إذا كان ثمة شيء واحد يمكن لأصدقاء أندي بيرنهام وأعدائه الاتفاق عليه، فهو أن رئيس الوزراء البريطاني «رجل لطيف». واللطف أصل سياسي مضمون؛ إذ يشير حلفاء رئيس الوزراء إلى «قفزة بيرنهام» الفورية؛ حيث ارتفعت نسب التأييد له لدى جميع الفئات الديمغرافية، باستثناء ناخبي حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني. وعلاوة على ذلك، أثمر أسلوبه المتفائل زيادة قدرها 3 نقاط في مؤشر «جي إف كيه» لثقة المستهلك هذا الشهر، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ تولى حزب العمال مقاليد السلطة قبل عامين.
غير أن خصومه يزعمون أن بيرنهام لطيف أكثر من اللازم، وهو يتلون كالحرباء السياسية التي تحب أن تكون محبوبة، ويفتقر إلى الصلابة الكافية لمواجهة حزبه أو الناخبين بالحجج والحقائق المزعجة.
قد يختلف كير ستارمر، سلف بيرنهام، مع القول بلطفه بعد إطاحته وتجريده من مقر رئاسة الوزراء؛ إذ توقع الكثيرون أن يخفف بيرنهام من وطأة الصدمة عبر استيعاب الموالين لستارمر في حكومته؛ وبدلاً من ذلك، قام بتصفية معظمهم وأجرى تعديلاً وزارياً سريعاً ليعكس قيادته الجديدة. كما أبعد ببراعة صديقه ورمز حزبه السابق إد ميليباند متعاظم النفوذ، فنقله إلى وزارة الخارجية بدلاً من إسناد حقيبة الخزانة إليه، التي كان ميليباند يطمح إليها بشدة.
وفي الأسبوع الماضي، تنحى ديفيد دينسمور عن منصب رئيس الاتصالات في «وايتهاول» (المقر الحكومي) «بالموافقة المتبادلة». وكان تعيين المحرر السابق لصحيفة «الصن» العام الماضي قد قوبل بانتقادات واسعة من أعضاء حزب العمال في الشمال، الذين لا يزالون يكنون الكراهية للصحيفة لتحميلها جماهير نادي ليفربول مسؤولية مأساة ملعب «هيلزبره» عام 1989، التي أودت بحياة 97 مشاهداً. وبدا موقف دينسمور متعارضاً بوضوح مع الحملة التي يقودها بيرنهام ضد تستّر الشرطة على مسؤوليتها الخاصة في المأساة – رغم أن دينسمور لم يتولَّ رئاسة تحرير صحيفة «الصن» إلا بعد تلك الواقعة بفترة طويلة.
ومن اللافت أيضاً أن بيرنهام، الذي ينتمي إلى جناح يسار الوسط في حزبه، احتفظ بخدمات وزيرين صارمين من يمين الوسط في وزارتين سياديتين مهمتين؛ إذ بقيت شبانة محمود في منصبها وزيرة للداخلية لتتولى ملفات الهجرة وسياسات اللجوء، بينما احتفظ بات ماكفادين، وهو المتحدث الهادئ والمنتقد الصارم لتوني بلير، بحقيبة العمل والمعاشات.
يدرك بيرنهام أن الهجرة الجماعية ومن يُطلق عليهم اسم «متطفلي الإعانات الاجتماعية» يثيرون حفيظة ناخبي حزب العمال السابقين الذين انشقوا وانضموا إلى حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في العديد من الدوائر الانتخابية الشمالية. ولذا، فإن الاختبار الرئيسي يكمن في المدى الذي سيصل إليه في دعم وزرائه في مواجهة السائد من توجهات الحزب، والذي يرى القضية من منظور توزيعي بحت؛ إذ كانت الشكوى المتكررة من الإصلاحات التي اقترحها ستارمر، هي أن الحكومة تُنقص من دخل الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، بدلاً من اقتطاع المزيد من ثروات الأثرياء.
وفي يوم الخميس الماضي، احتفت شبانة محمود بأرقام جديدة كشفت عن انخفاض عدد الأشخاص المطالبين باللجوء بنسبة 21 في المائة، واعتمدت أيضاً بعض السياسات الأكثر حزماً وجفاء المتبعة في الدنمارك بشأن الهجرة، بما في ذلك مقترح بمضاعفة الفترة الزمنية المطلوبة للتأهل للحصول على الإقامة الدائمة. ويعارض العديد من أعضاء البرلمان عن حزب العمال، بمن فيهم وزراء في الحكومة، هذه الإجراءات الصارمة؛ غير أن الدائرة الانتخابية لبيرنهام في «ماكرفيلد» تضم مجلساً محلياً يديره حزب «إصلاح المملكة المتحدة»؛ ولذا فهو يتضامن مع وزيرة داخليته ويقف إلى جانبها.
وحتى الآن، بدا بيرنهام أشدَّ صلابة وأكثر حزماً مما توحي به سمعته. غير أنَّ اختبارات أكبر ستواجهه في القادم من الأيام، وتظل القضية التي يبدو أنها ستحدد مدى استعداده للتضحية بالشعبية في سبيل المبادئ هي ملف الإعانات الاجتماعية الشائك؛ إذ إن إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية يُقسّم حزب العمال. غير أنه سيكون مطالباً – عاجلاً وليس آجلاً – بمواجهة فاتورة الرعاية الاجتماعية المتضخمة، والتي تتهيأ لتجاوز حاجز 330 مليار جنيه إسترليني (440 مليار دولار) خلال السنة المالية الحالية.
وبوسع بيرنهام أن ينعم في الوقت الحالي بالدفء الذي تمنحه استطلاعات الرأي الفضفاضة والإيجابية، بيد أنه سيكون بحاجة إلى إظهار قدر أكبر من الحسم والصرامة للتغلب على معارضة نواب البرلمان لتقليص الإنفاق على الإعانات الاجتماعية.
