ضرورتان لا يمكن تجاهلهما بعد تقرير المستشار المقرّر في مجلس شورى الدولة، القاضية رانيا أبو زين، بقبول الطعن بالتمديد لمفتي الجمهوريّة وإبطال قرار التمديد:
1– التقرير والحكم: تقرير المستشار المقرّر ليس القرار النهائيّ لمجلس شورى الدولة. وبالتالي، لا يمكن حتّى الآن القول إنّ التمديد لمفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان قد أُبطل، ولا إنّ منصب مفتي الجمهوريّة أصبح شاغراً.
2– إنّ سباق مرحلة ما بعد المفتي دريان أُطلق عمليّاً. فإذا أُبطل تعديل عام 2023 نهائيّاً، ستُطرح فوراً مسألة الوضع القانونيّ للمفتي بعد سقوط القاعدة التي أتاحت له الاستمرار بعد المحدّد سابقاً. ثمّ يظهر السؤال الأصعب: من يدير دار الفتوى؟
أمين الفتوى إلى الواجهة
هناك قراءة قانونيّة تستند إلى المرسوم رقم 18 المختصّ بتنظيم شؤون المسلمين السنّيّين الدينيّة، تعتبر أنّ موقع أمين الفتوى وطبيعة صلاحيّاته يجعلان منه الشخصيّة الطبيعيّة لتولّي مهامّ المفتي مؤقّتاً إلى حين انتخاب خلف له.
تنصّ المادّة 27 من المرسوم 18 على أنّه: “يناط بأمين الفتوى في العاصمة دراسة القضايا الدينيّة والشرعيّة المتعلّقة بالإفتاء وإعطاء الرأي فيها، وهو يؤازر مفتي الجمهوريّة في مهامّه ويقوم مقامه بتفويض منه أثناء غيابه عن البلاد أو مرضه الطويل المدى أو عندما يتعذّر عليه القيام بمهامّ منصبه”.
مرجع قضائيّ رسميّ أيّد لـ”أساس” هذه القراءة، وقال: “إنّ ما يقال خلاف ذلك هرطقة قانونيّة”. وأضاف: “النصّ الذي يعبّر عن إرادة المشرّع حدّد، على وجه واضح وحاسم ونهائيّ، هويّة الشخص الذي يتولّى ويقوم مقام المفتي في حال غيابه أو مرضه الطويل، وبالتالي لم يترك الخيار لأحد وخاصة جهة أخرى في دار الفتوى أو خارجها، في أن تحدّد هويّة هذا الشخص. عندما يحدّد المشرّع بصورة واضحة، فهو يقفل الباب أمام إمكانيّة الاجتهاد في هذا الأمر، وقد حدّد بصورة نهائيّة وحاسمة هويّة هذا الشخص، وهو أمين الفتوى، باعتباره الرجل الثاني في دار الفتوى، وانسجاماً مع المنطق القائل إنه عند غياب الرجل الأوّل يحلّ محلّه الرجل الثاني”.
ماذا عن عبارة “بتفويض من المفتي”؟ لماذا لم ينصّ المرسوم على حلول أمين الفتوى مكانه تلقائيّاً؟
تجيب المرجعيّة القضائيّة: “هذه هي النقطة الدقيقة. النصّ حدّد هذا الأمر بتفويض من المفتي، ليس ليعطي المفتي صلاحيّة اختيار أمين الفتوى أو غيره، وإلّا لكان قال إنّ المفتي يعيّن شخصاً ليقوم مقامه من المشايخ أو القضاة”.
بحسب هذه القراءة، فإنّ التفويض لا يمنح المفتي حقّ اختيار الشخص الذي يقوم مقامه، لأنّ المشرّع حدّد هذا الشخص مسبقاً، وهو أمين الفتوى، وإنّما يتّصل التفويض بآليّة قيامه بهذه المهامّ في الحالات التي نصّ عليها المرسوم.
قراءة أخرى للمادّة الـ 27
قراءة أخرى تشير إلى أنّ المرسوم رقم 18 يتحدّث عن قيام أمين الفتوى مقام المفتي في حالات محدّدة وبالتفويض، ولا يحسم بطريقة قاطعة كلّ تفاصيل حالة الشغور الناتجة عن انتهاء الولاية أو إبطال تمديدها.
يشرح المحامي محمّد فواز، عضو المجلس الشرعيّ السابق، لـ”أساس” هذه القراءة، فيقول إنّ “أمين فتوى بيروت لا يقوم مقام مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة إلا بتفويض من المفتي، وفي حالات محدّدة وحصريّة تمّ ذكرها في المادّة الـ27 من المرسوم 18. أمّا في حال لم يفوّضه، فلا يحقّ له أن يقوم بمهامّه، ولا يحقّ لأيّ أحد أن يفوّض أمين الفتوى بأن يقوم مقام المفتي في حال غيابه أو في حال شغور موقعه، إذ إنّ المرسوم 18/55 لا ينصّ على ذلك صراحة ولا إشارة”.
يضيف فواز أنّ ما حصل سابقاً من تكليف رئيس مجلس الوزراء لأمين الفتوى في الجمهوريّة اللبنانيّة، كما كان يُسمّى سابقاً، للقيام مقام المفتي، يخالف نصّ المرسوم 18/55، معتبراً أنّه كان على رئيس الحكومة، بصفته رئيس الهيئة الناخبة، الدعوة إلى انتخاب مفتي الجمهوريّة بدلاً من تنصيب قائم مقام له.
لذلك قد لا يؤدّي الحكم القضائيّ، إذا صدر بالإبطال عن هيئة القضايا في مجلس الشورى، إلى إنهاء الأزمة، بل إلى فتح خلاف جديد حول إدارة المرحلة الانتقاليّة حتّى انتخاب مفتٍ جديد للجمهوريّة اللبنانيّة.
المراد يفتح مواجهة مع التّقرير
رجحان كفّة القراءة الأولى دفع محامي دار الفتوى، محمّد المراد، إلى التصريح برفض تقرير المستشار المقرّر شكلاً وأساساً، في موقف بدا امتداداً للردّ الذي سبق أن قدّمه باسم المجلس الشرعيّ في ملفّ الطعن. وأصدر المراد بياناً جاء فيه: “بقراءة سريعة لتقرير المستشار المقرّر بموضوع المراجعة رقم 55/2023 بإبطال القرار التشريعي للمجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى والمتعلّق بتعديل ولاية مفتي الجمهوريّة ومفتي المناطق، هو تقرير منعدم الوجود وباطل بطلاناً مطلقاً، لأنّه يعالج القرار رقم 46/2012 وليس القرار رقم 55/2023 موضوع الطعن، فضلاً عن أنّ هذا التقرير ينسف كلّ الصلاحيّات التشريعيّة الممنوحة للطائفة السنّيّة في لبنان بموجب قانون سنة 1956، إضافة إلى أسباب أخرى مفضية إلى البطلان”.
من جهته، العضو السابق في المجلس الشرعيّ همام عبد اللطيف زيادة، وفي ردّ على المراد من دون أن يسمّيه، قال: “قد أكون متّفقاً أو مخالفاً للذين أعلنوا أنّ المجلسَ الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى مستقلٌّ في قراراته ولا يُمكن أن تكون قراراته موضع مراجعة أمام مجلس شورى الدولة. من أجل الموضوعيّة والانسجام في المواقف، فإنّني أذكّر الذين يتبنّون هذا الرأي بأنه في عام 2013، وعقب احتدام الخلاف بين الرئيس سعد الحريري وتيّاره من جهة، وبين مفتي الجمهوريّة السابق الشيخ محمّد رشيد قباني من جهة أخرى، أوعز الرئيس الحريري بضرورة مراجعة مجلس شورى الدولة وإبطال عدّة قرارات اتّخذها المفتي السابق الشيخ قبّاني، ومنها تعيين بعض المفتين في بعض المناطق ودعوة الهيئات الناخبة لانتخاب مجلس شرعيّ جديد. وبالفعل، أبطل مجلس شورى الدولة تعيين المفتين الذي حصل من قبل المفتي قبّاني، لأنّ المرسوم الاشتراعي رقم 18/1955 لا يجيز التعيين مطلقاً. كذلك أوقف تنفيذ قراره بدعوة الهيئات الناخبة، فلم يلتزم به المفتي السابق وأجرى انتخابات دون توافر النصاب القانونيّ، وبعد مراجعة مجلس شورى الدولة من قبل بعض الأعضاء تمّ إبطال هذه الانتخابات. الحقيقة القانونيّة ليس لها وجهان نستعمل الوجه الذي يناسبنا في لحظة معيّنة”.
بذلك لم يعد الخلاف محصوراً بمصير التمديد للمفتي دريان، بل امتدّ إلى تفسير النصوص التي تنظّم مرحلة ما بعد انتهاء ولايته، وإلى قراءة تقرير المستشار المقرّر نفسه ومدى تأثيره في مستقبل دار الفتوى.
شهر لإطفاء الخلاف أو إشعاله
على خلفيّة كلّ ذلك، تبدو المدّة الفاصلة عن قرار مجلس القضايا في مجلس شورى الدولة، والتي تزيد على شهر بأيام قليلة، فرصة أمام أهل الحلّ والعقد لإطفاء هذا الخلاف أو إشعاله. فإذا انتهى القرار إلى إبطال التمديد، لن يكون السؤال محصوراً بمن سيخلف المفتي عبد اللطيف دريان، بل بمن يتولّى إدارة دار الفتوى خلال الفترة الفاصلة بين انتهاء ولايته وانتخاب المفتي الجديد. هنا تحديداً قد تبدأ معركة جديدة: هل يتولّى أمين الفتوى الشيخ أمين الكرديّ مهامّ المفتي استناداً إلى المادّة 27 أم أنّ الممدّدين سيسلكون طريقاً جديداً في الاجتهادات القانونيّة؟
الجواب قد لا يحسم فقط هويّة من يدير المرحلة الانتقاليّة، بل قد يحدّد أيضاً الطريق التي ستسلكها دار الفتوى حتّى انتخاب مفتي الجمهوريّة الجديد.
*غداً في الحلقة الرابعة: من يختار المفتي الجديد؟ (4/4).
