مخطئٌ من يخلط بين العروبة ومنظومة القومية الأيديولوجية بالمبدأ، وسيرتكب خطأً جسيماً وتاريخياً من يعتبر أن المرحلة التاريخية الحالية ستمرّ بسهولة ويسر على المنطقة العربية. والقول هنا لا يقتصر على الحرب المشتعلة في المنطقة، سواء المُعلقة بهدنة ترامب أسبوعين، أو حرب إسرائيل على لبنان بحجّة حزب الله وما قد يليها في أماكن أخرى! بل يذهب الحديث إلى عمق الموقف العربي ومسؤوليته التاريخية من قضايا المنطقة قيمياً وفكرياً وسياسياً وانعكاساتها المستقبلية. فالمنطقة اليوم برمتها أمام تحدّيات لا تقلّ خطورة عن تحدّياتها قبل ما يقارب قرن، تلك التي أفضت إلى تقسيمها إلى دولٍ ذات كيانات مستقلة. دول لم يتسنَّ لها أن تتخلص من الاستعمار الغربي المعنون بالانتداب، لتقع تحت قبضة سلطات الشرق العسكرية الأمنية بشعاراتها القومية الرنانة والبرّاقة من “وحدة وحرية واشتراكية”، مولّدة كل أشكال الاستبداد والتشظي الذي نعيشه اليوم.
لم تتمكّن الدول العربية باختلاف أنظمتها السياسية من بناء قاعدة وجودها الشعبي والسياسي بشكلٍ يمكّنها من مجاراة التغيرات العالمية سياسياً ومادياً وبنيوياً، وها هي تقف اليوم أمام موقفٍ صعب كـ”بالع الموس على الحدّين”. فهي إن قبلت بمجريات الحرب المتحرّكة في المنطقة ودخلتها، كلياً أو جزئياً، فستعرّض كياناتها القائمة للاهتزاز، وربما لما هو أسوأ منه، وإن رفضتها فستخسر حليفها الأميركي الداعم لتثبيت وجودها الحالي، ما قد يعرّضها للارتجاجات العنيفة نفسها. وهي اليوم أمام أسئلة الوجود الفعلية: هل تمكّنت هذه الدول من بناء الأسس المادية والمعنوية لمفهوم الدولة العصرية؟ وهل يمكنها الاستمرار في النهج السابق المعتمد؟ وهل تستطيع تجنّب المتغيرات المتسارعة من دون دفع فاتورتها مادياً وسياسياً؟ فبعضها وإن تمكن من بناء قدرات مالية وعمرانية ضخمة، لكنه لم يتمكن من بناء قدراته الذاتية المادية والتقنية، وبقي رهين المحبسين –الخبرات والتقنيات– مما تقدمه الولايات المتحدة ودول العالم المتقدم. وليس فقط، لم تبادر إلى بناء أسس الدولة القائمة على سيادة الشعب وتحصينها دستورياً وسيادة القانون وضعياً وتشييد العدالة قيمياً، ويكاد يهتز بنيانها العام أمام مفاهيم الحرية والمواطنة وافتقادها المشاركة الشعبية في القرار والمسؤولية.
إن العروبة برمتها اليوم في مأزق وجودي أكثر خطورة من المأزق السياسي الجاري
واليوم تجد نفسها أمام معادلات متغيرة متسارعة بحكم سياسات المصالح الدولية المعنونة بالاستحواذ والهيمنة على قدرات المنطقة المادية والجيوسياسية مع ندرة الحصانة الشعبية. وحيث تبدو الأسئلة السياسية في هذا السياق سريعة التردّد ولا يمكنها انتظار الإجابات التي كان يفترض إيجادها خلال العقود السابقة. ولكن من الممكن تحديد مواقع ثابتة تستطيع من خلالها تجاوز عقدة الدوامة الجيوبوليتيكية التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط برمتها، ومفصلها الرئيس الدول العربية. يمكن تحديد المعطيات الأولية لهذه المتغيرات المرتقبة بتبايناتها الإيجابية والسلبية:
– لم تختر دول المنطقة العربية الحرب مع إيران، ورغم اختيارها الحياد منها، لكنها تعرّضت وما زالت تتعرّض لتهديدات ارتداداتها جوياً وكلي خشية من تمددها البري. أظهرت الدول العربية قدرة منظوماتها الدفاعية على التصدي للهجمات العسكرية الجوية الإيرانية، ولكن بدعم أميركي، فماذا لو لم يكن موجوداً هذا الدعم التقني والعسكري الأميركي؟ السؤال المباشر هنا: هل تمكنت الدول العربية من بناء قاعدتها المادية الذاتية تقنياً وعسكرياً، وبالضرورة تجنّبها الضغط الأميركي المتتالي عليها، ومحاولة ابتزازها سياسياً بهذا الجانب ووضعها أمام معادلة رفع الغطاء أو القبول بما ستقرّره الولايات المتحدة وحليفها الإسرائيلي لمستقبل المنطقة؟ هل استفادت دول المنطقة من ثورات الربيع العربي، أم لا يزال مبكراً طرح هذا السؤال؟ فنتائج التحولات التي شهدتها المنطقة العربية اصطدمت بحواجز عالمية وإقليمية كبرى، فإن كانت إيران إحدى أهم حواجزها التي منعت جني نتائج الربيع العربي مبكّراً، وأدخلت المنطقة برمتها في صراع وجودي خطر، فإن الاستثمار الروسي السابق والأميركي الحالي يساهم في استمرار الكارثة العربية، وتبدو إسرائيل المرجّحة للاستفادة منها، وأن تكون في قمة الدول المتحكمة بمصير المنطقة بدعم وغطاء أميركي واضحين.
تتجاوز التحدّيات المطروحة على الساحة العربية بعدها السياسي المعنون بنوعٍ كهذا من الأسئلة، وقد تعمل قواعد المصالح المتحرّكة على تبديد بعضها أو تكريس خلافها. وفي جميع الحالات، نستطيع القول إن العروبة برمتها اليوم في مأزق وجودي أكثر خطورة من المأزق السياسي الجاري، فالعروبة والرابطة العربية ليستا من تلك الشعارات الجوفاء التي ردّدتها الأحزاب القومية، متصدّرة المشهد السياسي في دول المنطقة، التي حكمتها بالحديد والنار وجبروت القوة الأمنية واحتكار القرارات السياسية، ومنع عجلة التطور للوصول إلى دول حديثة، بقدر تكريس الفرقة والتصارع البيني من دون الاكتراث بمصلحة شعوبها وأمنها ومستقبلها. العروبة قيم حضارية تمتد بعمق التاريخ، ولكنها لم تستطع العبور بمحتواها القيمي هذا لمواكبة العصر ثقافياً ومادياً واقتصادياً. وإحدى أهم مواكبات العصر البناء الذاتي بمقوّمات الدول العصرية، التي أهم معاييرها: الاعتماد على اقتصاد وتقنية ذاتية المصدر، والتأسيس لدولة المشاركة والحريات الدستورية وسيادة الشعب، والانفتاح على جملة من العلاقات الدولية متعدّدة المصالح والمشاركة في البعد الحضاري العالمي. وليس فقط، بل الانفتاح البيني بين الدول العربية نفسها على أسس الشراكة في مصير المنطقة وقدرتها على اتخاذ قراراتها الذاتية والمستقلة.
الدول العربية القائمة اليوم، ورغم تباين مصالحها بشكل كبير، وعمل بعضها ضد بعضٍ آخر في مواقع عدة، عليها أن تدرك أن جميعها بمواجهة عواصف شديدة تهدّدها بالمجمل. فالتحالف الأميركي الإسرائيلي اليوم لا يريد أن يقف أمامه حاجز، والتهديدات متتالية ومتلاحقة، سواء في لبنان أو سورية بجوار إسرائيل، أو في دول الخليج العربي بموازاة إيران، وليست مصر والأردن بعيدين عن هذه الاهتزازات. بينما على الدول العربية امتلاك خطة لمواجهة التحديات العصرية الحالية، وهذه لا تعني من حيث المبدأ التمسّك بمفهوم القومية العربية التي عشنا في ظلها العقود السابقة، بل تعني التمكّن من فهمنا الذاتي لأهمية المنطقة في المعادلة العالمية. وبالضرورة، وضع خطة عمل مشتركة تمكنها من تحييد المنطقة من الاهتزازات والارتجاجات السياسية القائمة ومشاريع التوسع والهيمنة التي تفرضها معادلات الحرب الحالية، وما سينتج منها من مفاوضات؛ واعتمادها سياسة التحالفات التكتيكية والاستراتيجية التي تعزّز هذه المسألة، وأهم بوادرها التمسّك برفض الصراع العسكري، وعدم دخول أتونه مهما كانت الضغوط الممارسة عليها، مع تأكيد أهمية الانفتاح الثقافي والحضاري على العروبة وموقعها من الحضارة العالمية، وهذا مسار تحوّل ثقافي طويل.
وحيث لا يمكن أن يبقى سؤال المصير السياسي انتقائي الإجابة، وحتى لا نبقى رهائن الأيديولوجيات الفضفاضة بالوحدة العربية المزعومة قومياً واستثمارها وظيفياً وسلطوياً، لا بد من تعزيز قيم العروبة ثقافياً ومادياً، وتمكينها من الثقافة العصرية المستمدة من قيم المواطنة المتساوية والحرية السياسية والفكرية، واحترام حرّية التدين والإيمان، وتجاوز عقدة التفتيت الداخلي طائفياً وعرقياً وثقافياً، سهلة الاستثمار خارجياً، للتحكّم بمصيرنا العربي دولاً قائمة. فإن كان الحياد العسكري هو الإجابة السياسية الأبرز لتجنّب الكوارث المحتملة، فالاندفاع باتجاه الإقرار بالأحقية والجدارة والفاعلية والتشاركية الواسعة في الحكم والبناء هي مسؤولية الثقافة العربية في تمكين المواطن العربي، في ظل الدولة الحديثة ذاتية القدرة مادياً وقيمياً. وأكاد أجزم بأن الأخيرة هي سفينة النجاة في هذا البحر المتلاطم من الصراعات الكبرى والتحدّيات العصرية.