في الساعة السابعة مساءً بتوقيت غرينتش يوم الاثنين، نشر دونالد ترامب تغريدة على منصة “تروث سوشال” أعلن فيها أن إسرائيل وحزب الله اتفقا على وقف إطلاق النار. وأوضح أن نتنياهو تعهّد بالتراجع عن التهديد بغزو الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما وافق حزب الله على وقف العمليات. جاء الإعلان بعد ساعات من حالة ذعر شعبي حقيقية، شهدت خلالها طرق جنوب بيروت مشاهد نزوح متسارع؛ عائلات تحمل ما استطاعت من متاع وتهرع نحو الشمال.
لكن ما حدث في الساعات التي سبقت التغريدة كان أكثر إثارة للدهشة من الإعلان ذاته. ترامب أجرى مكالمة محتدمة مع نتنياهو ضغط فيها على الأخير للتراجع عن الخطط العسكرية في لبنان، واستخدم خلالها تعابير خارجة عن البروتوكول الدبلوماسي للتعبير عن استيائه من الهجوم المقترح على بيروت. رئيس أميركي يُلجم رئيس وزراء إسرائيل بالهاتف، ويُرسل في الوقت ذاته رسائل إلى حزب الله عبر وسطاء؛ هذه ليست دبلوماسية اعتيادية. هذه إدارة أزمة في اللحظات الأخيرة.
السؤال الذي تطرحه هذه اللحظة بشكل حاد: من الذي أنقذه ترامب فعلاً؟
للإجابة بأمانة، لا بد من استحضار ما كان يجري قبل التغريدة. منذ آذار – مارس 2026، تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بصورة لافتة على خلفية التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، وأسفرت العمليات عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص ونزوح ما يزيد على مليون لبناني. إسرائيل تجاوزت نهر الليطاني، وسيطرت على مواقع استراتيجية بينها قلعة الشقيف، وهدّدت بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت. حزب الله في المقابل رفض عروض الهدنة الجزئية مُصرّاً على وقف كامل لإطلاق النار يُلزم إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي احتلتها.
الهدنة التي أعلنها ترامب لم تولد من رغبة بالسلام بل من تقاطع مصالح آنية: واشنطن تحمي مسارها التفاوضي وإسرائيل تتجنب مأزق وحزب الله يستثمر اللحظة
وكانت إيران تُراقب وتضغط بطريقتها الخاصة. أعلنت طهران تعليق مفاوضاتها مع واشنطن، مشترطةً تأمين وقف إطلاق النار في لبنان قبل أي اتفاق نووي أشمل. هذا الربط بين ساحتين متباعدتين – مفاوضات هرمز ولبنان – هو ما حوّل التصعيد العسكري في جنوب لبنان إلى ورقة ضغط مباشرة على المسار الدبلوماسي الأمريكي الإيراني الذي يستثمر فيه ترامب رأسماله السياسي.
من منظور واشنطن، كانت المعادلة واضحة وإن كانت مُعقّدة في تنفيذها. التصعيد الإسرائيلي في لبنان يُهدد بتفجير مسارين يُريد ترامب الحفاظ عليهما في آن: المفاوضات مع إيران حول هرمز والملف النووي، والهدنة الهشة في لبنان التي بُنيت بصعوبة منذ نيسان – أبريل. قال ترامب إن “الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز سيُنجز ويُوقَّع خلال الأسبوع القادم”، جملة تكشف أن لبنان في حسابه ورقة إقليمية لا ساحة حرب منفصلة. أي انهيار في بيروت يُفاقم الأزمة في هرمز، وأي انفجار في هرمز يُقوّض أي هدنة في لبنان.
حماية المسار التفاوضي مع إيران كانت إذن الدافع الأعمق وراء التدخل، وهو دافع يخدم واشنطن أولاً، ويُنقذ نتنياهو ثانياً من مغامرة كان من الممكن أن تُثبت مجدداً أن القوة العسكرية الإسرائيلية لا تستطيع تحقيق حسم سياسي في لبنان.
لكن الأكثر إثارةً في هذا التدخل هو ما أثاره داخل إسرائيل. بعد إعلان ترامب، أعلن نتنياهو أن الجيش سيواصل ضرباته في جنوب لبنان “كالمخطط”، وأنكر وزير الدفاع كاتس وجود أي وقف لإطلاق النار. تصريح يُعطي انطباعاً بأن القيادة الإسرائيلية وجدت نفسها في موقف حرج أمام الرأي العام الداخلي: لا تريد الإقرار علناً بأن ترامب أجبرها على الامتثال.
هذا المشهد كان مادة دسمة للمعارضة الإسرائيلية. المنتقدون وصفوا الحكومة بأنها “تحت الوصاية”، وأن نتنياهو يتصرف كـ”دمية” في يد واشنطن. هذه التوصيفات مبالغ فيها في بعض جوانبها – العلاقة بين واشنطن وتل أبيب قائمة على نفوذ متبادل لا على تبعية أحادية – لكنها تلمس حقيقة أعمق: إسرائيل لا تستطيع أن تشنّ حرباً شاملة على لبنان وتهدد بيروت وتُعيد تصعيد الجبهة مع حزب الله دون الحصول على تغطية أمريكية، وحين تُرفع هذه التغطية يبدو الحسم العسكري أمراً مستحيلاً.
لبنان يعرف من تجارب مرّة أن الهدنات الهشة التي تُولد من ضغوط لحظية لا من توافقات بنيوية عمرها محدود، وأن الحريق الذي يُطفأ بسرعة كثيراً ما يعود للاشتعال ثانية
أما حزب الله، فموقفه من هذا التطور أكثر تعقيداً مما يبدو في ظاهره. وافق على المقترح الأميركي القاضي بوقف هجماته على إسرائيل مقابل توقف الضربات على الضاحية، مع توقع توسيع الاتفاق ليشمل كامل لبنان. هذا القبول لا يعني استسلاماً، بل هو توظيف لفرصة سياسية نادرة: حزب الله يجد نفسه طرفاً يتحدث معه مبعوثو البيت الأبيض بصورة غير مباشرة، في خروج لافت عن السياسة الأميركية المُعلنة التي ترفض التواصل مع منظمة مُصنَّفة إرهابية.
هذا التواصل، حتى لو عبر وسطاء، يمنح حزب الله شيئاً لا يُقدَّر بثمن: الظهور كطرف في المعادلة الدولية لا كميليشيا مطلوب تفكيكها. والفارق بين الأمرين فارق وجودي من منظور قوته الداخلية وروايته السياسية.
ما يعكسه هذا المشهد في مجمله هو أن لبنان تحوّل مجدداً إلى ساحة اختبار للمعادلات الإقليمية الأشمل: ما يجري بين إسرائيل وحزب الله بات مرتبطاً بشكل وثيق بما يجري بين واشنطن وطهران وبمستقبل مضيق هرمز. الهدنة التي أعلنها ترامب لم تُولَد من رغبة الطرفين في السلام، بل وُلدت من تقاطع مصالح آنية: واشنطن تُريد إنقاذ المسار التفاوضي، وإسرائيل تتجنب حرباً لا تضمن نتائجها، وحزب الله يُوظّف الضغط الأميركي على تل أبيب لكسب هامش سياسي.
لكن الهشاشة البنيوية لهذه الهدنة تظهر في تفاصيل لا تكذب. وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية أفادت في وقت متأخر من ليل الاثنين باستمرار الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان رغم إعلان ترامب. الميدان لا يلتزم دائماً بما يُعلن في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو تذكير صريح بأن إدارة الأزمات عبر تغريدة لها حدودها الموضوعية.
في التحليل الأخير، التدخل الأميركي في لبنان هذا الاثنين كان مزدوج الوجه بالمعنى الحرفي: أنقذ إسرائيل من مغامرة عسكرية في بيروت كانت ستُوقعها في مأزق لا مخرج سهل منه، وأنقذ حزب الله من ضربة ساحقة كانت ستُوجعه عسكرياً وإن لم تُلغِه. لكن المستفيد الحقيقي من هذا التدخل هو واشنطن ذاتها، التي تحاول أن تُثبت أنها تستطيع إدارة التصعيد الإقليمي بالدبلوماسية لا بالانسحاب.
السؤال الذي يظل مفتوحاً هو ما إذا كانت هذه الإدارة ستُنتج تسوية مستدامة، أم أنها مجرد فاصل يُؤخّر معركة لم تُحسم جذورها بعد. لبنان يعرف من تجارب مرّة أن الهدنات الهشة التي تُولد من ضغوط لحظية لا من توافقات بنيوية عمرها محدود، وأن الحريق الذي يُطفأ بسرعة كثيراً ما يعود للاشتعال ثانية.