ليلى نقولا. .. المدن، تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة في لحظة استثنائية من التحولات الإقليمية والدولية. على الصعيد الرسمي، تركز القمة على قضايا الدفاع الجماعي، وزيادة الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعة الدفاعية للحلف، واستمرار الدعم لأوكرانيا، إلا أن أهميتها الفعلية تتجاوز هذه العناوين المباشرة، لأنها تأتي في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط إعادة رسم لموازين القوى بعد سلسلة من المتغيرات الكبرى خلال فترة 2023- 2026، وهذا ما أعاد إلى الواجهة تنافساً محموماً على الهيمنة الإقليمية.
وتكتسب استضافة تركيا للقمة أهمية خاصة لموقع تركيا ومكانتها الإقليمية، خاصة بعد أن أصدر الأتراك وثيقة الأمن القومي الجديدة في بداية عام 2026، حيث عملوا على تحديث تصوّرات التهديد بما يؤدّي إلى “إعادة هندسة” شاملة لمفهوم الأمن القومي التركي.
وتتبنّى المقاربة التركية الجديدة مبدأ “الأمن العابر للحدود”، أو ما يُعرف بـ”الدفاع المتقدّم”، حيث تسعى إلى حماية الأمن القومي بعيداً عن الحدود الجغرافية التركية عبر الربط العضوي بين الأمن الوطني والانخراط النشط في دوائر النفوذ الثلاث: الآسيوية، والأوروبية، والأفريقية.
وفي السياق الشرق أوسطي، سوف تؤثر مخرجات قمة الناتو على مستقبل ودور تركيا في الملفات التالية:
شرق المتوسط: البعد الجيوسياسي الأكثر خطورة
خلال العقد الماضي تحول شرق المتوسط من منطقة بحرية هامشية نسبياً إلى فضاء استراتيجي يرتبط بأمن الطاقة وطرق النقل البحري ومشاريع الربط الاقتصادي بين أوروبا والشرق الأوسط.
تنظر تركيا إلى نفسها باعتبارها القوة البحرية الرئيسية في شرق المتوسط، وترفض الترتيبات الإقليمية التي تتجاوز مصالحها أو تستبعدها من مشاريع الطاقة والنقل، ومنها الاتفاقيات التي تقوم بها قبرص واليونان مع دول المنطقة.
وعليه، إن التنافس في شرق المتوسط لا يتعلق فقط بترسيم الحدود البحرية أو بخطوط نقل الغاز وتقاسم الثروات في البحر، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يمتلك القدرة على التحكم بالممرات الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط الشرق الأوسط بأوروبا.
بالنتيجة، تسعى تركيا من خلال قمة الناتو إلى اكتساب شرعية سياسية إضافية ومكانة متقدمة داخل البنية الأمنية الغربية، وهو أمر تسعى لتكريسه منذ سنوات، أي تثبيت موقعها باعتبارها قوة إقليمية مستقلة تمتلك القدرة على التأثير في الملفات الممتدة من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
التنافس مع إسرائيل
كانت لافتة دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العلنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عدم إعادة فتح الباب أمام تركيا للحصول على مقاتلات “إف-35” الشبحية. وأكد نتنياهو أن أمن منطقة الشرق الأوسط يرتكز على التفوق الجوي الإسرائيلي والقوة العسكرية الأميركية، وأن تزويد تركيا بهذه الأسلحة من شأنه أن يعرّض هذا التوازن للخطر.
على مدى سنوات، كانت إسرائيل تعتبر أن التهديد الرئيسي لموقعها الإقليمي يتمثل في إيران وشبكة حلفائها المنتشرين في المنطقة. وقد هيمنت هذه المقاربة على التفكير الأمني الإسرائيلي لعقود. لكن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل على تحقيق أهداف الحرب على إيران المعلنة بالكامل، وعدم قدرة إسرائيل على إنهاء ما أسماه نتنياهو “المحور الشيعي المتهالك”، جعل الإسرائيليين (الذين يبحثون عن حروب دائمة) ينتقلون مباشرة إلى إظهار العداء لتركيا، مؤكدين على عدم السماح لأي قوة إقليمية بتهديد الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
من الزاوية الإسرائيلية، تبدو تركيا في موقع مختلف عن سائر القوى الإقليمية التي يمكن لها منافسة إسرائيل. فهي لا تواجه عزلة دولية، ولا قوة تقع خارج المنظومة الغربية، بل عضو في الناتو ويتمتع بعلاقات مؤسساتية عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه يمتلك مشروعاً إقليمياً واضحاً يسعى إلى توسيع نفوذه السياسي والأمني والاقتصادي.
وهنا تكمن خصوصية التنافس التركي الإسرائيلي، فالمشكلة بالنسبة إلى إسرائيل ليست وجود دولة قوية في جوارها، بل ظهور قوة إقليمية قادرة على الجمع بين الشرعية الغربية والقدرة على التأثير المباشر في ملفات الشرق الأوسط.
مستقبل سوريا
لا تكمن أهمية سوريا فقط من موقعها الجغرافي على حدود لبنان والعراق وفلسطين المحتلة والأردن وتركيا، بل من كونها الدولة التي ستحدد طبيعة التوازنات في المشرق العربي لعقود مقبلة. فالقوة التي ستنجح في التأثير على مؤسسات الدولة السورية الجديدة واتجاهاتها الاستراتيجية المستقبلية ستتمتع بأفضلية مهمة في رسم معادلات المنطقة.
من هنا، يمكن فهم التنافس التركي- الإسرائيلي في سوريا باعتباره صراعاً على شكل النظام الإقليمي الذي سيتولد من الواقع السوري الجديد. تسعى تركيا إلى رؤية سوريا مستقرة ومرتبطة بمحيطها الإقليمي وبشبكات اقتصادية وأمنية تكون تركيا جزءاً أساسياً منها.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي تمركز واسع للنفوذ التركي قرب حدودها باعتباره متغيراً استراتيجياً ينبغي الحد من تأثيره، ويفضل صانع القرار الإسرائيلي استخدام الضغوط الأميركية على الحكم السوري الجديد، لإشراكه في مهمات ضد حزب الله ولاحقاً ضد “الحشد الشعبي”، تسهم في تخفيف العبء عن الجيش الإسرائيلي في القتال (وهو ما ترفضه القيادة السورية الجديدة لغاية الآن).
في النتيجة، إذا خرجت تركيا من القمة بوصفها الشريك الأمني الأكثر أهمية للحلف في الجناح الجنوبي، فإن ذلك سيعزز موقعها التفاوضي في مختلف الملفات الإقليمية، وسوف يصبح التعامل معها، بالنسبة إلى القوى الغربية، جزءاً من ضرورات الاستقرار الإقليمي. إذا تحقق هذا الهدف، فإن ذلك يمثّل تحدياً لهيمنة إسرائيل وتفوقها في المنطقة الذي ارتكز تاريخياً على دور إسرائيل بوصفها “الدولة الوظيفية” والقاعدة المتقدمة للغرب في المنطقة. مع ذلك، لا يعني تعزيز موقع تركيا داخل الناتو بالضرورة تراجع مكانة إسرائيل بشكل مطلق، إذ لا تزال الأخيرة تتمتع بشراكة استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن تفوقها العسكري النوعي.