منذ هجوم “حماس” على غلاف غزّة، في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وحكومة بنيامين نتنياهو تنتقل من حرب إلى أخرى. لم تكتفِ باجتياح غزّة وتدميرها، بل فعلت الأمر نفسه في جنوب لبنان تحت عنوان تأمين حدودها الجنوبيّة والشماليّة. ثمّ حرّضت واشنطن على إيران، ونجحت بإشعال الحرب المباشرة معها، عامَي 2025 و2026. وقبل تحقيق الأهداف في طهران، “تحرّشت” بأنقرة وقصفت مطار أبو الظهور في شماليّ سوريا وكأنّها تمهّد الطريق لحرب جديدة. فهل الخطّة الآن تدمير كلّ القوى الصاعدة في المنطقة، وهل هذا هو الفخّ الذي حذّر منه الباحث الأميركيّ في جامعة هارفرد غراهام أليسون؟
عُرف الباحث الأميركيّ غراهام أليسون في جامعة هارفرد أواخر الستّينيّات وأوائل السبعينيّات بدراسة كيفيّة صنع القرار السياسيّ، لا سيما في أوقات الأزمات. ثمّ بات محلّلاً بارزاً في مجال الأمن القوميّ الأميركيّ والسياسة الدفاعيّة، مع اهتمام خاصّ بالأسلحة النوويّة والإرهاب. لكنّه في عام 2012 اخترع مصطلح “فخّ ثوسيديدس”، للتحذير من حرب محتملة بين الولايات المتّحدة والصين، وذلك في مقالة له في “الفايننشل تايمز”.
عام 2017، وسّع فكرته في كتاب حمل عنوان: نحو الحرب حتماً: هل يمكن أميركا والصين تجنّب فخّ ثوسيديدس؟
في لقاء القمّة الذي تمّ في بكّين أيّار الماضي، حذّر الرئيس الصينيّ شي جين بينغ ضيفه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من الوقوع في هذا الفخّ تحديداً. فمن هو ثوسيديدس؟ ما هو الفخّ؟ هل الصدام حتميّ تاريخيّاً بين أيّ قوّة صاعدة وقوّة مهيمنة؟ هل ينطبق هذا المعنى على التوتّر الحاليّ بين تركيا وإسرائيل؟
صراع بين القوّة الصّلبة والقوّة النّاعمة
ثوسيديدس هو مؤرّخ يونانيّ كتب عن الحرب التي وقعت في بلاده بين أثينا وحلفائها وإسبارطة وحلفائها، في القرن الخامس قبل الميلاد. وعُرفت بـ”الحرب البيلوبونيزيّة”، نسبة إلى النطاق الجغرافيّ الذي وقعت فيه أحداثها. وقد انتصرت فيها إسبارطة ذات الطابع العسكريّ الزائد على أثينا ذات الحكم الديمقراطيّ والمجتمع التجاريّ المنفتح. أمّا الفخّ الذي تحدّث عنه غراهام أليسون فيستند إلى كتاب ثوسيديدس عن تلك الحرب.
كانت إسبارطة متفوّقة بالقوّة الصلبة، في حين أنّ أثينا كانت متفوّقة أكثر بالقوّة الناعمة، مع قدرتها على جذب الحلفاء. وهذا هو الفخّ الذي ذكره المؤرّخ اليونانيّ، وتبنّاه الباحث الأميركيّ، بعد دراسة الصراعات بين الدول في آخر خمسة قرون. فكلّما صعدت قوّة في نطاق جغرافيّ محدّد، وبدأت تهدّد مكانة قوّة مهيمنة فيه، فإنّ ذلك مدعاة لحرب حتميّة بين القوّتين إلّا في حالات قليلة. فهل الصراع حتميّ عندما تتنافس قوّتان، واحدة صاعدة وثانية مهيمنة؟
يقول أليسون إنّ مشروع جامعة هارفرد تتبّع هذه الحالة على مدى القرون الخمسة الماضية، ومن مجموع 16 حالة من التصادم المحتمل بين قوّة صاعدة وقوّة مهيمنة، انتهت 12 حالة منها بوقوع الحرب فعلاً بين القوّتين. من بين الأمثلة التنافس بين البرتغال وإسبانيا على المستعمرات في القرن الخامس عشر من دون وقوع حرب بينهما. وانتهى بحرب التنافس بين هولندا وإنكلترا في البحر في القرن السابع عشر، وبين فرنسا وإنكلترا في القارّة الأوروبيّة في القرن التاسع عشر. وعلى هذا، كيف يمكن الفرار من هذا الفخّ بالنسبة للولايات المتّحدة والصين على وجه التحديد؟
يجيب أليسون: على القوّة الصاعدة، ويقصد هنا الصين، أن تخفّض من سقف طموحاتها، وعلى القوّة المهيمنة، أي الولايات المتّحدة، أن تتعايش مع وضع الثنائيّة القطبيّة، فتكون مع الصين في الطليعة، أو يؤدّي حادث في البحر إلى نشوب حرب كبرى بينهما. فهل تنطبق هذه المعادلة على الصراعات الإقليميّة بين إسرائيل وإيران الآن، وبين إسرائيل وتركيا غداً، وربّما مع دولة صاعدة أخرى في المنطقة؟
ليست المعادلة محصورة أصلاً في الصراع على قيادة العالم، والنظريّة مستقاة من صراع تاريخيّ محلّيّ في اليونان. فلِم لا تُفهم النزعة الإسرائيليّة الصداميّة الزائدة منذ ثلاث سنوات على الأقلّ اقتراباً حثيثاً ومقصوداً من الفخّ الذي حذّر منه الباحث الأميركيّ؟
إسرائيل “إسبارطة” الحديثة؟
هل يمكن مقارنة إسرائيل بإسبارطة اليونانيّة ذات النظام العسكريّ الصارم؟
من الواضح أنّ إسرائيل كانت وما تزال القوّة المهيمنة في المنطقة، على الأقلّ منذ هزيمة مصر وسوريا أمامها في الحرب الخاطفة عام 1967. نظام التجنيد لديها هو الأعلى بالمقارنة مع دول المنطقة حتّى إنّ اعتمادها الأساسيّ على جنود الاحتياط، مع جيش دائم أقلّ حجماً مكوّن من المنضوين في سلك التجنيد الإلزاميّ. والجيش الإسرائيليّ الذي كان مجموعة ميليشيات قبيل حرب 1948، هو الذي أنشأ الدولة. لكنّ حجم الجيش لدى إعلان الدولة كان يشكّل 20% من عدد السكّان اليهود، وعددهم آنذاك 700 ألف. وهو ما لا تقدر إسرائيل على تحمّل أعبائه الاقتصاديّة، فكان اعتماد النموذج السويسريّ، أي جيش المواطنين.
تفاقمت المشكلة قبيل “طوفان الأقصى”، مع تراجع الاهتمام الإسرائيليّ بالانضمام إلى الوحدات القتاليّة في الجيش، وازدياد نسبة المتديّنين “الحريديم” في المجتمع إلى 14.3%، مع أعلى نسبة نموّ بلغت 4.2% (7 أطفال لكلّ أسرة تقريباً)، مع أقلّ من 1% من الجيش من التيّار الدينيّ. وتتوقّع الدراسات الديمغرافيّة الإسرائيليّة ارتفاع نسبتهم في المجتمع إلى 25% عام 2050، فهم في تصاعد مستمرّ. على الرغم من محاولة فرض التجنيد عليهم بعد هجوم “حماس” قبل 3 سنوات، ظلّ النجاح محدوداً جدّاً.
لذا اعتماد إسرائيل على التكنولوجيا الحديثة سيزداد بمعدّلات عالية في السنوات التالية، لسدّ الفجوة البشريّة مع الدول الإقليميّة لا سيما تركيا، موضوع التوتّر الحاليّ.
تركيا المدنيّة وإسرائيل العسكريّة
في المقابل، للعسكر، سواء العثماني منه أو الحديث، دور أساسيّ في الوعي والذاكرة. فمن جيش العشيرة وحلفائها لدى تأسيس إمارة آل عثمان عام 1299، إلى جيش الانكشاريّين العبيد عام 1360، ثمّ محاولات إنشاء جيش حديث في القرن التاسع عشر، إلى أن أُسّس الجيش عقب إعلان الجمهوريّة عام 1923، كان العسكر في كلّ هذه المراحل الركن الثاني للسلطة بعد السلطان، وقبل البيروقراطيّة الدينيّة والمدنيّة، أيّام العثمانيّين، وحامي النظام العلمانيّ بعد إلغاء السلطنة والخلافة.
في عهد الرئيس الحاليّ رجب طيّب إردوغان، ومع رسوخ النظام الديمقراطيّ من دون انقلابات عسكريّة، يمكن القول إنّ الجيش فَقَد دوره المميّز في النظام السياسيّ. والمجتمع التركيّ الحاليّ مجتمع منفتح، ويعيش على الصناعة والتجارة والسياحة، وله باع عريض في القوّة الناعمة، التي تطوّرت في السنوات الماضية، فبات أشبه بأثينا اليونانيّة.
في المقابل، يهيمن الطابع العسكريّ على إسرائيل، ولا سيما مع هيمنة أحزاب اليمين على الحياة السياسيّة وانعكاس ذلك على سياساتها الداخليّة والخارجيّة. ومع إخفاقها على مدى ثلاثة عقود في ترسيخ قوّتها الناعمة عبر ما عُرف بمسار السلام والتطبيع، وصولاً إلى تراجع واندثار مفاعيل اتّفاقات أبراهام عام 2020، ولا سيما بعد الفظاعات التي ارتكبها الجيش الإسرائيليّ في غزّة خاصّة، وما يفعله المستوطنون في الضفة الغربيّة. لذا تبدو إسرائيل اليوم أقرب إلى إسبارطة أمس.
ماذا لو وقعت الحرب بين تركيا وإسرائيل، فماذا هي أدواتها؟ ما هي ساحتها الرئيسة؟ وما هي تداعياتها؟ للكلام تتمّة.
