ليست القمّة الأطلسيّة المنتظرة في أنقرة في السابع والثامن من تمّوز المقبل حدثاً بروتوكوليّاً داخل حلف شماليّ الأطلسيّ. هي محطّة لإعادة اختبار موقع تركيا داخل الحلف، واختبار علاقة دونالد ترامب برجب طيّب إردوغان، واختبار الدور التركيّ في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران. أمّا بالنسبة إلى لبنان، فقد تتحوّل القمّة إلى ما هو أبعد من اجتماع أطلسيّ: منصّة يُفحص فيها مستقبل الدور السوريّ في ملفّ “الحزب”، إذا تأكّدت الزيارة المرجّحة للرئيس السوريّ أحمد الشرع لأنقرة بالتزامن مع حضور ترامب.
قال ترامب إنّه ما كان ليحضر قمّة الناتو في تركيا لولا إردوغان. لم يكتفِ بذلك، بل تحدّث عن احتمال قيامه بخطوة “تُسعد تركيا كثيراً”. هنا لا بدّ من توضيح الاحتمال الأساسي: لا تملك تركيا اليوم مقاتلات إف-35، بعدما أُخرجت من برنامجها عام 2019 على خلفيّة شرائها منظومة إس-400 الروسيّة.
لذلك لا يدور الكلام عن “هديّة” جاهزة، بل عن مسارين دفاعيَّين حسّاسَين: الأوّل هو دفع واشنطن نحو بيع محرّكات إف-110 الأميركيّة لطائرة “قآن” التركيّة، والثاني هو فتح مراجعة أوسع لإمكان عودة أنقرة إلى ملفّ إف-35 إذا توافرت الشروط القانونيّة والسياسيّة الأميركيّة.
لا يخصّ هذا الكلام العلاقة الثنائيّة فقط. فتركيا، العضو في الناتو، تحاول اليوم استعادة موقع دولة لا يمكن تجاوزها في الأمن الأطلسيّ ولا في أمن الشرق الأوسط. من هنا تكتسب زيارة ترامب لأنقرة أهميّة مضاعفة. فهي ليست زيارة لدولة عضو في الحلف فقط، بل دولة باتت فاعلة في إعادة تشكيل المنطقة، من سوريا إلى العراق، ومن البحر الأسود إلى شرق المتوسّط. وإذا كانت العلاقة التركيّة ـ الأميركيّة ستدخل منعطفاً جديداً، فستكون سوريا على الأرجح إحدى نقاط الالتقاء الكبرى بين أنقرة وواشنطن.
الشّرع إلى أنقرة؟
بحسب معلومات “أساس”، يتحدّث مسؤولون أتراك عن زيارة متوقّعة للرئيس أحمد الشرع لأنقرة بالتزامن مع قمّة الناتو، لكنّ الزيارة لم تُحسم بعد. في الشكل، إذا حصلت، ستكون رسالة تركيّة واضحة: لم تعُد العلاقة التركيّة ـ السوريّة ملفّاً ثنائيّاً فقط، بل صارت جزءاً من مصالح أمنيّة واستراتيجيّة أوسع تتقاطع مع حسابات الحلف ومع موقع تركيا داخله.
لكنّ الأهمّ أنّ حضور الشرع قد يفتح الباب أمام لقاء مع ترامب على هامش القمّة. ومثل هذا اللقاء، إذا عُقد، لن يُقرأ من زاوية سوريا وحدها، بل من زاوية لبنان أيضاً. فترامب كان قد أثار عاصفة حين تحدّث عن احتمال دور سوريّ في لبنان، أو عن إمكان أن تتعامل سوريا مع ملفّ “الحزب”. وتكرار هذا الكلام لم يعد يسمح باعتباره زلّة عابرة أو اقتراحاً تلفزيونيّاً. صار أقرب إلى اتّجاه أميركيّ يحتاج إلى اختبار: هل هو ضغط سياسيّ فقط أم بداية مشروع جديد؟
لبنان: الفرصة والفخّ
اللقاء المرجّح بين ترامب والشرع، إذا حصل، سيحدّد إلى حدّ كبير مدى واقعيّة هذا الطرح الأميركيّ وطبيعة الموقف السوريّ منه. فالشرع أعلن رفضه التدخّل العسكريّ السوريّ في لبنان، لكنّه لم يرفض اقتراح ترامب بالمطلق. بل قال في مقابلاته الأخيرة إنّ كلام ترامب فُهم بطريقة مختلفة، بما يوحي بأنّ ما أراده ترامب قد لا يكون بالضرورة دخولاً عسكريّاً مباشراً.
كان الأكثر لفتاً كلام الشرع عن استعداده للحوار مع “الحزب”. بدا هذا التصريح مفاجئاً، ليس لأنّ الشرع لا يدرك طبيعة المشهد اللبنانيّ أو وزن “الحزب” فيه، بل لأنّ سوريا الجديدة تُقدَّم إقليميّاً ودوليّاً جزءاً من مقاربة أوسع لمكافحة النفوذ الإيرانيّ في المنطقة. لذلك قد يُقلق الانفتاح على الحوار مع “الحزب” إسرائيل، ويعزّز هواجسها من أنّ دمشق الجديدة تبحث عن قنوات تواصل مع “الحزب”، بدل أن تكون رأس حربة في مواجهته.
لكنّ المقاربة السوريّة تبدو أكثر واقعيّة من ذلك. ما يبحث عنه الشرع في لبنان، بحسب ما تفهمه مصادر متابعة، ليس فرصة للعب دور فقط، بل ضمان نجاح هذا الدور في إنتاج حلّ مفيد للبنان ولسوريا. يعرف أنّ الدخول إلى الملفّ اللبنانيّ بلا ضمانات، وبلا قدرة على مخاطبة جميع الأطراف، قد يحوّل الفرصة إلى فخّ. فلبنان سيكون أوّل اختبار إقليميّ حقيقيّ للشرع، والنجاح أو الإخفاق فيه لن ينعكس على العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة فقط، بل على صورة سوريا الجديدة لدى واشنطن وأنقرة والعواصم العربيّة وإسرائيل.
إسرائيل تدرس السّيناريو
في المقابل، تعاملت إسرائيل مع كلام ترامب بجدّيّة. تحدّث الإعلام العبريّ عن اجتماع أمنيّ مصغّر برئاسة بنيامين نتنياهو لبحث التداعيات المحتملة لدور سوريّ في ملفّ “الحزب” والاستعداد لهذا السيناريو. وبحسب ما نُقل عن “يديعوت أحرونوت”، تعارض إسرائيل بشدّة أيّ انتشار لقوّات سوريّة داخل لبنان، لكنّها ترى في تصريحات ترامب تطوّراً يستدعي البحث الأمنيّ والسياسيّ.
هذا يعني أنّ الطرح الأميركيّ خرج من خانة الكلام السياسيّ إلى خانة الاحتمالات التي تُدرَس في تل أبيب. وهنا تحديداً تكمن حساسيّة المسألة: واشنطن تدفع نحو دور سوريّ، إسرائيل تخشى تداعياته، ودمشق لا تريد أن تدخل لبنان لتكون أداة لأحد.
تحفّظ تركيّ داخليّ
انتقد رئيس الوزراء التركيّ الأسبق وزعيم حزب المستقبل أحمد داوود أوغلو كلام ترامب عن “تكليف” الشرع بمهمّة في لبنان، قائلاً إنّ تركيا هي التي دفعت ثمن سوريا لا ترامب. وخاطب الشرع وفريقه معتبراً أنّ “أراضي الشام هي أراضي صلاح الدين الأيوبيّ”، داعياً إيّاهم إلى ألّا يكونوا أتباعاً لأحد، وأن يرفعوا رؤوسهم في وجه إسرائيل وأميركا وفرنسا إذا لزم الأمر، مؤكّداً أنّ الشعب التركيّ يقف إلى جانبهم. ودعا إلى شراكات جديدة بين تركيا وسوريا والعراق وإيران.
هنا تصبح أنقرة أكثر من مضيفة لقمّة الناتو. هي ساحة اختبار: هل تكون منصّة لتفاهم أميركيّ ـ تركيّ ـ سوريّ في الشأن اللبنانيّ، أم ضابط إيقاع يمنع دفع الشرع إلى دور لا تريده دمشق ولا تحتمله بيروت؟
قد يبدأ بين ترامب وإردوغان والشرع اختبار جديد للبنان… ولسوريا الجديدة أيضاً.
