يحتاج لبنان إلى إعادة نظر في موقفه من الحرب الدائرة في جنوبه. الحرب نكبة لبنانية تحدث في 2026، وهي أسوأ من نكبة فلسطين في 1948. يعود ذلك إلى أنّ ليس في لبنان من يستوعب ما على المحكّ وأنّ إسرائيل لا تكتفي باحتلال مواقع معيّنة في الجنوب بمقدار ما أنّها راغبة في تجريف عشرات القرى تمهيدا لإقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع لبنان… وتهجير أكبر عدد من شيعة الجنوب في اتجاه مناطق أخرى، في مقدّمها بيروت.
اكتفت إسرائيل في 1948 بتهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم ومصادرة مملكاتهم وأرضهم. عمليات النسف والتجريف كانت قليلة. يُلاحظ في جنوب لبنان، في ضوء الحرب الدائرة، وجود نيّة إسرائيلية في منع السكان من التعرف حتّى على قراهم وبلداتهم. يعني ذلك أن المطلوب، في نهاية المطاف، قيام منطقة عازلة خالية من السكان في جنوب لبنان… أي تغيير طبيعة الجنوب نهائيا. من الواضح، بالنسبة إلى إسرائيل، تلك الرغبة في أن تكون تلك المنطقة العازلة تحت إشرافها الأمني المباشر.
يتلهّى لبنان بما إذا كان الموضوع موضوع مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة وما إذا كان المطلوب تشكيل لجان مشتركة عسكريّة ومدنيّة مع إسرائيل أم لا. يطرح لبنان على نفسه أسئلة تجاوزها الزمن لا علاقة لها بالواقع الأليم الذي يعيش أهل الجنوب في ظلّه. هناك رئيس لمجلس النواب اسمه نبيه برّي يبلغ الـ90 من العمر ما زال يبحث عن مستقبل سياسي في حين عليه اتخاذ موقف واضح ومباشر يساعد في إنقاذ الجنوب أو ما بقي منه. لا يكون ذلك سوى بالتخلص من عقدة إيران من جهة والإلتحاق بالموقف الذي اعتمده رئيسا الجمهوريّة والحكومة جوزف عون ونوّاف سلام من جهة أخرى. هل يعي نبيه برّي الذي لا يزال يعتقد أن في استطاعة لبنان فرض شروط على إسرائيل معنى موازين القوى القائم ومدى أبعاده وأن مستقبل الجنوب كلّه بات في مهب الريح؟
هل من عقل لبناني يستطيع استيعاب تعقيدات المرحلة بعيدا عن كلّ أنواع العقد بما في ذلك أنّ “حزب الله” ليس حزبا لبنانيّا على الرغم من أنّ عناصره لبنانيّة
لا يزال لبنان يعيش في وهم “التحرير”، تحرير العام 2000 الذي كان صفقة إيرانيّة – إسرائيلية بوساطة ألمانية. انسحبت إسرائيل، بموجب تلك الصفقة من جنوب لبنان. الحقيقة أنّه يعيش في عالم آخر لا علاقة له بالواقع الذي فرضته إسرائيل عن طريق الممارسات الوحشية التي يبدو أن لا حدود لها. هذا ليس وقت التلهي بشكل المفاوضات حيث الراعي الأميركي يحاول مساعدة الجانب اللبناني قدر المستطاع. المساعدة الأميركية لا يمكن أن تكون ذات فائدة في غياب محاولة اللبنانيين مساعدة انفسهم والوقوف صفّا واحدا خلف الوفد المفاوض في واشنطن، الوفد السياسي والوفد العسكري.
آن أوان مواجهة الحقيقة، بما في ذلك أن هناك تفاهما أميركيا – إسرائيليا على رفض أي ربط بين الملفّين الإيراني واللبناني. ما لا بدّ من مواجهته أوّلا أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” لا تستطيع أن تفعل شيئا للبنان. كلّ المطلوب، إيرانيا، ممارسة لبنان واللبنانيين من شيعة وغير شيعة، لعبة الانتحار. ليس لبنان سوى ورقة إيرانيّة في المفاوضات التي تجريها طهران مع الولايات المتحدة بغية التوصّل إلى صفقة ما على حساب دول المنطقة.
أكثر من ضروري استيعاب لبنان، على أعلى المستويات، طبيعة المرحلة وطبيعة التغييرات التي شهدها الشرق الأوسط منذ بداية حرب وغزّة وقرار إيران فتح جبهة جنوب. منذ حصول “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023، حصل تحوّل في إسرائيل. لم تعد الدولة العبريّة مستعدة لأي تسويات وإتفاقات، لا مع “حماس” ولا مع “حزب الله” الذي اعتقد أن في استطاعته ممارسة لعبته القديمة تحت عنوان “قواعد الاشتباك”.
لعل لبنان، ممثلا برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، في حاجة إلى إدراك أن الوقت ليس وقت التمسك بالشكليات. المطلوب معرفة الثمن الذي تريده إسرائيل من أجل الانسحاب من جنوب لبنان وما الشروط التي ستفرضها للسماح للسكان بالعودة إلى قراهم وبلداتهم المهددة.
الحزب، حزب إيراني لا هدف له سوى تعطيل المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة بناء على رغبة إيرانية. حسنا، تعطلت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية
لو كان أنور السادات تمسّك بالشكليات، لما كان استعاد سيناء، التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 يوما. ذهب الرئيس المصري الراحل إلى القدس في العام 1977 ودخل في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لمعالجة كل المشاكل العالقة. فعل ذلك بهدف واحد يتمثّل في التوصل إلى انسحاب إسرائيلي من كلّ سيناء. دفع الثمن المطلوب. الثمن كان معاهدة سلام وقعت في آذار – مار 1979.
بالنسبة إلى لبنان، يتعلّق الأمر، بكل بساطة، بأنّ بقاء إسرائيل في قلعة الشقيف، بما تمتلكه من أهمّية إستراتيجية، ورقة في غاية الأهمّية وعنوانا لمرحلة جديدة لا مفرّ من التعاطي معها بديلا من الجدل الذي لا طائل منه في شأن كيفية إجراء المفاوضات.
هل يستطيع لبنان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جنوبه وإبقاء الأمل بعودة الجنوبيين إلى أرضهم يوما بدل أن تتكرر نكبة فلسطين على أرضه؟ هذا ممكن في حال تجاوز الشكليات والذهاب إلى لب الموضوع . لبّ الموضوع التخلّص من الاحتلال بغض النظر عن الثمن الذي لا مفرّ من دفعه… والتخلّص منسلاح “حزب الله” الذي لم يأت سوى بالخراب والدمار والذلّ للبنان واللبنانيين، بمن في ذلك أبناء الطائفة الشيعيّة. بقاء السلاح يعني بقاء الاحتلال واستمرار الممارسات الإسرائيلية الذي يدفع لبنان بكلّ مكوناته ثمنها!
هل من عقل لبناني يستطيع استيعاب تعقيدات المرحلة، إقليميا ودوليا بعيدا عن كلّ أنواع العقد، بما في ذلك أنّ “حزب الله” ليس حزبا لبنانيّا، على الرغم من أنّ عناصره لبنانيّة.
الحزب، حزب إيراني لا هدف له سوى تعطيل المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة بناء على رغبة إيرانية. حسنا، تعطلت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. هل لدى لبنان طريقة أخرى لاستعادة أرضه، أم المطلوب عودة الاحتلال وتكريسه كي يبرّر “حزب الله” الاحتفاظ بسلاحه، الذي هو في نهاية المطاف مجرد سلاح موجه إلى الداخل اللبناني؟