العرب اللندنية
ترامب للإيرانيين: حان وقت الاتفاق
واشنطن – أعلن الرئيس دونالد ترامب الأحد أن وفدا أميركيا سيتوجه إلى إسلام آباد الاثنين لاستئناف المباحثات بشأن إنهاء الحرب مع إيران، وسط مخاوف أوروبية من أن يفضي إبرام اتفاق سريع إلى مأزق فني.
وكتب ترامب في منشور على منصته تروث سوشال “يتوجه ممثلون عني الى إسلام آباد في باكستان. سيكونون هناك مساء الغد (الاثنين)، للمفاوضات”، مضيفا أنه يعرض على إيران “اتفاقا معقول”.
وبينما اتهم الجمهورية الإسلامية بخرق الاتفاق الراهن لوقف إطلاق النار في مضيق هرمز، حذّر ترامب من أن “الولايات المتحدة ستدمّر كل محطة لإنتاج الطاقة، وكل جسر في إيران” ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يضع حدا نهائيا للحرب. وأضاف “لا مزيد من السيد اللطيف!”.
وفي تهديده الجديد، كتب الرئيس الأميركي إن الجسور ومحطات الطاقة “سوف تسقط بسرعة، وستسقط بسهولة”. وتابع “إذا لم يقبلوا بالصفقة، يشرّفني أن أفعل ما يجب فعله، وهو ما كان ينبغي على رؤساء آخرين القيام به تجاه إيران خلال السنوات السبع والأربعين الماضية”.
ورغم لهجة الوعيد التي يتبناها الرئيس الأميركي، لكن محللين ومسؤولين يتفقون على أن هاجس الرئيس الأميركي هو إنهاء الحرب حتى وإن كان باتفاق منقوص.
وقال دبلوماسيون لديهم خبرة سابقة في التعامل مع طهران إن الحلفاء الأوروبيين يخشون أن يضغط فريق التفاوض الأميركي الذي لا يتمتع بالخبرة من أجل التوصل إلى اتفاق إطاري سريع يتصدر العناوين مع إيران، وهو اتفاق قد يؤدي إلى ترسيخ أكبر المشكلات بدلا من حلها.
آنا كيلي: للرئيس ترامب سجل حافل في إبرام اتفاقات جيدة نيابة عن الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى اتفاق يضع أميركا أولا
ويخشون من أن واشنطن، في سعيها الحثيث لتحقيق انتصار دبلوماسي للرئيس دونالد ترامب، قد تبرم اتفاقا سريعا بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات لا يعالج جميع القضايا الرئيسية، ثم تعاني بعد ذلك لأشهر أو سنوات من مفاوضات لاحقة معقدة من الناحية الفنية.
وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو واحد من ثمانية دبلوماسيين تحدثوا لرويترز وعملوا سابقا على الملف النووي أو ما زالوا يعملون عليه “القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق.. بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيء يجلب مشاكل لا حصر لها في المستقبل”.
وردا على سلسلة من الأسئلة التي وجهتها رويترز، وتناولت أسلوب التفاوض والفريق التفاوضي والأهداف والمخاطر المحتملة لإبرام اتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات.
وقالت المتحدثة آنا كيلي “للرئيس ترامب سجل حافل في إبرام اتفاقات جيدة نيابة عن الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى اتفاق يضع أميركا أولا”.
ويتهم دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بتهميش بلدانهم التي كانت بدأت التفاوض مع إيران في عام 2003.
وبين عامي 2013 إلى عام 2015، عملت الدول الثلاث مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق بشأن الحد من برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات، وهو ما يعرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.
وانسحب ترامب من الاتفاق، وهو اتفاق السياسة الخارجية الأبرز بالنسبة لسلفه باراك أوباما، في عام 2018 خلال ولايته الأولى واصفا إياه بأنه “أحادي الجانب بشكل رهيب”.
وبعد شن غارات جوية على مدى 40 يوما، بدأ المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة بين فرض قيود على البرنامج النووي مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية.
ويقول دبلوماسيون إن انعدام الثقة البالغ وأساليب التفاوض المتباينة بشدة تزيد من خطر وضع إطار هش لا يستطيع أي من الطرفين الحفاظ عليه سياسيا.
وقالت فيديريكا موجيريني التي نسقت المحادثات من 2013 إلى 2015 “استغرق الأمر منا 12 عاما وعملا تقنيا هائلا. هل يعتقد أحد فعلا أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟”.
ويرى الدبلوماسيون أن التوصل إلى اتفاق إطاري قد يكون ممكنا، على أساس حزمة نووية وأخرى اقتصادية. لكنهم حذروا من أن الملف النووي لا يزال الأكثر إثارة للخلاف.
وذكر دبلوماسي أوروبي آخر “يعتقد الأميركيون أن بوسعهم الاتفاق على ثلاث أو أربع نقاط في وثيقة من خمس صفحات وهذا كل شيء، لكن في الملف النووي، يفتح كل بند الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى”.
وتركز المحادثات على مخزون إيران الذي يبلغ حوالي 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمائة، وهو مادة يمكن استخدامها في صنع عدة أسلحة نووية إذا جرى تخصيبها أكثر.
والخيار المفضل هو “تخفيف التركيز” داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهناك خيار آخر يتمثل في نهج هجين، يجري بموجبه شحن بعض اليورانيوم إلى الخارج.
وطرحت تركيا وفرنسا باعتبارهما وجهتين محتملتين. وقال اثنان من الدبلوماسيين إن شحن اليورانيوم إلى الولايات المتحدة سيكون من الصعب قبوله سياسيا بالنسبة لإيران، في حين لا تفضل واشنطن إرسال المواد لروسيا.
وحتى هذه الخيارات ستتطلب مفاوضات مطولة حول استعادة المواد التي ربما دفنت جراء الغارات الجوية والتحقق من الكميات ونقلها بأمان.
وطرحت إيران أيضا فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة محددة. وقال دبلوماسي غربي شارك سابقا في المحادثات النووية “أيا كان ما يحدث الآن، فهو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب وصل عدد صفحات خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 إلى 160 صفحة”.
وإلى جانب المخزونات، يدور الخلاف الأعمق حول حق إيران من الأساس في تخصيب اليورانيوم. ودفع ترامب علنا باتجاه وقف التخصيب تماما، في حين تصر إيران على أن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وتنفي سعيها إلى امتلاك قنبلة نووية.
وقد يكون أحد الحلول الوسط الممكنة هو وقف مؤقت يتبعه استئناف التخصيب بمستويات منخفضة للغاية في ظل شروط صارمة. وشدد الأوروبيون على أن الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يتضمن التحقق الدقيق والوصول غير المقيد، أمر ضروري.
وقال جيرار آرو كبير المفاوضين الفرنسيين بين عامي 2006 و2009 “المفاوضات مع إيران شديدة الدقة والتعقيد: كل كلمة مهمة.. هذا ليس شيئا يمكنك الاستعجال فيه”.
الأميركيون يعتقدون أن بوسعهم الاتفاق على ثلاث أو أربع نقاط في وثيقة من خمس صفحات وهذا كل شيء، لكن في الملف النووي، يفتح كل بند الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى
ويركز المسار الاقتصادي على رفع العقوبات والتجميد عن الأصول الإيرانية. وعلى المدى القريب، تريد إيران الوصول إلى أموال محدودة مجمدة في الخارج. ويقول دبلوماسيون إن رفعا أوسع نطاقا للعقوبات سيأتي لاحقا ويتطلب موافقة ومشاركة أوروبية إذ يعتبر القادة الإيرانيون التجارة الأوروبية ملفا حيويا على المدى البعيد.
ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجددا بين التوصل لاتفاق من حيث المبدأ عن العمل اللاحق المضني على التفاصيل، وهو نهج يقولون إنه يسيء فهم الثقافة السياسية الإيرانية.
وقال دبلوماسي كبير من المنطقة أطلعته طهران على المستجدات “تلك المحادثات ليست اتفاقا عقاريا يبرم بتبادل المصافحة” في إشارة لخلفيات مفاوضي ترامب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وتابع قائلا “تتضمن (المحادثات) تتابعا ورفعا للعقوبات وخطوات نووية في المقابل”.
وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب شددت من موقف إيران بعد أن أظهرت أن بوسع طهران تحمل الضغط حتى وهي تسعى لتخفيف القيود والعقوبات المالية.
والمطلب الأهم لطهران هو ضمان عدم تعرضها لاعتداءات مجددا بعد أن تعرضت للهجوم من الولايات المتحدة وإسرائيل وقت بذل جهود دبلوماسية سابقة.
وهناك أيضا مخاوف لدى حلفاء للولايات المتحدة. وتريد دول خليج عربية معالجة ملفات مثل الصواريخ الباليستية الإيرانية وأنشطة الجماعات المسلحة الموالية لها في الشرق الأوسط، فيما تضغط إسرائيل من أجل فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.
وعلى النقيض من ذلك، ترى إيران أن ما تبقى لها من القدرات الصاروخية هو رادع لا غنى عنه بعد أن أضعفت الحرب قواتها. ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بالتخلي الكامل عنها سيكون غير واقعي دون ضمانات أمنية أوسع.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب إن خطوط واشنطن الحمراء تشمل وقف عمليات تخصيب اليورانيوم وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى والحصول على اليورانيوم عالي التخصيب وقبول إطار عمل أوسع نطاقا للتهدئة يشمل حلفاء في المنطقة.
وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم همشوا أنفسهم بطرق منها ضغطهم العام الماضي لإعادة فرض عقوبات من الأمم المتحدة وبإدراج الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية. لكنهم يقولون إن إيران تقدر قرارهم البقاء بعيدا عن الحرب.
ولفت مسؤول أوروبي “ببساطة، لا توجد خبرة كافية في هذا الفريق الأميركي… عملنا على هذا الملف لعقدين”، وأشار إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير مالي ونووي شاركوا في المحادثات التي أفضت لإبرام اتفاق 2015.
وذكر مسؤول في البيت الأبيض أن مسؤولين من مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية الدفاع حضروا محادثات إسلام آباد ولا يزالون مشاركين في جهود إبرام اتفاق.