زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية، في مستهل جولة خليجية تشمل عدداً من العواصم، ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل تعبير عن إدراك دمشق لمركزية الدور السعودي في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وفي الوقت نفسه محاولة لإعادة دمج سوريا في النظام العربي عبر أدوات جديدة تتجاوز الشعارات الأيديولوجية التي حكمت السياسة السورية لعقود. ومع تسارع الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها دول المنطقة والعالم، تبدو الجولة اختباراً لمدى قدرة البراغماتية السورية والخليجية على إنتاج معادلة جديدة، يكون الاقتصاد فيها مدخلاً أساسياً، والأمن شرطاً لا غنى عنه.
منذ اندلاع القتال، ظلت سوريا معزولة عن محيطها العربي، محكومة بضرورات البقاء أكثر من أي رؤية استراتيجية. لكن مع تغير البيئة الإقليمية وعودة بعض العواصم الخليجية إلى فتح قنوات مع دمشق، برزت فرصة لإعادة التموضع. اختيار الرياض كبداية للجولة ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة واضحة: السعودية هي الفاعل الأبرز في إعادة تشكيل التوازنات، وهي البوابة التي لا يمكن لسوريا أن تدخل عبرها إلى النظام العربي من جديد إلا إذا قدمت نفسها كشريك اقتصادي وسياسي قابل للتعاون.
زيارة الشرع إلى الرياض ليست خطوة بروتوكولية بل اختبار براغماتي يعكس إدراك دمشق لمركزية السعودية في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية وصناعة شراكات جديدة
الاقتصاد هنا ليس مجرد تفصيل، بل هو المدخل الرئيسي. الاتفاقيات الاستثمارية التي وُقعت خلال العامين الماضيين بين دمشق والرياض، والتي تجاوزت قيمتها 6.4 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والزراعة، تعكس تحوّلاً نوعياً في العلاقة الثنائية. لم تعد المسألة مجرد إعادة التواصل السياسي، بل بناء شراكات اقتصادية ملموسة. دمشق تراهن على هذه الاستثمارات كوسيلة للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء بنيتها التحتية، فيما ترى الرياض وشركاؤها في سوريا سوقاً واعدة لإعادة الإعمار وفرصة لتعزيز نفوذهم في مرحلة ما بعد الحرب. هذه المصالح المتبادلة تمنح العلاقة استدامة تتجاوز الطابع الرمزي، وتفتح الباب أمام تحول اقتصادي يمكن أن يعيد صياغة موقع سوريا في المنطقة.
لكن الاقتصاد وحده لا يكفي. الملفات الأمنية المشتركة تفرض نفسها بقوة على جدول المباحثات. من مكافحة التهديدات العابرة للحدود إلى التعامل مع الأزمات المستمرة في المنطقة، تبدو الحاجة إلى تنسيق سياسي وأمني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. الشرع يسعى إلى تحويل العلاقة من تعاون ثنائي إلى شبكة إقليمية أوسع تشمل الأمن والسياسة، وهو ما يتطلب استعداداً خليجياً للانخراط في ترتيبات جديدة، واستعداداً سورياً لتقديم ضمانات بأن دمشق قادرة على أن تكون شريكاً موثوقاً في هذه الملفات. في بيئة إقليمية معقدة، يصبح التنسيق السياسي والأمني شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار، وهو ما تدركه العواصم الخليجية جيداً.
الجولة الخليجية تمثل أيضاً محاولة لإعادة التموضع داخل النظام العربي. دمشق لم تعد تكتفي بإعادة العلاقات الثنائية، بل تسعى إلى بناء شبكة تعاون إقليمي متعددة الأبعاد. هذا التحرك يعكس براغماتية سورية جديدة، تقوم على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي بدل الشعارات الأيديولوجية التي حكمت السياسة الخارجية لعقود. في ظل المتغيرات الدولية، أصبح الاقتصاد عنصراً حاسماً في صياغة التحالفات، وهو ما تسعى دمشق لاستثماره عبر جذب الاستثمارات وتطوير بيئتها القانونية. لكن هذه البراغماتية ليست خياراً فحسب، بل ضرورة فرضتها سنوات الحرب والعزلة، حيث لم يعد أمام سوريا سوى أن تقدم نفسها كدولة تبحث عن الاستقرار عبر التعاون الاقتصادي والسياسي.
بين الاقتصاد والأمن تراهن سوريا والخليج على معادلة جديدة حيث تتحول الاستثمارات إلى مدخل للتعافي ويصبح التنسيق الأمني شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة
رغم الزخم الذي تحمله هذه الجولة، تواجه التفاهمات عقبات جدية. البيئة الاستثمارية في سوريا لا تزال هشة، والأطر القانونية غير مكتملة، والحاجة إلى ضمان الاستقرار الأمني قائمة. المستثمرون الخليجيون، مهما كانت حماستهم، سيظلون مترددين ما لم يروا إصلاحات قانونية وتشريعية واضحة وضمانات أمنية حقيقية. استمرار التنسيق السياسي سيظل عاملاً أساسياً في الحفاظ على زخم التقارب، لكن نجاح الجولة يعتمد على قدرة الأطراف على تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع واقعية تعزز التنمية والاستقرار. هنا تكمن المعضلة: هل تستطيع دمشق أن تقدم بيئة جاذبة بما يكفي، وهل تستطيع العواصم الخليجية أن تتحمل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بلد لا يزال يواجه تحديات أمنية وسياسية؟
زيارة الشرع إلى السعودية ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل خطوة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي. البراغماتية السورية والخليجية قد تفتح نافذة جديدة، لكن نجاحها مرهون بقدرة الطرفين على تجاوز التحديات البنيوية وتحويل الوعود إلى واقع ملموس. السؤال يبقى: هل تستطيع دمشق عبر هذه الجولة أن تتحول من دولة أزمة إلى شريك إقليمي فاعل؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ستتضح مع الوقت، ومع قدرة الأطراف على تحويل الشعارات إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى واقع يلمسه المواطن السوري والخليجي على حد سواء.
في النهاية، ما يميز هذه الجولة ليس فقط أنها تعكس تحولاً في السياسة السورية، بل أنها تكشف عن إدراك خليجي بأن استقرار سوريا عنصر أساسي في استقرار المنطقة. إذا نجحت هذه البراغماتية في إنتاج معادلة جديدة، فإنها قد تمثل بداية مرحلة مختلفة في العلاقات العربية، حيث يصبح الاقتصاد والأمن معاً أساساً لبناء شراكات مستدامة، بعيداً عن الشعارات التي استهلكت المنطقة لعقود. أما إذا فشلت، فإنها ستظل مجرد محطة في سجل طويل من المحاولات غير المكتملة.