يتجاوز “التحالف البحريّ الدفاعيّ المتعدّد الجنسيّات لتأمين الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر” حدود التعامل مع أزمة أمنيّة طارئة أو العمل على تشكيل قوّة بحريّة مؤقّتة لمرافقة السفن أو الردّ على هجمات الحوثيّين في تلك البقعة الجغرافيّة الاستراتيجيّة. فالمؤشّرات تذهب باتّجاه قيام إطار مؤسّسيّ دائم يتجاوز فكرة التحالف البحريّ التقليديّ، ويؤسّس لنموذج جديد في إدارة الأمن البحريّ الإقليميّ.
قد يوصف التفاعل التركيّ السريع مع هذه المنظومة التي تقودها المملكة السعوديّة بأنّه استجابة أمنيّة فرضتها تهديدات الملاحة والهجمات على السفن وناقلات الطاقة، أو رغبة تركيّة في الانخراط داخل منظومة بهذين الحجم والثقل تتشكّل في الإقليم نتيجة المتغيّرات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، لكنّ دلالاته السياسيّة والاستراتيجيّة بالنسبة لأنقرة تبدو أبعد وأهمّ من ذلك بكثير.
تتبدّل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعيداً عن التحالفات التقليديّة، فيما تتّجه القوى الإقليميّة إلى بناء مؤسّسات أمنيّة مشتركة تحمي المصالح الاقتصاديّة والممرّات البحريّة وسلاسل الإمداد الدوليّة.
ما الذي أسّسته المملكة السعوديّة فعليّاً في الرياض؟ لماذا رأت أنقرة أنّ مصلحتها الاستراتيجيّة تقتضي الانضمام إلى هذه المبادرة منذ لحظة إعلانها؟ هل تسمح لها شبكة التوازنات والخيارات العسكريّة والسياسيّة التي بنتها خلال العقد الأخير بالانخراط في مشروع من هذا النوع؟
من التّنسيق إلى المؤسّسة الأمنيّة
يحمل هذا التحوّل دلالة استراتيجيّة مهمّة لأنّه ينقل أمن أحد أهمّ الممرّات البحريّة في العالم من منطق التنسيق والتعاون الظرفيّ إلى أسلوب المؤسّسة الأمنيّة المتعدّدة الأطراف، التي تمتلك القدرة على الاستمرار والتطوّر والتوسّع.
لهذا السبب، لم تعُد المبادرة السعوديّة ترتيبات بحريّة مؤقّتة وحسب، بل إطار مؤسّسيّ جديد لإدارة أمن البحر الأحمر وباب المندب يتجاوز التعامل مع تهديدات الملاحة إلى بناء منظومة تعاون أمنيّ طويلة الأمد.
لا يدور الحديث عن دوريّات بحريّة أو عمليّات ردع مؤقّتة، بل عن منظومة تقوم على ميثاق قانونيّ، قيادة مشتركة، هيكل تنظيميّ، مركز قيادة وسيطرة، وآليّات تشغيل وتنسيق بين الدول المشاركة.
لهذا لا تكمن أهميّة التحالف في حماية باب المندب فقط، بل وتأسيس إطار دفاعيّ متعدّد الجنسيات بقيادة دولة عربيّة قد يشكّل نموذجاً لترتيبات أمنيّة بحريّة مستقبليّة في ممرّات بحريّة أخرى في الشرق الأوسط، وذلك للمرّة الأولى. وهو ما يمنح المبادرة السعوديّة بعداً يتجاوز إدارة أزمة آنيّة إلى المساهمة في إعادة تشكيل منظومة الأمن البحريّ الجماعيّ في المنطقة.
لم يأتِ انضمام تركيا إلى المبادرة السعوديّة نتيجة تطوّر أمنيّ عابر، بل جاء نتيجة قراءة تركيّة لتحوّل أوسع يشهده الشرق الأوسط. فأنقرة تدرك أنّ المنطقة تدخل مرحلة يُعاد فيها توزيع الأدوار، وأنّ موازين النفوذ لم تعد تُقاس فقط بالقوّة العسكريّة أو حجم الحضور السياسيّ، بل وبالمشاركة في بناء المؤسّسات التي ستدير الأمن الإقليميّ خلال المرحلة المقبلة.
من هذه الزاوية، رأت تركيا أنّ المبادرة البحريّة ليست آليّة لحماية الملاحة وحسب، بل منصّة جديدة لإعادة بناء التوازنات الأمنيّة في البحر الأحمر وامتداداته، وربطها بخطوط التجارة العالميّة التي تجمع آسيا وإفريقيا وأوروبا. اتّجهت السياسة الخارجيّة التركيّة خلال السنوات الأخيرة تدريجاً من إدارة الأزمات إلى المشاركة في بناء ترتيبات ما بعد الأزمات. وفي هذا السياق، بدا الانضمام إلى المبادرة السعوديّة امتداداً طبيعيّاً لهذا التحوّل.
حسابات استراتيجيّة
لم يكن القرار التركيّ مرتبطاً بسبب واحد، بل بمجموعة من الحسابات الاستراتيجيّة المتداخلة التي تفسّر حرص أنقرة على أن تكون بين الدول المؤسّسة لهذه المبادرة منذ لحظة إطلاقها:
– المشاركة التركيّة في تأسيس النظام الأمنيّ الإقليميّ الجديد، لا الاكتفاء بالانضمام إليه بعد اكتمال مؤسّساته.
– اعتبار أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من أمن أنقرة الاقتصاديّ، نظراً لارتباطه بحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد التي تعنيها.
– ترجمة التقارب التركيّ ـ السعوديّ إلى شراكة أمنيّة ودفاعيّة مؤسّسيّة، بحيث أصبح التعاون الأمنيّ والدفاعيّ أحد أهمّ عناوين العلاقة الجديدة بين البلدين.
– تثبيت الحضور التركيّ كقوّة إقليميّة لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها المباشرة، بل وتساهم في حماية الأمن الجماعيّ والممرّات البحريّة الدوليّة.
– توجيه رسالة متوازنة إلى إيران، مفادها أنّ تمسّكها بالحوار لا يعني البقاء خارج أيّ ترتيبات جماعيّة تمسّ أمنها القوميّ ومصالحها الاقتصاديّة.
– ترسيخ موقع تركيا داخل شبكة علاقاتها مع حلفائها في الغرب، من خلال المشاركة في مبادرة إقليميّة تنسجم مع الجهود الدوليّة لحماية الملاحة.
– تجنّب الغياب عن المؤسّسات الإقليميّة الناشئة الذي قد يحرمها مستقبلاً من التأثير في القرارات المتعلّقة بأحد أهمّ الممرّات البحريّة في العالم.
على هذا الأساس، يصبح القرار التركيّ خياراً استراتيجيّاً يرتبط بقراءة أنقرة لتحوّلات الشرق الأوسط، وبقناعتها أنّ المشاركة في بناء المؤسّسات الجديدة أصبحت شرطاً للحفاظ على مصالحها وحمايتها.
من هنا، تبدو المشاركة التركيّة استثماراً في نظام إقليميّ قيد التشكّل أكثر منها استجابة لتهديدات آنيّة، وهو ما يفسّر حرص أنقرة على أن تكون شريكاً مؤسّساً لهذه المبادرة منذ بدايتها.
النّظام الأمنيّ الجديد
تتجاوز أهميّة المبادرة السعوديّة حدود البحر الأحمر لتصبح أحد المؤشّرات إلى شكل النظام الأمنيّ الذي قد يتبلور في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
قد يكون التحالف البحريّ الدفاعيّ الذي تقوده المملكة السعوديّة أوّل مؤسّسة أمنيّة إقليميّة تولد بعد الحرب الأميركيّة ـ الإيرانيّة، لكنّه على الأرجح لن يكون الأخير. نجاحه أو فشله لن يقاس فقط بعدد السفن التي سيحميها في باب المندب، بل بقدرته على إنتاج نموذج جديد لإدارة الأمن الإقليميّ، تتولّى فيه دول المنطقة نفسها مسؤوليّة حماية مصالحها الجماعيّة، بدلاً من انتظار المبادرات الخارجيّة.
من هذا المنظور، لم تنضمّ تركيا إلى تحالف بحريّ فحسب، بل إلى مشروع سياسيّ واستراتيجيّ أوسع يعيد توزيع الأدوار بين القوى الإقليميّة، ويؤسّس لمرحلة جديدة في إدارة الأمن البحريّ في الشرق الأوسط.
