سورية الجديدة” عنوان يليق بما هي عليه سورية الآن، وتوشك أن تتطوّر إليه. لم يعرف السوريّون نظاماً مستقرّاً ورحباً منذ السبعينيّات. عرفوا منذ عام 2011 حرباً انصبّت خلالها جهود جيش النظام الأسديّ وأجهزته الأمنيّة والميليشيات الإيرانيّة والجيوش الروسيّة على إهلاك الشعب السوريّ من أجل إخضاعه. لذلك تستحقّ سورية الوحدة والاستقرار.
في الأسبوع المنصرم خطت سورية خطوتين إلى الأمام:
1- اندماج الأكراد في مؤسّسات الدولة، وتعيين رئيس “قسد” مظلوم عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهوريّة. وذلك بعد حلّ “قسد” وسائر المؤسّسات الانفصاليّة التي كانت في المنطقة الكرديّة منذ عام 2013-2014، وضمّ عشرة آلاف عسكريّ كرديّ إلى الجيش السوريّ. لا يزعم الأكراد وموظّفو الدولة السوريّة أنّ أمر الانفصاليّات انتهى تماماً، إذ ما تزال هناك، حول الفرات وعلى حدود تركيا، تنظيمات ومؤسّسات من العهد السابق، ولا بُدَّ من تفكيكها. وهذه الأمور تحصل بالتدريج، بما في ذلك ميليشيا حزب العمّال الكردستانيّ التي قاتلت مع “قسد” ضدّ داعش، ومن لم تقبله تركيا منهم بعد المصالحة يكون عليه الذهاب إلى جبال قنديل في المنطقة المتوسّطة بين الحدود العراقيّة والتركيّة والإيرانيّة.
2- رفع العقوبات الأميركيّة نهائيّاً في ما يتعلّق برعاية الإرهاب، وعودة سورية إلى النظام الماليّ العالميّ. وهي خطوة مهمّةٌ جدّاً، إذ تبعها ويتبعها الإقبال الأوروبيّ، بينما كان العرب قد سبقوا من دون انتظار. وهذا يعني أنّه لم تعد هناك عقبات أمام التجارة الدوليّة والاستثمار.
لكنّ كلا الأمرين يحتاج إلى استقرار تحقّقه الخطوة الكرديّة إلى حدٍّ بعيد، والبداية الخجولة للعلاقة مع السويداء. أمّا الحدود العراقيّة واللبنانيّة فقد صارت سالكة وتتحسّن.
عودة الهدوء
بدأ الداخل السوريّ يهدأ بعد اضطراب الساحل ودير الزور والمنطقة الكرديّة والسويداء. لا ينبغي أن ننسى أنّه منذ حوالى عقدين لم تعرف سورية الهدوء ولا الاستقرار، وتهجّر ملايين من الشعب السوري ما عاد منهم غير ثلاثة ملايين ونصف حتّى الآن. وهناك أكثر من خمسة ملايين ما يزالون مهجّرين.
سارعت حكومة الشرع إلى إنفاذ ثلاثة أمور:
1- تشكيل البرلمان المؤقّت الذي بدأ يعمل.
2- تحقيق العدالة الانتقاليّة التي بمقتضاها يُعاقَب كبار المجرمين من النظام السابق.
3- اتّخاذ خطوات متوازية ومتوازنة لإعادة المهجّرين وإعادة الإعمار في الوقت نفسه، على الرغم من ضعف القدرات وضخامة المهمّات.
تغصّ سورية الآن بالوفود الرسميّة وغير الرسميّة. فقد اكتشف العراقيّون واللبنانيّون والأردنيّون أنّ العيش من دون سورية كان عسيراً جدّاً. هناك المواصلات من سورية وعبرها وإليها، وهناك تصدير البترول إلى موانئها أو بواسطة موانئها. وهناك التعاون في حلّ أزمات الكهرباء في سورية والعراق ولبنان. ثمّ هناك الإمكانات الضخمة من البترول والغاز التي ينبغي تطويرها. وهناك آخراً وأخيراً تصوّروا: السكك الحديديّة التي يجري إصلاحها وستسبق تجديد السكك الحديديّة في لبنان!
هناك بالطبع ضيقٌ لم ينفكّ بعد في مستويات الدخل، وفي فُرَص العمل، وفي ضغوط استقبال المهجَّرين، وضيقُ ميليشيات إيران في العراق ولبنان بالنظام الجديد. إنّما أكبر المصاعب هي الغارات الإسرائيليّة والخروقات المستمرّة في الجنوب.
خارج صراعات الإقليم
ما تعوّد المشرق على سورية المسالمة والرحبة. فمنذ الخمسينيّات من القرن الماضي، وبخاصّةٍ في عهد حافظ الأسد، كانت سورية تتدخّل في لبنان وفي العراق وفي تركيا وفي الأردن. وكانت تحالِف هذا الطرف مقابل فوائد، وتُعادي ذاك مقابل فوائد أيضاً.
يريد أحمد الشرع أن يعوّد الجوار والعالم على سورية جديدة: صديقة ومتعاونة في مجالات المصالح المتبادلة وصنع الجديد والمتقدّم. لا تعتدي على أحد ولا تقبل أن يعتدي عليها أحد. وهي مستعدّةٌ بكلّ إمكاناتها لإثبات قدرتها على تلبية مصالح الجوار وصنع السلام بعيداً عن إيران وإسرائيل.
كتب الصحافيّ والكاتب السياسيّ باتريك سيل في السبعينيّات “الصراع على سورية” وكتب أواخر الثمانينيّات عن استراتيجيات حافظ الأسد في الشرق الأوسط. يريد الشرع إخراج سورية من الطمع بها وطمعها بغيرها. وهو قد ينجح في ذلك إذا انتظمت أمور الداخل، وحالت الولايات المتّحدة دون صراع إسرائيل وتركيا على سورية.
