لن يسلّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن إخفاقه و”الحزب الجمهوري” في الاحتفاظ بالأكثرية في مجلسي النواب والشيوخ، هو بداية أفول “الترامبية”. لديه فرصة شهرين قبل تسلّم الديموقراطيين المقاليد الدستورية للأكثرية، لممارسة “هواياته” في حكم أميركا. الأسئلة الكثيرة عن انعكاسات نتائج الانتخابات على السنتين الباقيتين من حكمه، أخذت تطرح إمكان عودة “الأوبامية”. بقدر أهمية التحولات في المجتمع الأميركي، يفرض الأمر تحديات جديدة على دول الشرق الأوسط بعضها بدأ يتهيأ لها، بدءاً بإسرائيل، انتهاءً بلبنان. فما الذي تنويه هذه الدول؟
كان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أكثر واقعية من رئيسه في تعداد أسباب الهزيمة، فلم يحصرها بارتفاع أسعار الطاقة جراء حرب إيران، وأضاف إليها العلاقة الأميركية مع إسرائيل.
جيبة الأميركي وحرب إيران
مع هيمنة معيار “جيبة” الأميركي على التصويت، تداخلت مختلف أوجه السياسة الخارجية الأميركية مع تطورات الحرب على إيران ومواصلة واشنطن دعمها لإسرائيل. في المقابل، بدّد استبعاد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أي آمال بتغيير أميركي في مقاربة طهران، وألقى بظلال من الخيبة على الاحتفالية التي سادت لدى بعض أوساط الممانعة إزاء هزيمة الجمهوريين، في انتظار اتضاح ملامح استراتيجية ترامب ونواياه بعد انتهاء الاستحقاق.
يقتضي التعمق في التحولات التراكمية داخل المجتمع الأميركي، نظرة شمولية إلى العوامل الجوهرية التي تضافرت فتحكمت بموقف الناخب الأميركي، وجعلت الاقتراع استفتاءاً على ترامب نفسه:
حرب إيران وتسببها بارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على سائر السلع في أميركا والعالم. ثمة من يقول أن ترامب لم يفسّر للمواطن الأميركي العادي أسباب قرار الحرب، فاقتصر الأمر على تكراره بأنه منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه لم يقدّم تفسيراً كافياً لكيفية توظيف هذا السلاح في تهديد أميركا، بما يبرّر للمواطن الأميركي تحمّل تداعياته على معيشته. فمؤيدو ترامب الذين منحوه أصواتهم قبل سنتين، على أساس تعهّده بعدم خوض حروب والعمل على إنهائها، باتوا يحاسبونه على إخلاله بهذه الالتزامات.
النقمة على إسرائيل
دعم حرب غزة. على الرغم من أن الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على غزة بدأ في عهد الرئيس الديموقراطي جو بايدن، فإن انكشاف أبعاد حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون، وإجازة الرئيس دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مواصلة الحرب تحت شعار القضاء على “حماس”، أدّيا إلى تصاعد الاعتراض على هذا الدعم. ولعلّ أقل مظاهر هذا الاعتراض دلالةً كان استنفار الناخبين ضد الجمهوريين في الانتخابات اللاحقة. فالشرائح الليبرالية واليسارية والشبابية داخل “الحزب الديموقراطي”، التي أسهم إحجامها عن التصويت لكمالا هاريس في انتخابات الرئاسة عام 2024، ولا سيما من خلال حركة “لسنا ملتزمين”، في إضعاف فرصها الانتخابية ومساعدة ترامب على الفوز، عادت إلى الانخراط بقوة في الاقتراع ضد الجمهوريين. وقد تشكّلت هذه الشرائح في سياق الحراك الطلابي الجامعي والتظاهرات الرافضة للحرب، كما عبّرت عن رفضها للمساندة الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، ولما اعتبرته انحيازاً أعمى إلى الدولة العبرية.
منذ نهاية عام 2023 انتشر داخل هذه الشريحة الأميركية، السؤال عما إذا كان على المكلف الأميركي مواصلة دعم تل أبيب بالمال والسلاح، سواء لارتكاب المجازر أو لاستنزاف أموال المكلفين.
حين أعلن ترامب عن وقف مساعدة الأربع مليارات لتل أبيب آخر هذه السنة، بالتزامن مع فتح مراكز الاقتراع، كان قد فات الأوان على إقناع هذه الفئة من الناخبين. وقد رفد الانطباع بأن نتنياهو ساهم في جر أميركا إلى حرب إيران وأقنع ترامب بإمكان إسقاط نظامها، انقلاب جمهوريين كثر على أولوية دعم إسرائيل. الاعتراض الأميركي شمل تصاعد النقمة على اللوبي الإسرائيلي، بعدما كان نجح لعقود عبر دفع الأموال وممارسة النفوذ، في طمس القضية الفلسطينية.
إذ يحتاج التحول داخل الرأي العام الأميركي حيال إسرائيل إلى حديث آخر، فإن فضائح عدة ساهمت في إيقاظ الشعور الأميركي القومي باستغلال الانحياز إلى الدولة العبرية، منها “فضيحة جيفري إبستين” الذي انكشفت علاقته بإسرائيل، واتهام الأخيرة بأنها وراء مقتل القس الإنجيلي شارلي كيرك بسبب تحوله عن دعم تل أبيب بعد فظائع حرب غزة.
العداوات… ودور الأقليات
العداوات التي أنشأها ترامب مع قادة الرأي ورجال الإعلام، وانتشار المعلومات عن أن عائلته والمقربين منه يستفيدون من الرئاسة لعقد الصفقات والتربح المالي، سواء داخل أميركا أو في دول الخليج وغيرها.
برز أيضاً دور الأقليات، التي صوّتت بعض شرائحها لمصلحة ترامب في الانتخابات الرئاسية، من السود واللاتينيين إلى العرب والمسلمين، في الانقلاب على الحزب الجمهوري. وفي هذا السياق، يكتسب وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ، وهو عبد الرحمن السيد (عبدول)، دلالة رمزية مهمة، تتجاوز البعد التمثيلي إلى التعبير عن تحولات أوسع في خيارات هذه الأقليات وموقعها في الحياة السياسية الأميركية.
التبحر في خلفيات الهزيمة الجمهورية بالانتخابات النصفية لا يحجب الغوص في ما سينتج عنها. يقرأ بعض خبراء السياسة الأميركية مستقبلها بالإشارة إلى أن الديموقراطيين يحتاجون إلى ستة أشهر كي يحددوا اتجاهات تعامل الكونغرس مع القضايا الحساسة المطروحة.
“الأوبامية” تحل مكان “الترامبية”؟
الأرجح أن بعض ما قام به ترامب سيفرض نفسه. علاقة أوروبا مع أميركا لن تعود كما كانت، لا سيما إذا سُحب الجيش الأميركي من القارة العجوز خلال السنتين الباقيتين من ولاية الرئيس الأميركي الحالي.
انتهاء “الترامبية” يتطلب تمهيدات. ما البديل لفرضية أن القرار الأميركي بالانسحاب من الشرق الأوسط، للتفرغ لمواجهة الصين، كان خلف دعم الولايات المتحدة اللامحدود لإسرائيل بغزة، لضمان أمنها الذي هزه “طوفان الأقصى”؟ وإذا كان هدف الانسحاب من المنطقة محرّكاً رئيساً للحرب على إيران لحرمان بكين من الإستفادة من نفوذها في طهران فكيف سيسدل الستار على الحرب هناك؟ بالتفاوض بلا مواجهة جديدة أو بعد جولة منها؟
فيما يتلمس محللون استراتيجيون عودة لسياسة الرئيس السابق الديموقراطي باراك أوباما في التعاطي مع إيران، أي اتفاق واشنطن مع طهران على النووي، كانت “الأوبامية” قضت سابقاً بترك دول المنطقة تتدبر أمورها في الصراع على النفوذ مع بلاد الفرس، ومع إسرئيل. وبعض دول المنطقة يتهيأ لهذا الاحتمال عبر تكتلات إقليمية وأحلاف عسكرية جارية. ويطرح هؤلاء أسئلة جوهرية:
- إذا كانت واشنطن لن تمارس ضغوطاً على طهران كي تنكفئ، فلن تضغط على إسرائيل. وهذا سيترك غزة وسوريا ولبنان فريسة لأحزمة نتنياهو الأمنية. ولبنان الحلقة الأضعف مع انسحاب “يونيفيل” بعد 54 يوماً.
- إذا ستُحجَبُ الـ 4،3 مليار دولار عن إسرائيل هل ستبقي أميركا على الـ 1،3 مليار لمصر و الـ 2،3 للأردن؟
- هل تكرر تل أبيب التي تهيئ نفسها للتحولات، تجارب تاريخية بتوجيه ضربات عسكرية بلا دعم واشنطن؟لمتابعة الكاتب على
