
القدس العربي
حاول الكاتب الصحافي طارق الطاهر في كتابه «بخط اليد وعِلم الوصول.. تاريخ جديد للسيرة المحفوظية» الصادر عن منشورات بتانة في القاهرة، أن يقدم سيرة جديدة للروائي نجيب محفوظ، معتمدا على إهداءات هي في مجملها، كما يرى، أقرب إلى رسائل احتفظ بها في مكتبته عقودا طويلة، معلنا أن هذا العدد من الإهداءات لم يُنشر دفعة واحدة من قبل في كتاب، وهو ما أتاح له أن يرصد من خلالها ملامح جديدة للسيرة المحفوظية، مشيرا إلى أن هذه الإهداءات تؤرخ لمشوار حياته وإبداعاته وتوثقه، بل إن عددا منها تنبأ بعالمية محفوظ قبل سنوات من حصوله على جائزة نوبل في الآداب، مؤكدا أن موهبة محفوظ المتفردة جعلت بعضا ممن أهدوا إليه كتبهم يسجلون سعادتهم لأنهم عاشوا الزمن المحفوظي، خاصة أنه لم يكن بينه وبين مريديه أي حجاب، واختصه العديد منهم بأسرارهم وأحلامهم وأمنياتهم، ولم يبخل عليهم، واعتبرهم جزءا من مسيرته فاحتفظ بأحلامهم وأسرارهم لعقود طويلة. ما يخبرنا به طارق الطاهر هنا هو أن الرسائل يظل لها بريقها دائما، فهي الكاشفة عن خصوصية ما تربط بين المرسِل والمرسَل إليه، ويزداد البريق توهجا حين يكون للاثنين بصماتهما في الحياة، وبمجرد أن نلمح توقيع هذا أو ذاك على ورقة أيّا كان عدد أسطرها، تكون بمثابة كنز نتوقف عنده طويلا، مشيرا إلى أن هذا الكنز يزداد ثراء إذا كثرت الأوراق ووجهت إلى شخصية لم تؤثر في حياتنا فحسب، بل في التاريخ الإبداعي للإنسانية، ذاكرا أن هذه الأوراق عندما تجيء من شخصيات هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية والعالمية، فإننا نكون لحظتها أمام اكتشاف أدبي يتطلب التمهل والتدقيق في كل كلمة وردت في تلك الأوراق، متسائلا: هل هناك مفهوم محدد للرسائل؟ أي هل لا بد أن تحمل طابع بريد وختم بوستة، لا سيما وأن الرسائل النمطية هذه كادت أن تختفي من حياتنا بسبب التطور التكنولوجي؟
تاريخ مجهول
طارق الطاهر الذي يرى أن أي ورقة تتضمن موضوعا محددا وموجهة إلى شخص بعينه أو جهة بذاتها تظل تحمل كل معاني الرسائل ودلالاتها وإيحاءاتها التي تتحول مع مرور الزمن إلى وثيقة تحتاج أولا إلى مَن يُفرج عنها، وإلى من يُحسن قراءتها ثانيا، يورد في كتابه هذا إهداءات كتب وُجهت إلى الأديب نجيب محفوظ من شخصيات أدبية، نقدية، دينية، سياسية وعسكرية، رجال قضاء، سينمائيين وفنانين، مستعربين ومستشرقين وباحثين عن درجات علمية، متوقفا أمامها مشيرا إلى أنها تروي تاريخا مجهولا أو شبه مجهول للأديب العربي الوحيد حتى الآن الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، ذاكرا أن محفوظ احتفظ بهذه الإهداءات وتعامل معها على أنها رسائل تُشكل في مجموعها سيرة له، قد يأتي من يحسن قراءتها ذات يوم، مؤكدا أن دلالاتها لم تغب عن ذهنه. هنا يكشف لنا طارق الطاهر أسماء كثيرين أهدوا نجيب محفوظ كتبهم سعداء بهذا وهم يرونه من هو بقامته الأدبية والإبداعية، منهم: مصطفى أمين، توفيق الحكيم، لويس عوض، عبد الحميد جودة السحار، أمل دنقل، مجيد طوبيا، رجاء النقاش، سهير القلماوي، عبد المنعم النمر، خالد محمد خالد، عائشة عبد الرحمن، عبد الرحمن أبو عوف، نعمات البحيري، يوسف القعيد، جمال الغيطاني، عبد الوهاب البياتي، غالب هلسا، محمود أمين العالم، مصطفى محمود، فتحي رضوان، هاشم النحاس، صلاح عبد الصبور وغيرهم، مؤكدا أن لكل إهداء في المكتبة المحفوظية قصة تقف وراءه، محاولا الوصول إلى هذه القصص التي نسجت له في النهاية حكايات عن نجيب محفوظ جديرة بأن تُروى مجتمعة بكل أشخاصها ودلالاتها، مشيرا إلى أن هذه الحكايات التي يرويها موثقة في كتابه هذا، كشفت عن علاقة محفوظ بالثورات والسياسة والدين والنقاد ونظرة المستشرقين والمستعربين له، متوقفا عند علاقته بأجيال مختلفة من المبدعين والسينمائيين ورجال السياسة وزوجات الرؤساء، متطرقا إلى جوانب مختلفة من عوالمه المتشعبة والثرية من خلال إهداءات كبار المثقفين العرب الذين لا تقل رسائلهم في روعتها عن الجهد الذي قام به النقاد سواء العرب أم الأجانب، راصدا أيضا ما كتبه نجيب محفوظ لمن اعتبرهم أساتذة له، رابطين ذلك بإهداءاتهم التي تُعد تقييما لشخص صاحب نوبل وإبداعه.
الأخ الكريم
كذلك نعرف أن نجيب محفوظ كان متفقا مع المفكر الإسلامي خالد محمد خالد في آرائه التي تتعلق بمفهوم الدولة المدنية، ولدى محفوظ في مكتبته نسخة من كتاب «الدولة في الإسلام» الذي يدل على أن خالد محمد خالد لديه قدرة على مراجعة أفكاره وترك المتشدد منها، كاتبا إليه قائلا في الإهداء: الأخ الكريم الأستاذ نجيب محفوظ، مع خالص تحياتي. خالد، كذلك يذكر المؤلف أن محفوظ احتفظ بإهداءات توفيق الحكيم وهي رسائل تعبر عن إيمانه بقدرته الإبداعية التي وصلت إلى حد أن يصفه بعبقري الرواية والقصة، مثلما نعرف هنا أن لويس عوض رغم أنه كان يوجه انتقادات إلى أدب محفوظ، إلا أنه كان يحرص على أن يهديه كتبه، وأن أول كتاب عن تقييم أعمال نجيب محفوظ كان كتاب الناقد غالي شكري «المنتمي.. دراسة في أدب نجيب محفوظ»، وفيه يحمل شكري تقديرا عميقا لمحفوظ، وأن محفوظ كانت لديه مرارة من النقاد متسائلا: هل كانت هناك بالفعل رؤية خاطئة لأدب محفوظ؟ أم أن هناك من رأى جوهر هذا الأدب كغالي شكري ولويس عوض؟ أيضا يذكر طارق الطاهر أن رجاء النقاش يرى أنه لا يمكن قراءة تاريخ مصر في القرن العشرين وفهمه فهما صحيحا، من دون قراءة أدب نجيب محفوظ، موردا إهداءه الذي كتبه له على كتابه «أدباء معاصرون»: إلى ضمير مصر وقلبها النابض نجيب محفوظ، كان حظي أن أعيش في عصرك، لك الحب والإعجاب والولاء الدائم. رجاء النقاش، كما يقول إن أي مبدع عربي بمجرد زيارته للقاهرة إلا ويريد مقابلة محفوظ، واصفا الأخير بأنه كان مضيافا لا يرد أحدا، وإن صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وعبد الوهاب البياتي كانوا يرون أن محفوظ صاحب فن كبير، مشيرا إلى أن محفوظ كان متنوع الثقافة، وهو واحد من عشاق الفنون وفي مكتبته ومشوار حياته ما يؤكد تعلقه بالسينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى، وقد أحب شخصيات فنية بعينها واحتفظ بما كُتب عنهم في مكتبته منهم يوسف وهبي.
كاتب مصري