجهها التي جعلها الفنان مبهمة بعض الشيء.
تجولتُ في الصالة الكبيرة المخصصة للتعبيريين الألمان، ووسط هذه الأعمال ظهرت أمامي لوحة لودفيخ كيرشنر التي رسمَ فيها جماعة الجسر الأربعة، وهي تاج المتحف وتحفته الثمينة، حيث يظهر في اللوحة كريشنر نفسه مع ثلاثة فنانين كانوا نواة تأسيس جماعة الجسر التعبيرية التي انتقل تأثيرها الى كل العالم. يبدو الفنانون هنا كأنهم فى إجتماع ما أو يتبادلون حواراً يتعلق بخطواتهم الفنية القادمة. مناخ اللوحة أزرق مائل إلى الرمادي والبنفسجي، وخطوطها حادة تعكس بعض الإنفعال والتوتر رغم الهدوء الظاهر على الشخصيات، فيما تُعيدنا المساحات السوداء هنا وهناك الى الحفر على الخشب الذي كان يمارسه هؤلاء الفنانون كثيراً حتى صار جزءً من ثقافة المدرسة التعبيرية وتقاليدها. هكذا وقفت هذه اللوحة أمامي كشاهد ومثال مذهل للتعبيرية الألمانية في بداية بزوغها. في الجانب الآخر من القاعة ذاتها إستقرت لوحة تعبيرية أخرى لكنها تعود لجماعة الفارس الأزرق، إنها لوحة (امرأة بكنزة خضراء) للفنان أوغست ماكه، بحجمها الصغير لكن أهميتها الراسخة في الفن الحديث، نرى كيف تستقر امرأة وحيدة وسط اللوحة، تنظر الى الأزواج السعداء وهم يتنزهون في الحديقة، فيما هي حائرة كأنها تتساءل عن سر السعادة وأين يمكن أن نجدها، هل في جمال الطبيعة أم مع رفيق يشاركنا هذه الحياة؟
ماكس بيكرمان بأشكاله الخشنة ولمساته السريعة قال كلمته أيضا في هذا المتحف من خلال مجموعة كبيرة من الأعمال، حيث تتحرك الشخصيات بعنف وهي تتخفى خلف ظلال فرشاته السميكة وألوانه الحادة. وما أن دخلتُ قاعة أخرى، حتى إستوقغتني لوحة الفنان كيس فان دونغن، وهي عبارة عن بورتريت لإمرأة إسمها (آنا)، تقطر نعومة وترف، حيث تمسك بمروحة يدوية وتنظر في عين المشاهد، عيون واسعة وملابس مزخرفة ولمسات فرشاة عريضة هو ما يميز أعمال هذا الفنان البوهيمي. لوحات كثيرة وبتقنيات لا حدود لها، معالجات وأساليب تستوقفك في كل زاوية من المتحف، كما أستوقفتني لوحة فرانسيس بيكون التي يظهر فيها رجل تنتصب فوق رأسه مظلة، فيما بقايا لأجساد حيوانات تحيط به من كل جانب وكأنه في محل قصابة، الأصفر في الخلفية يعكس نوعاً من التوتر، والرجل لا ملامح له، لا نرى سوى حركة ساقه المتأرجحة وسط اللوحة، وكأنه يتخفى تحت ظلال المظلة. الحركة في هذه اللوحة تنبع من حركة الفرشاة العنيفة التي صنعت جواً مشحوناً بالترقب ومليئاً بالأسئلة. وقد رسم بيكون هذه اللوحة سنة ١٩٧١، وهي نسخة ثانية من ذات اللوحة التي رسمها في بداياته الفنية.
تكتمل المتعة بوجود لوحات الفنان فرناند ليجيه، حيث أشكاله المدينية ونساءه المستلقيات دون اهتمام، وغيومه المكعبة التي جعلت اللوحات أكثر غرائبية. كذلك لوحات دافيد هوكني وشخصياته التي تستلقي بمحاذاة أحواض السباحة. كذلك منحوتات جان دوبوفييه التي إكتسبتْ شهرتها من اللونين الأسود والأبيض.
ووسط كل ذلك تبقى أعمال بيكاسو هي التي تمثل حصة الأسد، حيث توزعت عشرات اللوحات والمنحوتات وأعمال السراميك التي انجزها هذا الفنان الأندلسي العظيم. هنا ترى كيف أن بيكاسو لا تحده حدود ولا يقف أمام موهبته عائق، وأين ما يضع يده ينتج أعمالاً فيها الكثير من الجرأة والتجديد والحداثة، وحتى روح الدعابة.
خرجتُ من المتحف بعد أن ألقيت نظرة على تمثال النحاتة (نيكي دي سانت فال)، بحجمه العملاق وطريقة نحته التي تذكرنا بالمنحوتات البدائية، فيما ألوانه الصريحة تعيدنا الى فن البوب. بدتْ المرأة الضخمة هنا بمايوه ملون امتلأ بنقوش لزهور مختلفة، وقد أمالَتْ برأسها الصغير الى الوراء ورفعت احدى ساقيها وفتحت ذراعيها الى الخلف كأنها تودع زائري المعرض بطريقة استعراضية. إبتسمتُ بشكل عفوي وأنا ألقي نظرتي الأخيرة على هذه المرأة المرحة، وحَيَّيتُها بابتسامة صغيرة، ثم تناولتُ بعض مطبوعات المتحف وسحبت خطواتي نحو وسط المدينة.