يرى جون بولتون، مستشار الأمن القوميّ السابق في إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، أنّ الخطأ الأكبر الذي ترتكبه الإدارة الأميركيّة هو التعامل مع الحرب في أوكرانيا والمواجهة مع إيران باعتبارهما ملفّين مستقلّين. ويعتبر أنّ الصراعات مترابطة ضمن شبكة استراتيجيّة واحدة تمتدّ من أوروبا الشرقيّة إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأنّ هذا التشابك لا يقتصر على التعاون العسكريّ بين موسكو وطهران، بل يشمل أيضاً صعود محور يضمّ الصين وروسيا وإيران وكوريا الشماليّة وبيلاروسيا، وهو ما يفرض على واشنطن صياغة استراتيجية شاملة تتعامل مع هذه التحدّيات باعتبارها جبهة واحدة.
ينتقد بولتون بشدّة ما يصفه بتخبّط إدارة ترامب في التعامل مع إيران، معتبراً أنّ غياب الرؤية الاستراتيجيّة يهدّد بإضعاف الموقف الأميركيّ في جميع الساحات المترابطة. ويرى أنّ التراجع الأخير المفاجئ لإدارة ترامب عن موقفها من إيران، بعد مرور 36 ساعة فقط على ورود تقارير تفيد بقرب شنّ ضربات جديدة واسعة النطاق، وإعلان “بوادر اتّفاق” بين إيران والولايات المتّحدة، يُظهر أنّ “استراتيجية” البيت الأبيض بشأن إيران قد تلاشت تماماً، بل ليست هناك استراتيجية، وإنّما سلسلة من ردود الفعل المتقلّبة التي تعكس غياب التخطيط الاستراتيجيّ.
يعتبر أنّ الانتقال السريع من التهديد باستخدام القوّة إلى الحديث عن التفاوض يبعث برسائل متناقضة إلى الخصوم والحلفاء على حدّ سواء، ويضعف قدرة الولايات المتّحدة على فرض الردع في منطقة تشهد أصلاً تصاعداً غير مسبوق في التوتّرات.
توسيع الحرب على إيران
يشير بولتون إلى مخاوف بعض المراقبين من “حرب أوسع”، بعد تقارير عن مشاركة البحرين والكويت في ضرب أهداف داخل إيران إلى جانب المملكة السعوديّة والإمارات ضمن التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة. وشاركت المملكة السعوديّة للمرّة الأولى مع القوّات الأميركيّة في استهداف ميليشيات عراقيّة موالية لإيران، وفرض الحوثيّون حصاراً على التجارة السعوديّة في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع الرياض إلى تشكيل تحالف دوليّ لحماية الملاحة الدوليّة. ويشير إلى الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء دمياط المصريّ، الذي يمثّل تهديداً جديداً للطرف الشماليّ لقناة السويس، في وقت يتعرّض جنوب البحر الأحمر لضغوط متزايدة، وهو ما يعكس اتّساع رقعة المواجهة في المنطقة.
يلفت، في المقابل، إلى حادثة استهداف أوكرانيا سفينة إيرانيّة في بحر قزوين بعد الاشتباه في نقلها معدّات عسكريّة، وهي واقعة دفعت بعض المراقبين إلى التحذير من احتمال تداخل الحربين الأوكرانيّة والإيرانيّة، وهو ما قد يُفضي إلى “حرب مفتوحة كارثيّة تمتدّ عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط”.
محور بكّين – موسكو يربط الصّراعين
لا يرى بولتون أنّ العالم يقف على أعتاب حرب عالميّذة مفتوحة، وإن كان يشدّد في الوقت نفسه على أنّ هذه الأحداث تكشف حجم التشابك الدائم بين الصراعين الأوكرانيّ والإيرانيّ، مع وجود روابط معقّدة بينهما منذ فترة طويلة. فقد زوّدت طهران موسكو، لسنوات، بطائرات مسيّرة وقدرات عسكريّة أخرى. وردّ الكرملين بالمثل، بما في ذلك تزويدها بمعلومات استخباريّة عسكريّة بالغة الأهميّة ضدّ القوّات الأميركيّة، وكذلك فعلت الصين. وتزوّد كوريا الشماليّة روسيا بقوّات وأسلحة.
يؤكّد بولتون أنّ فهم التطوّرات الحاليّة يستوجب من الولايات المتّحدة الانخراط بجدّيّة في التحليل الاستراتيجيّ، وهو ما لا يُعدّ من اختصاص فريق ترامب. إذ لا بدّ من النظر إلى المشهد الدوليّ الأشمل، وفي مقدَّمه الشراكة الاستراتيجيّة المتنامية بين الصين وروسيا، التي يصفها الطرفان بأنّها “شراكة بلا حدود”.
يرى أنّ إيران وبيلاروسيا وكوريا الشماليّة أصبحت أطرافاً رئيسة في هذا المحور، مستذكراً تحذير مستشار الأمن القوميّ الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي عام 1998 من أنّ قيام تحالف بين الصين وروسيا وإيران سيكون “السيناريو الأكثر خطورة” بالنسبة للولايات المتّحدة.
انطلاقاً من ذلك، يعتبر أنّ الحربين في أوكرانيا وإيران لم تكونا منفصلتين يوماً، بل ترتبطان ضمن شبكة من المصالح والتحالفات العسكريّة والسياسيّة التي تعزّز بعضها بعضاً. وفي رأيه أنّ للتوتّرات في آسيا، وإن لم تصل إلى حدّ الحرب المفتوحة، تأثيراً كبيراً على القرارات الأميركيّة المتعلّقة بالصراعين. فروسيا قوّة في شرق آسيا، وتشكّل الصين عدّة تهديدات جوهريّة: في بحر الصين الشرقيّ ضدّ تايوان واليابان، وفي بحر الصين الجنوبيّ، الذي أعلنت الصين معظمه مياهاً إقليميّة صينيّة، والعداوات المتصاعدة على طول الحدود البرّيّة مع الهند وفيتنام.
إيران أوّلاً ثمّ أوكرانيا فالصّين
يرى بولتون أنّ أيّ استراتيجية أميركيّة يجب أن تنظر إلى هذه الملفّات باعتبارها مترابطة، لأنّ نجاح الصين أو روسيا أو إيران في أيّ ساحة سينعكس على ميزان القوى في الساحات الأخرى.
يشدّد على ضرورة أن تركّز الإدارة الأميركيّة، بشكل رئيس، على إعطاء الأولويّة لمصالح وقدرات الأمن القوميّ الأميركيّ. لكنّ هذا لا يعني، في رأيه، شنّ حرب شاملة على جميع الجبهات، بل يجب على البيت الأبيض تحديد الأولويّات بطرق لم تكن الولايات المتّحدة مستعدّة للقيام بها منذ هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.
ويعتبر أنّ “التقليل من شأن الترابطات، وهو أسلوب ترامب المفضّل، لا يُخفيها أو يُقلّل من أهمّيّتها في الاستراتيجية الأميركيّة”، ولذا يرجّح بولتون أن تنجح أميركا إذا اعترفت بأنّ “الحرب الأوسع” مستمرّة منذ فترة طويلة، وستستمرّ في المستقبل المنظور، وأن تعترف أيضاً بشكل قاطع بأنّ عقوداً من التهاون في الإنفاق الدفاعيّ منذ نهاية الحرب الباردة هي ما قد يكون كارثيّاً حقّاً.
في رأي بولتون، يجب أن يركّز فريق ترامب على تدمير (أو على الأقلّ شلّ) نظام طهران، وكبح جماح روسيا في أوكرانيا، وزيادة الردع ضدّ الصين بشكل حادّ. ويعتبر أنّ الانقسامات الداخليّة في النظام الإيرانيّ توفّر فرصة لزيادة الضغط على طهران. ويحذّر من أنّ أيّ فشل أميركيّ في ضمان حرّية الملاحة عبر مضيق هرمز ستكون له انعكاسات سياسيّة داخليّة على ترامب، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات في تشرين الثاني، داعياً الرئيس الأميركيّ إلى مواصلة النهج الذي بدأه تجاه إيران في شباط بدلاً من التراجع عنه.
أوكرانيا أقوى قوّة عسكريّة في أوروبا
أمّا في الملفّ الأوكرانيّ، فيدعو بولتون إلى تسريع منح تراخيص منظومات الدفاع الصاروخيّ “باتريوت”، وتشديد الضغوط الاقتصاديّة على موسكو، والتراجع عن أيّ خطط لتقليص الوجود الأميركيّ داخل حلف شماليّ الأطلسيّ. ويجب أن يكون الهدف منع وصول النفط الروسيّ إلى الأسواق الدوليّة، وهو ما يعزّز الحاجة المُلحّة إلى زيادة صادرات النفط الخليجيّة العربيّة إلى مستويات ما قبل الحرب، أو ما يقاربها.
يرى أنّ أوكرانيا أصبحت اليوم أقوى قوّة عسكريّة في أوروبا، وأنّ روسيا لم تتمكّن، على الرغم من أكثر من أربع سنوات من الحرب، من تحقيق أهدافها الأساسيّة، لكنّه يتشكّك في استعداد ترامب لتقديم الدعم الكافي الذي يمكّن كييف من تحقيق نصر حاسم، معتبراً أنّ الحدّ الأدنى المطلوب هو تثبيت الجبهة الحاليّة ومنع انهيارها.
يعتبر بولتون أنّ الولايات المتّحدة تواجه سباقاً مع الزمن في منطقة المحيطين الهنديّ والهادئ، حيث تمثّل الصين التحدّي الاستراتيجيّ الأكبر. ولهذا يدعو إلى الإسراع في تنفيذ صفقة الأسلحة المخصّصة لتايوان، والتي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار، وعدم استخدامها كورقة تفاوض، بالإضافة إلى تعزيز التعاون داخل التحالف الرباعيّ الذي يضمّ الولايات المتحّدة والهند واليابان وأستراليا، ودعم جهود طوكيو في تطوير قدراتها العسكريّة.
لكنّه يعتبر أنّ “توجيه ضربة قاصمة للنظام الإيرانيّ سيكون الرسالة الأكثر وضوحاً لبكّين بأنّ الولايات المتّحدة مستعدّة لاستخدام القوّة لحماية مصالحها وحلفائها، ومنع أيّ مغامرة عسكريّة صينيّة مستقبليّة“.
