خلال أسبوع واحد، تلقّى الرجلان اللذان قلبا المشهد الجيوسياسي في المنطقة رأساً على عقب أقسى ضربتين في تاريخهما السياسي. أُزيح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الحكم بمفعول مؤجّل، وخسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأغلبية الجمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب. ويتجاوز الرابط بين الحدثين المصادفة الزمنية.
كتب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس صبيحة الانتخابات النصفية أنّ “سبب خسارتنا هو الحرب”، قاصداً الحرب على إيران التي خاضتها واشنطن كتفاً إلى كتف مع نتنياهو. ولم يجد ترمب مفرّاً من الإقرار بأنّ كلام نائبه “صحيح إلى حدّ بعيد”.
آخر الملوك
ليست إزاحة نتنياهو حدثاً عادياً. يُلقَّب الرجل بـ “آخر ملوك” إسرائيل. حكم نحو تسعة عشر عاماً موزّعة على ثلاث حقب، وتجاوز في سنوات حكمه ديفيد بن غوريون نفسه. ولم ينقطع عن رئاسة الوزراء إلا مرّتين: عقداً كاملاً بعد هزيمته أمام إيهود باراك عام 1999، ونحو ثمانية عشر شهراً بين صيف 2021 ونهاية 2022. وحتى في تلك الفترات، تصرّف كمن يقضي إجازة مؤقتة. عام 1999، احتاج ستة أسابيع ليغادر المقرّ الرسمي في شارع بلفور بالقدس. وعام 2021، عرض على عدد من قادة الأحزاب أن يتولّوا رئاسة الحكومة مكانه، شرط أن يبقى هو في بلفور. ثم ظلّ يقيم في المقرّ قرابة شهر بعد أداء نفتالي بينيت اليمين، ولم يغادره إلا حين حدّد له خلفه العاشر من يوليو موعداً نهائياً.
حارب نتنياهو حتى الرمق الأخير لقلب الطاولة. وحين تيقّن أنّ حصول ائتلافه على الأغلبية المطلقة بات مستحيلاً، عمل على ضمان أمرين: أن يحصد الليكود أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، فيقدّم نفسه زعيماً للحزب الأكبر في البرلمان، وأن تتفوّق كتلة ائتلافه على الكتلة المعارضة بقيادة غادي إيزنكوت، فيستحيل على الأخير نيل التكليف أو تشكيل الحكومة من دون الكتلتين العربيتين.
بالتوازي، شيطن الأحزاب العربية وطعن في شرعية أصواتها. أعدّ الليكود قبل الاقتراع ملفات للطعن في نتائج البلدات العربية وللقول إنّ الانتخابات “سُرقت” إن لم يفز. وبعد إغلاق الصناديق، رمى تهمة تمويل قطري وتركي لحملات حثّ الناخبين العرب على الاقتراع. وانتهى المسار بنفي الشرطة وجود أيّ دليل على “سرقة” الانتخابات، ومصادقة لجنة الانتخابات على النتائج مؤكّدةً أنّ نزاهتها لم تُمسّ.
مكسب لم يكفِ
نجح نتنياهو في نصف خطته. تصدّر الليكود بسبعة وعشرين مقعداً، وحصدت كتلة ائتلافه 53 مقعداً، مقابل 48 لكتلة التغيير التي يرأسها غادي آيزنكوت و19 للحزبين العربيين. وتحرّكت واشنطن لإنقاذه. روّج معسكر نتنياهو لحكومة وحدة مع إيزنكوت بضمان من ترامب، ضمن صيغة يبقى بموجبها رئيساً للحكومة حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي الحالي “لإنهاء المهمة في إيران”، ثم يسلّم إيزنكوت بعد نحو عامين. ردّ إيزنكوت بأنّه لن يجلس في حكومة يرأسها نتنياهو حتى لو طلب ترمب ذلك شخصياً.
لم تمنع كلّ تلك المناورات خصمه من حصد أكثرية التوصيات. أوصت بإيزنكوت كتل تمثّل 67 نائباً، مقابل 46 لنتنياهو، بعد أن تجاوز عقبتين:
فشل محاولات تفكيك كتلة التغيير:
لعب نتنياهو ورقته الأخيرة بعرض المداورة على حليفي إيزنكوت نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. رفض الاثنان. وجاءت الضربة الأقسى من داخل معسكر نتنياهو نفسه حين رفضت كتلة “يهدوت هتوراه” بمقاعدها السبعة التوصية به، فهبط رصيده من 53 إلى 46.
تصويت القائمة المشتركة (العربية)
رفعت القائمة المشتركة العربية عدم المشاركة في أيّ حكومة. ومع ذلك أوصت بإيزنكوت، وقدّمت قرارها خطوةً لمنع عودة نتنياهو. وسبقتها إلى التوصية القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس. وهكذا حصد إيزنكوت تأييد 67 نائباً وهي أعلى عدد من التوصيات يناله مرشّح منذ 2015.
لكن المناورة الأخيرة أتت من الرئيس إسحق هرتسوغ الذي أجّل قرار التكليف إلى يوم الأحد المقبل، متذرعاً بأن “الفيتوات المتبادلة” بين الكتل وداخلها تجعل التوصيات وحدها غير كافية لضمان حكومة. وثمة سابقة يمكن الاستناد إليها، حين جمع الرئيس السابق رؤوفين ريفلين نتنياهو وبيني غانتس بعد انتخابات 2019، قبل التكليف، لدفعهما نحو حكومة وحدة، ثم كلّف نتنياهو أولاً.
لا يخلو الاحتمال الآن من أن يكلّف هرتسوغ آيزنكوت من دون شروط، فتنتهي محاولة الوحدة والمداورة في هذه المرحلة. أو أن يربط التكليف بدعوة علنية إلى حكومة واسعة، ربما تحت ضغط ترمب.
في كل الأحوال، ستظل حكومة نتنياهو قائمة كحكومة انتقالية إلى حين تشكيل حكومة. وأفضل السيناريوات بالنسبة إليه أن يفشل إيزنكوت، فيعود التكليف إليه أو يذهب الجميع إلى انتخابات جديدة.
ما يحتاجه إيزنكوت
سيكون أمام إيزنكوت بعد التكليف مهلة 28 يوماً ليجترح الحكومة المستحيلة، وهو لا يضمن موافقة هرتسوغ على تمديدها 14 يوماً إضافية. ولينجح، تحكمه معادلة عربيّة صرفة: دخول القائمة العربية الموحدة (8 مقاعد) إلى الائتلاف، وشبكة أمان من القائمة المشتركة المكونة من ثلاثة أحزاب عربية، برئاسة أحمد الطيبي (11 مقعداً). يكفي أن تصوّت المشتركة لمصلحة الحكومة من خارجها، أو تمتنع، كي تنال الثقة، إذ يكتفي القانون بأغلبية المصوّتين ولا يشترط 61 نائباً.
أبدى عباس استعداده للمشاركة، ولو أن شروط إيزنكوت الأربعة لضمّه تبقى صعبة وثقيلة (الاعتراف بالقومية اليهودية للدولة، والاعتراف بإعلان الاستقلال، والتوسع في تجنيد العرب، وإعلان “حماس” منظمة إرهابية). أما المشتركة فتطلب، وفق هيئة البث، رئاسة لجنة برلمانية وازنة (المالية أو الدستور أو التعليم) مقابل توفير شبكة الأمان والتصويت مع الكتلة في الهيئة العامة.
اليد الخارجية
بدا سقوط نتنياهو وكأنّه نتاج دينامية إسرائيلية داخلية، لكنّ بُعده الخارجي ليس خافياً. تحوّل نتنياهو، في العواصم التي طالما عدّته ضمانة، إلى عبء يصعب تبريره.
في واشنطن، دعمه ترامب علناً قبل الاقتراع، لكنّ إدارته انقسمت حوله. يتصدّر فانس التيار الذي يحمّل نتنياهو مسؤولية جرّ الولايات المتحدة إلى حرب إيران. ثم جاءت الانتخابات النصفية لتؤكد أن الحرب، ومعها العلاقة بإسرائيل، تحوّلت إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. وفي يوم الاقتراع نفسه، أعلن ترامب وقف المساعدات السنوية لإسرائيل، البالغة نحو أربعة مليارات دولار، مع نهاية العام، وبرّر قراره بأنّ اليسار يستخدمها ورقةً ضد حزبه.
لا يملك أحد دليلاً على أنّ عاصمة بعينها هندست النتيجة. غير أنّ نتنياهو خاض هذه الانتخابات للمرة الأولى من دون شبكة الأمان الخارجية التي استند إليها طوال ثلاثة عقود، ووجد خصومه في الداخل من يستعجل رحيله في الخارج.
ما بعد نتنياهو
لا يختلف إيزنكوت كثيراً عن نتنياهو في المبادئ. هو عسكري قاسٍ، وصاحب “عقيدة الضاحية” التي صاغها عام 2008 قائداً للجبهة الشمالية، وتقوم على استخدام قوّة غير متناسبة ضدّ البنى المدنية في أيّ منطقة تنطلق منها النيران. وخاض حملته على وعد صريح بأن لا دولة فلسطينية في ظلّ الحكومة التي سيشكّلها.
لكنّه جزء من تكتّل يدرك أنّ العالم تغيّر. تهتزّ أرضية الدعم الأميركي تحت أقدام إسرائيل: الكونغرس الديمقراطي فيه أصوات كثيرة تحمّل نتنياهو مسؤولية تخريب العلاقة، ونائب الرئيس الجمهوري يرى في الحرب التي جُرّت إليها بلاده سبب الهزيمة، والرئيس يقطع المساعدات لأنّها صارت عبئاً مالياً وسياسياً على عهده. وأثبت نظام التطبيع الاقتصادي الذي طمح إليه نتنياهو، القائم على القفز فوق الحق الفلسطيني، استحالته في ظلّ الرفض العربي والفلسطيني والدولي، فيما تربط الرياض أيّ تطبيع بمسار واضح لا رجعة فيه نحو الدولة الفلسطينية.
