صناديقُ قتلٍ في محيط تعز، وصناديقُ اقتراعٍ في إسرائيل والولايات المتّحدة. أسبوعان ثقيلان يفصلان عن موعد انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس الأميركيّ في الثالث من تشرين الثاني، وقبلها الانتخابات الإسرائيليّة الأسبوع المقبل في 27 من الشهر الحاليّ، ترى فيهما إيران النافذة الزمنيّة الباقية لتمارس ما تستطيع من ضغط، أملاً في صفقة مع واشنطن، فيما اتّخذت الرياض قرار المواجهة وإعادة بناء منظومة الأمن الإقليميّ من دون انتظار مآلات التفاوض.
يتصاعد الضغط العسكريّ الإيرانيّ على السعوديّة عبر الحوثيّين، فيما تدور عجلة الوساطات مجدّداً. وصل قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير إلى طهران أمس الثلاثاء، غداة زيارة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف، وهي الأولى له منذ اندلاع الحرب. وكان لافروف مباشراً في إعلان سعي بلاده إلى “منع تجدّد حرب واسعة النطاق”.
يأتي إدخال القناة الروسيّة بعد أقلّ من أسبوعين من الاتّصال الهاتفيّ الطويل بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ونظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، الذي أنتج صفقة إعادة الديزل الروسيّ إلى الأسواق العالميّة. وأشار الكرملين حينها إلى أنّ الرئيسين تناولا أيضاً ملفّ إيران. وقبل ذلك، كان الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان قد التقى نظيره الروسيّ على هامش قمّة رابطة الدول المستقلّة في تركمانستان، في لقاءٍ قيل إنّه حمل فيه رسالة من المرشد مجتبى خامنئيّ تتضمّن عرضاً مفصّلاً لصفقة مع واشنطن.
يجري التفاوض إذاً عبر قنوات متعدّدة، لكنّ طهران تدرك أنّ النافذة الزمنيّة المتاحة للتوصّل إلى نتائج ضاقت إلى أضيق الحدود. ترامب بعد الانتخابات لن يكون مقيّداً بشاشات أسعار الوقود والحملات الانتخابيّة، وسيكون أمامه أن يختار بين أن يترك إيران تختنق تحت وطأة عقوبات لا سابق لها، وبين أن يوجّه لها ضربة عسكريّة يجري التجهيز لها على أيّ حال. لذلك تصعّد إيران هجماتها على الأعيان المدنيّة (المطارات، المنشآت النفطيّة، والمناطق السكنيّة) السعوديّة عبر الحوثيّين، وعلى الناقلات في مضيق هرمز، لتعيد أزمة الطاقة العالميّة إلى الواجهة في أسبوعَي الانتخابات الأميركيّة.
الرّياض تواجه
كُتب القتال على السعوديّة، واتّضح أنّها كانت مستعدّة له. اتّخذت قرار المواجهة من دون أن تنتظر مسارات التفاوض. تُحصّن أمنها القوميّ بجهدها العسكريّ الذاتيّ، وبشبكة تحالفات إقليميّة ودوليّة، تُعيد من خلالها بناء منظومة الأمن الإقليميّ.
ليس التحدّي السعوديّ سهلاً. تمتدّ المملكة على مساحة تزيد على 2.1 مليون كيلومتر مربّع، وتضمّ في كلّ ناحية منها أصولاً استراتيجيّة وأعياناً مدنيّة وحواضر سكّانيّة: وتفرض طبيعة الحروب المعاصرة على الجيوش النظاميّة تحدّيات لا سابق لها، بعدما باتت الميليشيات تملك وسائل أذى بكلفة زهيدة. أنفقت السعوديّة 83 مليار دولار على الدفاع العام الماضي بحسب معهد استوكهولم لأبحاث السلام، وامتلكت منظومات باتريوت وثاد ومقاتلات أميركيّة وأسلحة متقدّمة من فرنسا وبريطانيا. ومع ذلك، ليس من السهل توزيع المنظومات المتاحة على هذا العدد الكبير من المنشآت والحواضر.
على أنّ النجاح العسكريّ السعوديّ هو الذي كبح التغوّل الإيرانيّ. فالدفاعات السعوديّة حقّقت نسبة مرتفعة في اعتراضها يوميّاً مزيجاً من الصواريخ البالستيّة والمجنّحة والمسيّرات، وقد يأتي من الشمال أو الجنوب.
في يوم واحد هذا الشهر، أعلن التحالف اعتراض صاروخين بالستيَّين أُطلقا نحو حرض والظهران، وأربعة صواريخ مجنّحة، ومسيّرتين فوق الرياض والجنوب. وفي اليوم التالي، أُسقطت ثلاث مسيّرات شمال الرياض، وصاروخان بالستيّان أُطلقا نحو خميس مشيط. وحين تنجح الاعتراضات بنسبة 98% لا يكون ذلك خبراً، وأمّا حين ينفذ 2% من المقذوفات أو المسيّرات إلى أهدافها فيكون ذلك خبراً. تلك هي طبيعة الحروب. لكنّ الأهمّ أنّ هذا الاستشراس الإيرانيّ لم يغيّر إيقاع الحياة في المدن السعوديّة، ولم يوقف تصدير النفط والمنتجات البتروكيمياويّة.
في المحصّلة، حققت المملكة نجاحاً في حماية منشآتها الحيويّة، وفي إعادة تشغيل ما يُصاب منها بسرعة. وحتّى حين ضربت مسيّرات انطلقت من العراق خطّ أنابيب شرق–غرب الشهر الماضي، عاد الخام إلى التدفّق بعد 11 يوماً من التوقّف، واستؤنف تحميل الناقلات في ينبع بمعدّل يقارب 3.5 ملايين برميل يوميّاً.
شبكة الحلفاء
ربّما الجانب الأكثر أهميّة في إعادة إنتاج منظومة الأمن الإقليميّ هو تنظيم شبكة التحالفات على أكثر من مستوى:
- التحالف البحريّ: أُطلق في تمّوز الماضي بحضور ممثّلين عن 43 دولة والاتّحاد الأوروبيّ، ووقّعت 14 دولة بيانه التأسيسيّ، من بينها باكستان وتركيا ومصر.
- اتّفاقيّة مكّة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان.
- اتّفاقيّات الدعم الجوّيّ: ترد تقارير عن تعاون مع فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر في نشر وسائل دعم للدفاع الجوّيّ في المنطقة.
وهنا يبرز دخول أوروبيّ في هذه المنظومة، من دون مظلّة أميركيّة، بعد أن بات واضحاً مدى تأثّر أمن الطاقة الأوروبيّ بتحرّك الحوثيّين في البحر الأحمر. إذ أعلنت فرنسا إرسال قوّات ومنظومات رادار ودفاع جوّيّ إلى ينبع، وبدأت فعلاً نشر وسائلها العسكريّة. وأرسلت بريطانيا طائرة تزويد بالوقود جوّاً لتنضمّ إلى أصول بريطانيّة أخرى تساعد سلاح الجوّ السعوديّ. وقدّمت إيطاليا رادارات وبطّاريّات مضادّة للصواريخ قبل اندلاع الحرب، وأبدت استعداداً أكبر للانخراط في تأمين الملاحة من الهجمات الحوثيّة. واللافت أنّ هذه الانتشارات تُناقَش ثنائيّاً مع الرياض، خارج الأطر المعتادة التي تنتظم فيها المهمّات البريطانيّة والفرنسيّة تحت مظلّة تحالفات تقودها واشنطن.
على أنّ الحلقة الإقليميّة تنتظر الاكتمال من القاهرة، بعد أن طلب الرئيس عبد الفتّاح السيسي تفويضاً من البرلمان “لمساعدة السعوديّة في الدفاع عن نفسها إذا طلبت ذلك”. غير أنّ إرجاء التصويت أسبوعاً بعد جلسة سرّيّة استمرّت ثلاث ساعات، لا يخلو من دلالات.
على أيّ حالٍ، اتّخذت الرياض قرار المواجهة في الميدان والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجيّة. لن تخضع لابتزاز إيران، ولن تعيد تجريب حلولٍ جُرّبت من قبل، ولن تنتظر مسارات تفاوضٍ مفتوحة على احتمالات شتّى. تصنع السعوديّة أمنها القوميّ ومنظومة الأمن الإقليميّ بنفسها، وتنتظر من شركائها في التحدّيّ أن يلاقوها في الغُنم والغُرم.
