لم تكن كلمة الأمير محمّد بن سلمان في افتتاح مجلس الشورى السعوديّ خطاباً صاخباً، ولا محاولة للدخول في سجال مباشر مع أحد. جاءت هادئة في نبرتها. مُحكمة في ترتيب رسائلها. ومكثّفة في دلالاتها السياسيّة. لكنّ الهدوء لم يكن مرادفاً للغموض أو التراجع، بل وسيلة لإيصال مواقف واضحة وحازمة في لحظة إقليميّة شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات الحرب على إيران، ومستقبل اليمن، وأمن الملاحة الدوليّة، ومسار التطبيع مع إسرائيل، ومصير القضيّة الفلسطينيّة.
رسمت كلمة الأمير محمّد بن سلمان حدوداً سياسيّة لما يمكن أن تقبل به المملكة في مرحلة تتزايد فيها الضغوط، وتُطرح فيها إعادة ترتيب المنطقة بوصفها نتيجة طبيعيّة للتحوّلات العسكريّة. والرسالة الأساسيّة أنّ تبدّل موازين القوى لا يعني تبدّل الثوابت، وأنّ المملكة لن تخضع لأيّ طرف تحت أيّ ظرف من الظروف كي يفرض عليها خياراته أو يحدّد أولويّاتها.
محاولات فرض التّطبيع
كانت فلسطين الرسالة الأبرز في الخطاب. لم يكتفِ الأمير بتجديد التزام المملكة بالقضيّة الفلسطينيّة، بل أدان بوضوح استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة. ثمّ شدّد على أنّ موقف المملكة من حقوق الشعب الفلسطينيّ راسخ، وأنّ الجهد السعوديّ لن يتوقّف قبل حصول الفلسطينيّين على حقوقهم المشروعة، بما في ذلك إقامة دولتهم المستقلّة وفق المرجعيّات الدوليّة.
تكمن أهميّة هذا الموقف في توقيته، وفي اللغة التي صيغ بها، وفي وضعه ضمن خطاب يتناول الأمن الإقليميّ والتحالفات والدفاع عن المصالح المشتركة. فالقضيّة الفلسطينيّة لم تظهر تفصيلاً أخلاقيّاً على هامش الأولويّات السعوديّة، بل حضرت باعتبارها قضيّة سياسيّة لا يمكن تجاوزها عند رسم مستقبل المنطقة.
يتزامن هذا الكلام الحازم مع ما يُتداول عن امتعاض أميركيّ من تمسّك الرياض بشروطها تجاه التطبيع مع إسرائيل، بحيث يمكن قراءة كلام الأمير محمّد بن سلمان بوصفه رسالة واضحة إلى واشنطن وتل أبيب معاً، مفادها أنّ التحوّلات العسكريّة في المنطقة، والحسابات المرتبطة بالحرب على إيران، لا تستطيع أن تحوّل التطبيع إلى استحقاق مفروض على المملكة.
تكتسب هذه الرسالة أبعاداً إضافيّة عند وصلها بالملفّ اليمنيّ. فقد أعادت التطوّرات الميدانيّة، وما رافقها من نقاشات حول الموقف الأميركيّ من الحوثيّين، طرح أسئلة عن حدود الالتزامات الأميركيّة تجاه حلفاء واشنطن، وعن الشروط السياسيّة التي قد تُربط بها المساعدة العسكريّة أو الدبلوماسيّة.
تشير المعلومات إلى أنّ بعض دوائر النفوذ في واشنطن تنظر إلى رفض دول خليجيّة التطبيع مع إسرائيل باعتباره امتناعاً عن استكمال الترتيبات التي تريدها الإدارة الأميركيّة بعد إضعاف إيران. ووفق هذه القراءة، يُفترض أن تتحوّل نتائج المواجهة مع طهران إلى رصيد سياسيّ يعود بالنفع على الولايات المتّحدة وإسرائيل، وأن تترجمها دول المنطقة إلى اتّفاقات تطبيع. غير أنّ هذا التصوّر هو تماماً ما أعلن وليّ العهد السعوديّ رفضه، بالتوازي مع رفض الابتزاز الذي يُمارَس عبر غضّ النظر الأميركي عن ممارسات الحوثيّين بانتظار خضوع المملكة.
لا تنازل تحت الضّغط
هنا تحديداً تبرز دلالة الموقف السعوديّ في الخطاب. فقد أكّد الأمير دعم المملكة الشامل للحكومة اليمنيّة عبر تحالف دعم الشرعيّة، ومساندتها في بسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدّي لاعتداءات الحوثيّين. بذلك أعادت الرياض تثبيت مرجعيّة الدولة اليمنيّة الشرعيّة.
بهذا المعنى، لا تبدو الرسالة السعوديّة موجّهة إلى الحوثيّين والإيرانيّين وحدهم، بل أيضاً إلى أميركا وإسرائيل، وإلى كلّ من يعتقد أنّ الضغط الأمنيّ يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة لفرض تنازلات سياسيّة. فالأمن اليمنيّ شأن يتّصل بسيادة اليمن واستقراره، وليس ورقة لتبادل الخدمات بين القوى الخارجيّة.
لم تغفل الكلمة البعدين الاقتصاديّ والاستراتيجيّ للأزمة. ففي ظلّ اضطراب أسواق الطاقة وتهديد الممرّات البحريّة، أكّدت المملكة أنّها أدّت دوراً في تأمين الإمدادات النفطيّة للأسواق الدوليّة، وأعلنت إنشاء التحالف البحري لتعزيز الأمن البحريّ وحماية المصالح المشتركة، مع رفض استغلال الممرّات الدوليّة أداةً للضغط السياسيّ أو الاقتصاديّ.
تحمل هذه الفقرة رسالة لا تقلّ أهميّة عن رسالتَي فلسطين واليمن. فأمن الملاحة ليس مسؤوليّة السعوديّة وحدها، ولا يجوز أن تتحمّل دولة بعينها كلفة حماية طرق التجارة العالميّة فيما تستفيد منها الاقتصادات الدوليّة بأسرها. ومن هنا جاء التشديد على مسؤوليّة المجتمع الدوليّ في ضمان التدفّق الآمن.
لا يعني ذلك أنّ المملكة تتنصّل من مسؤوليّاتها الأمنيّة، بل إنّها ترفض اختزال الأمن الإقليميّ في التزامات تقع على عاتقها وحدها. فالممرّات البحريّة الدوليّة مصلحة مشتركة، وحمايتها تستدعي تعاوناً دوليّاً لا انتقائيّة فيه، ولا يجوز أن تتحوّل إلى أداة تفاوض في صراعات القوى الكبرى أو إلى وسيلة لانتزاع تنازلات سياسيّة من دول المنطقة.
مسارٌ ثالث
في موازاة ذلك، حمل استحضار حلف مكّة الدفاعيّ دلالة استراتيجيّة تتجاوز الإعلان عن تعاون عسكريّ بين ثلاث دول. فهذا الاتّفاق لا يعني أنّ المنطقة باتت أمام منظومة أمنيّة مكتملة، أو أنّ التحدّيات التي تواجه الدول الثلاث أصبحت قابلة للاحتواء بمجرّد توقيعه. لكنّه يشير إلى رغبة في توسيع خيارات الأمن الإقليميّ، وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات من خلال الشراكات، بدلاً من الارتهان الكامل لمعادلة واحدة أو لضمانات خارجيّة قد تتبدّل وفقاً لأولويّات أصحابها.
المهم أيضاً في هذا الجانب أنّ النص السياسي لكلمته أمام مجلس الشورى بدأ باعتبار أن الأمن الخليجي كان لا يتجزّأ والعمل مع اخوتنا على صون الأمن الخليجي.
هنا تكتمل الرسائل المركزيّة التي تضمّنتها كلمة الأمير. فالسعوديّة تتمسّك بعلاقاتها الدوليّة، لكنّها تريد أن تكون شريكاً يمتلك قراره، لا طرفاً ينتظر من الآخرين تحديد ما ينبغي أن يفعله. وهي إذ تتقدّم كلّ الصفوف لمواجهة التهديدات الإيرانيّة، لكنّها لا تجعل ذلك مبرّراً لتجاوز الخطر الإسرائيليّ أو التخلّي عن حقوق الفلسطينيّين.
هي محاولة لبناء مسار ثالث في المنطقة، لا يقوم على الاختيار بين الخضوع لإملاءات واشنطن وتل أبيب من جهة، أو التسليم بأدوار إيران وحلفائها من جهة أخرى. مسار يستند إلى المصالح الوطنيّة، وتوازن الردع، والشراكات الدفاعيّة، والحلول السياسيّة التي لا تتجاهل جذور الصراعات.
رؤية متكاملة
لم يقدّم وليّ العهد السعودي هذه المواقف بوصفها ردود فعل ظرفيّة، بل وضعها ضمن رؤية تتّصل بأمن المملكة واستقرار المنطقة ومستقبلها. فالرياض لا تستطيع تجاهل التهديدات التي تستهدفها، لكنّها لا ترى أنّ مواجهة خطر تفرض القبول بخطر آخر، أو أنّ إضعاف خصم إقليميّ يمنح أيّ طرف خارجيّ حقّ تقرير خياراتها السياسيّة.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الكلمة بوصفها ردّاً سياسيّاً هادئاً وحاسماً على الضغوط الآتية من اتّجاهات متعدّدة. فإسرائيل لا تستطيع أن تفرض التطبيع فوق جثّة فلسطين، والولايات المتّحدة لا تستطيع الافتراض أنّ رغبة السعوديّة في استقرار المنطقة تعني موافقتها تلقائيّاً على جميع خياراتها، وإيران لا تستطيع استخدام أذرعها كوسيلة لفرض الوقائع على جيرانها.
كلمة الأمير محمّد بن سلمان رسمت حدوداً سياسيّة واضحة لما يمكن أن تقبل به الرياض. ففي مواجهة الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة، والتهديدات الإيرانيّة، اختار محمّد بن سلمان ألّا يتراجع عن الثوابت، وألّا يسلّم قرار بلاده لأيّ طرف. وتلك هي الخلاصة العميقة: نواجه المخاطر من دون مقايضة، وننفتح على الشراكات من دون تبعيّة، ونبحث عن استقرار إقليميّ لا يُبنى على إخضاع طرف لطرف، بل على احترام السيادة والحقوق والمصالح المتبادلة.
