المواهب العظيمة يمكنها أن تنبتْ في أي مكان، لا تقف بوجهها عواقب ولا جدران، تنمو مثل زهرة وسط الصخور، أو تُحَلِّق مثل طائر بري لا يتوقُف عن الحركة والطيران. لذا يمضي الموهوبون مثل ماء النهر الجارف لتحقيق نجاحهم، لا تستوقفهم العثرات التي تضعها الحياة في طريقهم، بل ينطلقون قدماً كي يصنعوا التاريخ ويغيروا وجه الفن. وأحد أصحاب المواهب العظيمة هو الفنان الياباني هوكوساي (١٧٦٠- ١٨٤٩) الذي تعلَّمَ الحفر على الخشب في صباه، ثم تنقَّلَ بين هذا الأستاذ وذاك المعلم، ليحفر طريقه كما كان يحفر الخشب، ويصل الى مكانة جعلته أهم فنان ياباني عبر التاريخ.
حين طلبت مني مجلة أتيليه الهولندية ذات مرة أن أكتب عن أجمل بورتريت شاهدته في حياتي، لم أتردد بـإختيار لوحة فينسنت فان خوخ التي رسمها للعم تانغي، والتي امتلأت خلفيتها بالرسومات اليابانية التي علقها فينسنت على جدران مرسمه، ومن ضمنها أعمال هوكوساي، في تلك اللوحة عرفتُ كيف فهم فينسنت الفن الياباني وجعله مصباحاً يُضيء لوحاته الخالدة. ولا أنسى أيضاً ما فعلته بي لوحات هوكوساي التي شاهدتها في متحف رايكس في أمستردام أو في متحف التصميم والفنون اليدوية في هامبورغ، وغيرها من المتاحف التي تابعتُ فيها خطوطه المرهفة الأنيقة وتكويناته الجذابة وأشكاله التي يوزعها على اللوحات بطريقة فريدة. كنتُ أتطلع الى تلك اللوحات وكأني أمامَ كنوز أثرية جاءت من أرض اليابان.
إضافة الى موهبته العظيمة، كان هوكوساي يتمتع بروح الدعابة، فمثلما مرَّ بمراحل عديدة، فهو أيضاً كان يغير إسمه مراراً وتكراراً وقد إستخدم أكثر من خمسين إسماً حيث كان يمنح نفسه إسماً جديداً مع كل مرحلة من مراحله المختلفة، ويعتبر إسم (رجل عجوز مولع بالفن) أطرف إسم إستخدمه كفنان. عموماً يبقى إسم هوكوساي هو الذي صمد أمام كل الأسماء الأخرى والذي بدأ بإستخدامه عندما بلغ السادسة والأربعين من عمره، وعرفه الناس من خلاله، لكن حتى هذا الإسم ليس إسمه الحقيقي، بل أسم فني إبتكره لنفسه.
الإنتاج الوفير دليل على الخصوبة، وهذا ما نراه في أعمال هوكوساي التي بلغ عددها ثلاثين ألف رسماً أنجزها خلال حياته المليئة بالإنتقالات والتجديد والمراحل، والحصة الكبيرة من أعماله كانت لرسومات الكتب، والتي تساوي أكثر من ضعف ما أنجزه الفنانين اليابانيين مجتمعين. هكذا كان هوكوساي لا يتوقف عن العمل وإبتكار خطوطاً جديدة لرسوماته وإيجاد معالجات عالية، وهذا كان كفيلاً بأن يُدخله تاريخ الفن.
إستلهم هذا الفنان رسوماته من الناس في الأسواق والشوارع والمعابد وأماكن الاحتفالات والرقص، لكنه تأثر أيضاً بمسرح الكابوكي الشهير في اليابان، ورسم الممثلين وحركاتهم وإيماءاتهم والمراوح اليدوية التي تتمايل بين أيديهم هنا وهناك. مع ذلك تبقى رسوماته التي رسمها للطبيعة هي أهم إنجازاته، حيث رسمها بشكل دقيق وبألوان قليلة لكن مؤثرة وبتكوينات جديدة ومبتكرة، هذه الرسومات وضعته في مصاف رسامي العالم الكبار.
تبقى لوحة الموجة (الموجة العظيمة قبالة كاناغارو) أشهر وأعظم أعمال هوكوساي على الإطلاق، هذه اللوحة الدرامية بتكوينها المبتكر وحركتها اللولبية وإيقاعها الذي يشد المشاهد، لم تكن لوحة جميلة فحسب، بل ذاع صيتها وفتحت الباب على مصراعيه للفن الياباني كي يأخذ مكانته في كل العالم. تظهر في هذه اللوحة بعض القوارب التي تصارع أمواج البحر المتلاطمة، وبدتْ في أعلى اليمين موجة عملاقة تنقض كأنها مخالب وحش كاسر، وتهدد القوارب التي على وشك الغرق. فيما يظهر جبل فوجي في عمق اللوحة، ليمنح التكوين شيئاً من الهدوء الذي يواجه العاصفة. إنها قوة الطبيعة وصراع الإنسان معها منذ الأزل. ألوان قليلة بدرجات الأزرق كانت كافية لتصنع هذا الجمال والتأثير والقوة. وقد ألهمَ هذا العمل مئات الفنانين حول العالم وتأثروا به بطرق مختلفة. ومن المشاهير الذي تأثروا بإعمال هوكوساي، فينسنت فان خوخ وإدغار ديغا وغوستاف كليمت وغيرهم الكثير من فناني العالم الكبار.
جمع هوكوشاي بين الرسم والتخطيط والتصميم والحفر على الخشب، وشكَّلَ إنتقالة عظيمة في فن الطباعة الياباني الذي أوصله لقمة مستواه في القرن التاسع عشر. وفي كل حياته المديدة لم يتوقف هوكوساي عن العمل والابتكار، مع ذلك كان يرى أن طريق الرسم طويل، بل طويل جداً ومليء بالاكتشافات التي لا تنتهي. وهذا يؤكد ما قاله لإبنته وهو على فراش الموت وقد ناهز التسعين من العمر (لو أن السماء منحتني عشر سنوات إضافية! أو خمس سنوات أخرى، فربما أصبحت رسامًا حقيقيًا).