لا يبدو النقاش الدائر في سوريا حول تدريس اللغات المختلفة مجرد نقاش تربوي يتعلق بإضافة مادة إلى جدول الحصص أو حذف أخرى، بل بات يتصل بصورة مباشرة بسؤال أوسع، أي دولة يريد السوريون بناءها بعد الحرب؟ وهل ستكون المدرسة إحدى الأدوات الأساسية لإعادة إنتاج شعب سوري واحد، متعدد الأصول والثقافات، أم أنها ستتحول تدريجياً إلى مجموعة مسارات قومية متجاورة، يتعلم فيها كل مكون لغته وتاريخه وروايته الخاصة، ويتراجع بالتوازي المجال الثقافي المشترك بين السوريين؟
أهمية هذا السؤال تتضاعف لأن سوريا تمر بمرحلة إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها، ولأن التعليم، بخلاف قطاعات خدمية كثيرة، لا يقتصر تأثيره على الحاضر؛ فالمنهاج واللغة والمدرسة أدوات أساسية في تشكيل هوية الأجيال القادمة، خصوصاً أن أجيال متعددة من السوريين اكتسبت لغات أخرى بعضها مشترك مع التركمان الذين يتحدثون التركية إلى جانب ملايين اللاجئين السوريين الذين عاشوا في تركيا خلال سنوات اللجوء.
على الجانب الآخر، اكتسب النقاش أهمية إضافية بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي عدّ اللغة الكردية لغة وطنية، وأجاز تدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان. وينص الإعلان الدستوري السوري، في الوقت نفسه، على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
وفي التعليمات التنفيذية، اعتمدت وزارة التربية السورية، اللغة الكردية مادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعياً، ثم وسعت إمكانية تدريسها في المناطق التي يوجد فيها حضور كردي ملحوظ. ومن المهم هنا التأكيد أن الصيغة الرسمية الحالية لا تعني فرض الكردية على جميع الطلاب، وإنما إدخالها في النظام التعليمي الرسمي باعتبارها مادة اختيارية يمكن دراستها، إلى جانب اللغة العربية.
الجديد ظهر مع بداية العام الدراسي 2026-2027، بعدما أُبلغت مدارس في شمال حلب بإلغاء تدريس اللغة التركية كمادة اختيارية واستبدال الفرنسية بها.
المجلس التركماني السوري واتحاد الجمعيات التركمانية السورية اعترضا على القرار، وطالبا بإبقاء التركية ضمن المواد الاختيارية، معتبرين أن توحيد المناهج على مستوى البلاد لا ينبغي أن يكون على حساب الحقوق اللغوية والثقافية للتركمان. وأكد المجلس أن التركمان “مكون أصيل وتاريخي من مكونات الشعب السوري”، وأن التركية جزء من هويتهم وتراثهم الثقافي.
التركية كلغة أخرى
وإن تطرقنا إلى اللغة التركية، فإن حضور هذه اللغة في سوريا خلال السنوات الأخيرة، لا يمكن النظر لها كلغة قومية للتركمان أو لغة لدولة جارة بقدر ما قد تكون حاجة لفئة من الطلاب، إذ إن سنوات اللجوء الطويلة في تركيا صنعت واقعاً لغوياً جديداً لدى شريحة واسعة من السوريين.
فمنذ عام 2011، التحق مئات الآلاف من الأطفال السوريين بالمدارس التركية، ثم انتقل قسم كبير منهم إلى الجامعات والمعاهد وسوق العمل. وبالنسبة إلى كثيرين ممن وصلوا إلى تركيا في سن مبكرة، لم تعد التركية مجرد لغة أجنبية، بل أصبحت لغة التعليم والحياة اليومية والتواصل العام، وفي بعض الحالات إحدى لغات التنشئة الأساسية، أو اللغة الأقوى في القراءة والكتابة والتحصيل الأكاديمي.
ولا يقتصر الأمر على من عاشوا داخل تركيا. ففي مناطق شمال سوريا، ساهمت المؤسسات التركية خلال السنوات الماضية في دعم المدارس والجامعات، وتأهيل المعلمين، وإدخال اللغة التركية ضمن العملية التعليمية، بالتوازي مع مشاريع جامعية ومهنية مرتبطة بمؤسسات تركية. وهكذا نشأت شريحة أخرى من السوريين تعلمت التركية داخل سوريا نفسها، وأصبحت اللغة بالنسبة إليها مرتبطة بالتعليم وفرص العمل والتواصل مع المؤسسات المجاورة.
من هنا، فإن المطالبة باستمرار تدريس التركية قد يتصدر لها التركمان الذين يعدونها جزءاً من هويتهم القومية والثقافية، وإنما قد تصدر أيضاً عن سوريين عرب أو غير ذلك عاشوا سنوات طويلة في تركيا، أو عن سوريين يحملون الجنسية التركية، أو عن خريجين من مدارس وجامعات تركية لا يريدون فقدان لغة استثمروا سنوات في تعلمها.
وهذا الواقع يطرح سؤالاً مهماً على السياسة التعليمية السورية، هل ينبغي التعامل مع اللغات حصراً بوصفها حقوقاً قومية، أم بوصفها أيضاً أدوات معرفية واجتماعية اكتسبها السوريون خلال سنوات اللجوء، وهذا قد يندرج على اللغة الألمانية في ظل وجود مليون سوري في ألمانيا أيضاً؟
فقد يكون الطالب تركمانياً ويتعلم التركية لأنها لغته الأم، وقد يكون عربياً أو كردياً ويتعلمها لأنها لغة دراسته السابقة، وقد يختارها طالب آخر لأنها مفيدة مهنياً واقتصادياً.
لذلك، فإن استمرار تعليم التركية يمكن أن يُفهم ضمن إطار أوسع يقوم على حرية اختيار اللغة الإضافية، وليس بالضرورة ضمن منطق المحاصصة القومية. فالمشكلة ليست في تعدد اللغات التي يعرفها السوريون، وإنما في تحويل اللغة إلى حدود سياسية وتعليمية تفصل بينهم.
كيف ترى أنقرة ذلك؟
وفي سياق متصل، قال مستشار التعليم في السفارة التركية بدمشق، محمد موسى بوداق في دراسة منشورة له بمركز أورسام بأنقرة، “إن أحد أبرز التحولات التي شهدتها سوريا بعد الحرب يتمثل في مجال تعليم اللغة التركية، فمعرفة شريحة معتبرة من السكان السوريين باللغة التركية، سواء من بقي منهم في المناطق الآمنة في الشمال أو من عادوا من تركيا، إلى جانب اهتمام شرائح اجتماعية أخرى بتعلم التركية، أوجد مجالاً مهماً للعمل المشترك”.
وأضاف بوداق أن الإدارة السورية الجديدة عملت على افتتاح قسم للغة التركية للمرة الأولى في جامعة دمشق، كما أعادت افتتاح قسم اللغة التركية في جامعة حلب، وهو ما نقل العلاقات الأكاديمية إلى مستوى أكثر تقدماً.
ولفت إلى أنه من المتوقع خلال المرحلة المقبلة أن تصل نسبة السكان الذين يعرفون اللغة التركية في عموم سوريا إلى 25 في المئة، وهذه النسبة تعني أن ربع سكان سوريا تقريباً يتحدثون اللغة التركية مباشرة، وهم على حدود تركيا الجنوبية.
ويعتقد المستشار التركي، أن إزالة حاجز اللغة ستفتح المجال أمام رجل أعمال تركي من هاتاي أو غازي عنتاب أو شانلي أورفا لإقامة أعمال مباشرة، ومن دون وسيط، وقائمة على الثقة مع تاجر محلي في دمشق أو حلب.
ومن شأن ذلك أن يجعل الروابط الثقافية والاقتصادية التركية في سوريا أكثر ديمومة، وأن يسمح للعلاقات التجارية بين البلدين بالنمو من دون أن تصطدم بحاجز اللغة.
المقال الذي كتبه محمد موسى بوداق يكشف بوضوح لماذا تنظر الدول إلى التعليم باعتباره استثماراً استراتيجياً بعيد المدى. وفي الحالة التركية، لا تخفي المؤسسات الرسمية اهتمامها بتوسيع التعاون في المدارس والجامعات وتكوين الكوادر السورية، كما توجد عشرات الآلاف من حالات الدراسة الجامعية السورية السابقة والحالية في تركيا، وتراهن مؤسسات تركية على مساهمة هؤلاء الخريجين في إعادة بناء سوريا، وأن يكون لهم دور في مستقبلها.
ماذا عن السريان والآراميين والشركس والأرمن؟
المشكلة الأخرى في الحقوق اللغوية أن باب المطالب، بمجرد فتحه، لن يتوقف عند الكرد والتركمان، في شمال شرقي سوريا يوجد حضور تاريخي للغة السريانية، كما توجد مؤسسات تعمل بالفعل على إعداد مناهج وتعليم هذه اللغة. وفي السنوات الأخيرة برزت مطالب سريانية بالحصول على اعتراف رسمي أوضح باللغة وإدخالها في المؤسسات التعليمية.
فإذا اعتُبرت الكثافة السكانية والوجود التاريخي أساساً كافياً لإدخال اللغة الكردية في المدارس الحكومية، فما الأساس الذي يمكن بموجبه رفض مطلب مماثل للسريان في القامشلي أو الحسكة أو بعض بلدات الخابور؟
الأمر نفسه ينطبق، وإن بأوضاع مختلفة، على الآرامية في معلولا ومحيطها. فالآرامية الغربية ما زالت حاضرة بوصفها لغة محلية وتراثية في معلولا وبعض قرى القلمون، وسبق أن أُنشئت برامج ومراكز للمساعدة على حمايتها من الاندثار.
ثم ماذا عن الشركس؟ لدى السوريين الشركس لغاتهم القوقازية، وفي مقدمتها الأديغية والقبردينية، وقد عانت هذه اللغات من التراجع نتيجة غياب التعليم المنظم بها واعتماد نقلها أساساً داخل العائلات والمجتمع المحلي في أجزاء من القنيطرة ودمشق وريفها.
وماذا عن الأرمن الذين يمتلكون تقليداً تعليمياً وثقافياً سورياً يمتد لأكثر من قرن، وكانت لهم مدارس ومؤسسات تعليمية خاصة في حلب ودمشق وكسب وغيرها؟ وما زالت مؤسسات أرمنية تدير مدارس تعمل ضمن النظام التعليمي السوري وتحافظ في الوقت نفسه على هويتها الثقافية الخاصة.
وهنا تظهر المعضلة، فإذا أصبح لكل جماعة سورية “استحقاق لغوي مدرسي” منفصل مرتبط بكثافتها السكانية، فقد تنتهي سوريا بعد سنوات إلى خريطة تعليمية من المناطق اللغوية: كردية هنا، وتركية هناك، وسريانية في منطقة ثالثة، وآرامية أو شركسية أو أرمنية في أماكن أخرى.
والمسألة لا تتوقف عند حصة اللغة، لأن اللغة تستدعي في العادة مطالب بالمناهج والمعلمين والكتب والتاريخ والثقافة والرموز، ومن ثم تبدأ المدرسة بالتشكل وفق الجماعة التي تهيمن ديموغرافياً على المنطقة، ومع الأكثرية الغالبة من العرب، تصبح المطالب اللغوية مقتصرة على دراسة اللغة وليس التدريس بها.
ففكرة المواطنة تقوم على أن السوري الكردي والتركماني والسرياني والأرمني والشركسي والعربي ليسوا ممثلين لشعوب متجاورة تعاقدت فيما بينها على اقتسام دولة، وإنما مواطنون في دولة واحدة، مع حق كل منهم في صون ثقافته ولغته وتراثه، مع الاحتفاظ بثقافة وهوية ولغة الدولة.
ماذا عن النماذج الأخرى؟
تُظهر تجارب عدة دول أن حماية التعدد اللغوي لا تعني بالضرورة تعدد اللغات الرسمية أو إنشاء منظومات تعليم مستقلة لكل جماعة قومية. ففي فرنسا تبقى الفرنسية اللغة الرسمية ولغة الإدارة والتعليم العام، مع الاعتراف باللغات الإقليمية مثل البريتونية والكورسيكية والباسكية والسماح بتدريسها ضمن المدارس في إصلاحات متأخرة لم تبدأ حتى عام 2008. وفي إيطاليا تؤكد القوانين أن الإيطالية هي اللغة الرسمية، مع حماية لغات الأقليات التاريخية وإتاحة تعليمها في مناطق وجودها، من دون المساس بوحدة النظام التعليمي.
أما تركيا، فمع بقاء التركية اللغة الرسمية ولغة التعليم، شهدت منذ عام 2012 إصلاحات سمحت بإدخال عدد من “اللغات واللهجات الحية” ضمن المواد الاختيارية، ومنها الكردية بفرعيها الكرمانجية والزازاكية، إضافة إلى الشركسية واللازية والجورجية والبوسنية وغيرها.
وتذهب إسبانيا إلى مدى أوسع، إذ تبقى القشتالية اللغة الرسمية للدولة، بينما تتمتع لغات مثل الكاتالونية والباسكية والجاليكية بصفة رسمية في أقاليمها، وتستخدم في التعليم والإدارة.
وتشير هذه النماذج إلى أن سوريا ليست مضطرة للاختيار بين منع اللغات المحلية أو تقسيم التعليم على أساس قومي. ويمكن اعتماد صيغة تجعل العربية اللغة الرسمية ولغة التعليم الوطني المشترك، مع إتاحة الكردية والتركية والسريانية والأرمنية والشركسية وغيرها كلغات إضافية أو اختيارية وفق الطلب وتوافر المعلمين وقد يواجه تحديات واسعة للتطبيق، وبهذه الطريقة يصبح الحق اللغوي حقاً للمواطن على أساسه مواطنته، لا أساساً لتحويل المناطق إلى وحدات تعليمية قومية منفصلة.
