تحسين العلاقات مع الدول الغنية بالطاقة ورؤوس الأموال ضرورة إستراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي. وبالتالي، يصبح الانفتاح على الخليج، وإعادة التوازن في العلاقات الإقليمية، جزءاً من إستراتيجية أوسع لدعم الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
أنقرة- تشهد السياسة الخارجية التركية تحوّلا عميقا يعكس إعادة صياغة شاملة لدور أنقرة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، في انتقال يبدو من بين الأهم منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم مطلع الألفية الجديدة. فبعد سنوات طويلة طغت فيها الاعتبارات الأيديولوجية والطموحات المرتبطة بتوسيع النفوذ الإقليمي على خيارات السياسة التركية، تتجه أنقرة اليوم نحو مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تغليب المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية على رهانات الاصطفاف السياسي والعقائدي.
ولا يبدو هذا التحول مجرد مناورة ظرفية فرضتها ضغوط مؤقتة، بل يعكس مراجعة بنيوية لخيارات السياسة الخارجية التركية في ضوء متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، إلى جانب تحديات اقتصادية داخلية دفعت صانع القرار في أنقرة إلى إعادة ترتيب الأولويات. فتركيا التي راهنت خلال العقد الماضي على بناء نفوذ واسع عبر دعم قوى الإسلام السياسي والانخراط المباشر في أزمات المنطقة، وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية مختلفة، يتراجع فيها منطق المحاور العقائدية لصالح حسابات الاستقرار والطاقة والتوازنات الجيوسياسية.
وخلال سنوات ما بعد “الربيع العربي”، تبنت أنقرة سياسة خارجية هجومية نسبياً، مستندة إلى تصور يقوم على استثمار التحولات السياسية في العالم العربي لبناء مجال نفوذ تركي واسع يمتد من شمال أفريقيا إلى المشرق العربي. وقد تجسد هذا التوجه في دعم واضح لقوى ذات مرجعية إسلامية سياسية في مصر وتونس وليبيا وسوريا، إلى جانب توسيع الحضور العسكري والدبلوماسي التركي في مناطق مختلفة.
لكن هذه السياسة اصطدمت تدريجياً بواقع إقليمي أكثر تعقيداً. فالتغيرات التي شهدتها المنطقة، وصعود قوى مضادة لهذا التوجه، إضافة إلى تصاعد التوترات مع دول عربية وأوروبية، دفعت تركيا إلى حالة من العزلة النسبية في بعض المراحل. كما أدت التوترات الحادة في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص وفرنسا إلى زيادة الضغوط على أنقرة، خصوصاً مع دخول ملف الطاقة والغاز البحري إلى قلب التنافس الجيوسياسي في المنطقة.
وفي سوريا، وجدت تركيا نفسها منخرطة في ملف بالغ التعقيد، حيث تشابكت الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحدود الجنوبية مع الصراع على النفوذ الإقليمي والدولي. أما في ليبيا، فقد تحولت أنقرة إلى أحد أبرز اللاعبين الخارجيين عبر دعمها العسكري والسياسي لحكومة الوفاق في طرابلس، وهو ما منحها نفوذاً مهماً في غرب البلاد، لكنه وضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية أخرى.
ومع مرور الوقت، بدا واضحاً أن كلفة هذا النهج تتجاوز المكاسب التي حققها. فالتوترات السياسية انعكست على الاقتصاد التركي الذي دخل مرحلة صعبة اتسمت بارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة الليرة والحاجة المتزايدة إلى تدفقات استثمارية أجنبية. وهنا بدأ التحول التدريجي في مقاربة السياسة الخارجية، حيث اتجهت أنقرة نحو تخفيف التوترات وإعادة بناء العلاقات مع خصوم الأمس.
ويُعد التقارب التركي مع مصر أحد أبرز مؤشرات هذا التحول. فبعد أكثر من عقد من القطيعة السياسية الحادة التي أعقبت الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في القاهرة، عادت الاتصالات بين البلدين تدريجياً وصولاً إلى تبادل الزيارات الرسمية وإطلاق مسار تطبيع سياسي وأمني واقتصادي. ويعكس هذا التقارب إدراكا متبادلا بأن استمرار القطيعة لم يعد يخدم مصالح الطرفين، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بشرق المتوسط والطاقة والأمن البحري.
كما أن هذا التقارب لا يقتصر على البعد الثنائي فقط، بل يحمل دلالات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فتركيا تدرك أن أي حضور فعّال في شرق المتوسط لا يمكن أن يتحقق في ظل خصومة مفتوحة مع القاهرة، التي باتت لاعبا محوريا في معادلات الغاز والتحالفات البحرية. لذلك تبدو البراغماتية هنا خيارا إستراتيجيا أكثر منها مجرد تهدئة سياسية مؤقتة.
وفي السياق نفسه، شهدت العلاقات التركية مع السعودية والإمارات تحولاً لافتاً. فبعد سنوات من التوتر الحاد والخلافات السياسية المرتبطة بملفات إقليمية متعددة، انتقلت العلاقات إلى مرحلة جديدة عنوانها التعاون الاقتصادي والاستثماري. وقد تُرجمت هذه المرحلة عبر اتفاقيات تجارية واستثمارات ضخمة وتنسيق سياسي متزايد في بعض الملفات.
ويكشف هذا التحول عن إدراك تركي متزايد لأهمية دول الخليج باعتبارها شريكا اقتصاديا واستثماريا أساسيا في مرحلة تحتاج فيها أنقرة إلى دعم مالي واستثمارات خارجية تساعدها على تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية. وفي المقابل، تبدو دول الخليج أيضا أكثر استعدادا للتعامل مع تركيا من منطلق المصالح الاقتصادية والإستراتيجية، بعيداً عن التوترات الأيديولوجية السابقة.
◄ بعد أكثر من عقد من القطيعة السياسية الحادة التي أعقبت الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في القاهرة، عادت الاتصالات بين تركيا ومصر تدريجياً وصولاً إلى تبادل الزيارات الرسمية
أما في ليبيا، فإن التحول التركي يبدو أكثر تعقيداً وحساسية. فأنقرة التي كانت لسنوات داعما رئيسيا لمعسكر غرب ليبيا، بدأت في السنوات الأخيرة إظهار انفتاح أكبر على قوى الشرق الليبي، بما في ذلك الأطراف المرتبطة بالمشير خليفة حفتر. ويعكس هذا الانفتاح انتقال السياسة التركية من منطق الاصطفاف الحاد إلى منطق إدارة التوازنات، خاصة مع استمرار الانقسام الليبي وفشل المسارات السياسية في إنتاج تسوية نهائية.
ولا يعني ذلك أن تركيا تخلت عن نفوذها في غرب ليبيا أو عن مصالحها العسكرية والاقتصادية هناك، لكنها باتت أكثر ميلاً إلى توسيع هامش المناورة وبناء قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الليبية. وهو ما يسمح لها بالحفاظ على حضورها بغض النظر عن طبيعة التحولات السياسية المستقبلية داخل ليبيا.
ويرتبط هذا التحول أيضا بملف الطاقة في شرق المتوسط، الذي أصبح أحد أهم محددات السياسة الإقليمية في السنوات الأخيرة. فتركيا التي دخلت في مواجهات سياسية ودبلوماسية حادة مع عدد من الدول بسبب الخلافات حول الحدود البحرية وحقوق التنقيب، باتت اليوم تعتمد مقاربة أكثر هدوءا تقوم على تجنب التصعيد العسكري وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أدوات الضغط العسكرية والدبلوماسية.
وتدرك أنقرة أن معادلات الطاقة الجديدة في شرق المتوسط تفرض عليها التحرك بمرونة أكبر، خصوصا أن استبعادها من مشاريع إقليمية كبرى قد يحمل تداعيات اقتصادية وإستراتيجية بعيدة المدى. لذلك تحاول تركيا اليوم الجمع بين حماية مصالحها البحرية وتخفيف حدة التوترات التي أرهقت علاقاتها مع أوروبا ودول المنطقة.
ولا يمكن فهم هذا التحول التركي بعيدا عن التغيرات الأوسع في النظام الدولي. فالعالم يشهد تحولات متسارعة تتراجع معها الأحادية القطبية لصالح نظام أكثر تعددية، ما يمنح القوى الإقليمية مساحة أوسع للمناورة وإعادة التموضع. وقد استفادت تركيا من هذه البيئة الجديدة لمحاولة بناء سياسة أكثر استقلالية، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.
وتظهر هذه المقاربة بوضوح في تعامل أنقرة مع الحرب في أوكرانيا، حيث حافظت على علاقات مع روسيا رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه واصلت التعاون مع الغرب في ملفات أمنية وإستراتيجية متعددة. وتعكس هذه السياسة رغبة تركيا في لعب دور “القوة الوسيطة” القادرة على التحرك بين المعسكرات المختلفة دون الانخراط الكامل في أي منها.
وداخليا، يبقى العامل الاقتصادي أحد أهم دوافع هذا التحول. فالأزمة الاقتصادية التي تواجهها تركيا دفعت القيادة السياسية إلى إعطاء أولوية للاستقرار المالي وجذب الاستثمارات وتحسين العلاقات مع الشركاء الاقتصاديين الإقليميين. وبالتالي، أصبح الانفتاح على الخليج، وتهدئة الخلافات مع دول المنطقة، جزءا من إستراتيجية أوسع تهدف إلى حماية الاقتصاد التركي من مزيد من الضغوط.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن تركيا تخلت عن طموحاتها الجيوسياسية أو عن سعيها إلى لعب دور إقليمي مؤثر، بل يبدو أن أنقرة أعادت تعريف أدوات هذا الدور، بحيث لم يعد قائماً على المواجهة الأيديولوجية المباشرة، بل على إدارة النفوذ عبر الدبلوماسية المرنة، والتفاهمات الأمنية، والشراكات الاقتصادية، والحضور العسكري المحدود عند الضرورة.
كما تعكس السياسة التركية الجديدة إدراكا متزايدا بأن المنطقة لم تعد تحتمل تحالفات جامدة أو اصطفافات طويلة الأمد. فالتقلبات السريعة في موازين القوى، وتشابك المصالح، وتعدد الأزمات، تجعل من البراغماتية خيارا أكثر واقعية واستدامة. ولذلك تبدو أنقرة اليوم أكثر استعدادا لإعادة تقييم مواقفها باستمرار وفقا لمعادلات المصلحة لا وفقا لاعتبارات الأيديولوجيا وحدها.
وفي المحصلة، تمر تركيا بمرحلة إعادة تموضع إستراتيجية قد تعيد رسم دورها الإقليمي خلال السنوات المقبلة. فهذا الانتقال من السياسة الأيديولوجية إلى سياسة المصالح يمنح أنقرة هامشا أوسع للحركة ويخفف من عزلتها السابقة، لكنه يضعها أيضا أمام تحديات معقدة تتعلق بالحفاظ على توازن دقيق بين الطموحات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية الداخلية.
وتبقى قدرة تركيا على إنجاح هذا التحول مرتبطة بمدى قدرتها على إدارة شبكة التناقضات الإقليمية والدولية المحيطة بها، دون الانزلاق مجدداً إلى سياسات الاستقطاب الحاد. فأنقرة تدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها “البراغماتية الواقعية”، وهي مرحلة قد تمنحها فرصة لاستعادة نفوذها الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تختبر قدرتها على التحول من قوة صدامية إلى قوة توازنات قادرة على التكيف مع شرق أوسط سريع التغير، لا مكان فيه للسياسات الجامدة أو الرهانات المفتوحة بلا سقف.