د. فالح الحمـراني… جريدة المدى
اعتبر الرصد الشهري للتطورات في العراق الذي يصدر عن معهد الشرق الأوسط في موسكو إن تعيين السيد علي الزيدي رئيساً للحكومة العراقية وضح الحد لأزمة استمرت شهوراً، ولكنه لا يحل في حد ذاته المشاكل الهيكلية للبلاد. إذ ترث الحكومة الجديدة اقتصاداً منهكاً، ونظاماً أمنياً غير مستقر، وحواراً لم يُستكمل مع إقليم كردستان العراق، وضغوطاً خارجية من جهات متعددة، ومستوى عالٍ من انعدام ثقة الشعب بالطبقة السياسية ككل.
ورصد إن النزاع العسكري الإقليمي أدى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي المتردي أصلاً في العراق. فقد انخفضت إمدادات الغذاء والأسمدة، وتراجع إنتاج النفط وصادراته بشكل حاد. وبشكل عام، اشتدت الأزمة الاقتصادية العراقية، وتدهور الوضع المالي للبلاد. ولم يتمكن العراق من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط بسبب عجزه عن زيادة حجم صادراته. ويواجه العراق خياراً صعباً: إما زيادة الدَيّن العام أو تطبيق إجراءات تقشفية صارمة في الميزانية. وقد تدهور الوضع الاجتماعي بشكل ملحوظ، حيث انتشر السخط على قيادة البلاد، لا سيما فيما يتعلق بالتخطيط للأزمات والاستعداد لها. وتتزايد المشاعر المعادية للغرب، وخاصةً للولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك دعم كبير للعوامل الدينية. وبالتالي، فإن “المشاكل الاقتصادية في العراق متشابكة بشكل وثيق مع الصراعات السياسية الداخلية والنزاعات الإقليمية، مما يخلق حلقة مفرغة من الصعوبات التي يتطلب حلها ليس فقط قرارات إدارية فعالة، بل أيضاً ظروفاً خارجية مواتية”. كل هذا بلا شك يخلق تهديدات متزايدة للاستقرار الداخلي، ويساهم في تصاعد التوترات في البلاد.
وراى إن أبرز الأحداث السياسية الداخلية في نيسان 2026 انتخاب رئيس الجمهورية وتعيين رئيس الحكومة. منوها بانه ورغم إجراء الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني 2025، لم تتمكن القوى السياسية من استكمال تشكيل الهيئات التنفيذية الجديدة لأكثر من خمسة أشهر. ولذلك، شكّل هذان التعيينان بداية خروج العراق من أزمة سياسية معقدة وطويلة الأمد.
وأعاد الى الأذهان تصويت مجلس النواب العراقي في 11 نيسان،لصالح انتخاب نزار آميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسًا جديدًا للجمهورية. وقد صوّت 227 عضوًا في البرلمان لصالح ترشيحه، بينما حصل المرشح الثاني، مثنى نادر، على 15 صوتًا، مع إعلان بطلان سبعة أصوات.
وحسب التقرير كانت المنافسة الأشدّ حدةً على ترشيح رئيس الوزراء الجديد للعراق، حيث ينص الدستور على مهلة 15 يومًا من انتخاب الرئيس لتعيين رئيس الحكومة. ودخل العراق بذلك مرحلة سياسية أكثر تعقيداً عقب الانتخابات الرئاسية، إذ أصبحت هذه الانتخابات نقطة انطلاق لأزمة جديدة تتمحور حول منصب رئيس الوزراء، وسط انقسام حاد داخل هيكل التنسيق الشيعي، الذي يمتلك أغلبية مقاعد البرلمان، حول المرشح لهذا المنصب. وكان الصراع الأشد ضراوة بين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2006-2014) ورئيس الوزراء المكلف محمد شياع السوداني.
وفي تتبعه للتطورات قال: في نهاية المطاف، رشّح الاطار التنسيقي في 27 نيسان مرشحاً جديداً لرئاسة الوزراء، وهو رجل الأعمال والمحامي علي الزيدي، البالغ من العمر 40 عاماً. وفي اليوم نفسه، وجّه الرئيس العراقي نزار أميدي رئيس الوزراء الجديد بتشكيل الحكومة. ورفض كل من رئيس الوزراء الحالي محمد السوداني، ومرشح هيكل التنسيق السابق نوري المالكي، المنصب، ودعما ترشيح الزيدي. وقد أصبح المرشح الجديد شخصية توافقية لقادة الأحزاب الشيعية، ووفقاً للخبراء، “قد يواجه صعوبات في تشكيل الحكومة”. بحسب الدستور العراقي، أمام البرلمان ثلاثون يوماً للموافقة على تشكيل الحكومة.
وفي معرض تقديمه السيرة الذاتية لرئيس الوزراء الجديد لاحظ بأنه: لم يشغل أي منصب حكومي أو سياسي، لكن تربطه علاقات واسعة بقوى سياسية عربية شيعية وسنية. وقد برز الزيدي كأحد أبرز رجال الأعمال في العراق خلال السنوات العشر الماضية. وأعربت الأحزاب الكردية الرئيسية – الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني – عن دعمها لترشيح الزيدي.
وبموافقة الاطار التنسيقي ” والاشارة للتقرير، على ترشيح الزيدي رئيساً للوزراء، وضع حداً لإحدى أعقد الأزمات السياسية التي عانت منها البلاد لنحو خمسة أشهر. “لقد شهد التاريخ العراقي حدثاً نادراً: انتخاب شخصية توافقية رئيساً للوزراء”. ويعكس ترشيح الزيدي إرهاق النخب من الجمود المؤسسي المطول وسعيها لإيجاد توازن. ويُشير انتخاب الزيدي إلى تردد النخب في تغيير النظام السياسي القائم منذ الإطاحة بصدام حسين عام 2003. ولا يزال استدامة قرار تعيين رئيس وزراء جديد موضع شك. فالزيدي لا ينتمي إلى أي قوة سياسية، وهو أمر نادر في العراق الحديث. وقد شكّلت هذه السمة الحجة الرئيسية لصالحه عند سعيه إلى التوصل إلى حل وسط بين فصائل المحكمة الدستورية. ولا يزال نظام التوافق العراقي، الذي يراعي مبدأ الطائفية، مُجزّأً، “ويمثل الزيدي حلاً وسطاً، لا حلاً استراتيجياً”. وكان كل من محمد السوداني ونوري المالكي أكثر ميلاً إلى الاستقلال، ولذلك لم يُناسب جميع القوى. “إلى جانب افتقاره إلى الخلفية السياسية، يُعتبر الزيدي شاباً نسبياً لمثل هذا المنصب في المشهد السياسي العراقي المعاصر”. وهكذا، يبلغ السوداني من العمر 56 عامًا، بينما يبلغ المالكي 75 عامًا.
ومن المهم أيضًا أن يُنظر إلى اختيار الزيدي رئيسًا للوزراء كفرصة محتملة لتخفيف حدة التوتر بين العراق والولايات المتحدة في أعقاب التدهور الحاد في العلاقات خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة مع إيران. ويقول المحللون إن “ترشيح الزيدي كان مستحيلاً لولا موافقة أمريكية ضمنية على الأقل، مما يعكس محدودية هامش المناورة لدى بغداد عندما تكون المصالح الاستراتيجية الحيوية على المحك”. وقد هنأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الزيدي على تعيينه رئيسًا للوزراء ودعاه لزيارة واشنطن. “ومن المتوقع أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على الحكومة الجديدة لكبح جماح الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، والتي تصنفها كمنظمات إرهابية. ومع ذلك، سيكون تحقيق هذا الهدف بالغ الصعوبة نظرًا لقوة هذه الفصائل الراسخة. فالعديد منها مندمج بعمق في النظام السياسي العراقي، ويشغل مناصب برلمانية وحكومية، ويمتلك قوات عسكرية كبيرة على الأرض».
وقد حاولت إيران أيضًا بسط نفوذها. التأثير على اختيار مرشح لمنصب رئيس الحكومة العراقية. زار وفد برئاسة العميد الركن إ. قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بغداد في 18 نيسان. والتقى الجنرال الإيراني بمعظم الزعماء السياسيين والفصائل الشيعية في بغداد للتأكيد على أهمية التوصل إلى مرشح توافقي، بالإضافة إلى إطلاع قادة الفصائل على طبيعة المفاوضات الجارية مع واشنطن ومواقف إيران والحرس الثوري.