خليل حسين محرر بموقع السفينة
تُقدَّم «قسد». نفسها في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفها كيانًا متماسكًا، إلا أن الواقع يشير إلى تركيبة غير متجانسة تجمع بين فصائل عسكرية، وإدارات مدنية، وقوى ذات ارتباطات أيديولوجية وتنظيمية خارج الحدود السورية. ويبرز في هذا السياق نفوذ كوادر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الأمر الذي يضع أي مسار تفاوضي في مواجهة حساسيات إقليمية، خصوصًا مع تركيا، ويحدّ من هامش المناورة السياسية أمام الطرفين.
إلى جانب ذلك، نشأت خلال سنوات الصراع طبقة إدارية-اقتصادية محلية استفادت من الواقع القائم، وراكمت نفوذًا ومصالح مباشرة في ظل منظومة الحكم الذاتي غير المعترف بها رسميًا. هذه الشريحة تنظر بعين الريبة إلى أي اتفاق قد يعيد ترتيب المشهد الإداري والأمني، بما قد يهدد مكاسبها المكتسبة.
لا تقلّ التناقضات داخل مؤسسات الدولة السورية عمقًا عن تلك الموجودة في الطرف المقابل. فثمة تيارات نافذة ما زالت ترى في أي تفاهم مع «قسد» مساسًا بمفهوم “السيادة” بصيغته التقليدية، وتفضّل مقاربة تقوم على إعادة فرض السيطرة المركزية دون تقديم تنازلات سياسية أو إدارية جوهرية.
في المقابل، تظهر مقاربات أكثر براغماتية داخل دوائر أخرى، تدرك أن الواقع الميداني والسياسي تغيّر، وأن أي عودة شكلية للدولة إلى مناطق شمال وشرق سوريا دون تفاهمات حقيقية حول الإدارة المحلية والموارد والأمن، قد تعيد إنتاج التوتر بدل معالجته. هذا التباين الداخلي يضعف قدرة دمشق على بلورة موقف تفاوضي واضح ومستدام.
لا يمكن فصل أي اتفاق محتمل بين الحكومة السورية و«قسد» عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فتركيا تنظر بعين القلق إلى أي صيغة تمنح نفوذًا مستدامًا لقوى مرتبطة بـ PKK على حدودها الجنوبية. في المقابل، ما زال الحضور الأميركي يشكّل مظلة سياسية وعسكرية لـ«قسد»، ما يجعل أي اتفاق داخلي مشروطًا بتفاهمات غير معلنة بين الفاعلين الدوليين.
هذا التشابك يحوّل الاتفاق من مسألة سورية داخلية إلى عقدة إقليمية، تتأثر بتبدّل المزاج الدولي، وبمستوى التوتر أو التفاهم بين القوى الكبرى في الملف السوري. مخاوف السكان بين مركزية الدولة وهشاشة الواقع الحالي
يعيش المجتمع المحلي في مناطق شمال وشرق سوريا حالة قلق مزدوج: من جهة، خشية من عودة نموذج إداري مركزي صارم قد يتجاهل خصوصيات المنطقة وتنوّعها القومي والسياسي؛ ومن جهة أخرى، عدم رضا متزايد عن واقع إداري وأمني هشّ، يعاني من أزمات اقتصادية وخدمية، ومن غياب الاعتراف القانوني الدولي.
هذا المزاج الاجتماعي المتردد يحدّ من قدرة أي طرف على تمرير اتفاق لا يلبّي الحدّ الأدنى من تطلعات السكان، سواء على مستوى الحقوق السياسية أو تحسين شروط العيش اليومية.
حتى في حال التوصل إلى صيغة تفاهم مبدئية، تبقى معضلة الثقة المتبادلة إحدى أبرز العقبات. تجارب الاتفاقات السابقة في السياق السوري أظهرت هشاشة التعهدات، وسرعة انهيارها عند أول اختبار ميداني. كما أن غياب آليات رقابة وضمانات تنفيذ واضحة، سواء محلية أو دولية، يجعل أي اتفاق عرضة للتفكك أمام أول أزمة أمنية أو سياسية.في المحصّلة، لا تكمن أزمة الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» في غياب القنوات أو المبادرات فحسب، بل في تشابك شبكة معقّدة من المصالح المتضاربة داخل كل طرف، وفي تداخل العامل المحلي مع الإقليمي والدولي. إن أي مقاربة واقعية لهذا الملف لا بد أن تنطلق من تفكيك هذه التناقضات الداخلية، والاعتراف بأن مستقبل شمال وشرق سوريا لا يمكن أن يُحسم بمنطق الغلبة وحده، بل عبر صيغة سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
من دون ذلك، سيظلّ ملف الاتفاق حاضرًا في الخطاب السياسي، غائبًا في الواقع، ومؤجَّلًا إلى حين تغيّر موازين القوى أو نضوج تسوية أشمل على مستوى سوريا ككل.