
في السرديات المبهجة التي تروج لها ماكينات السياسة وأدبيات الأحزاب حول “إعادة الإعمار”، يبرز دائماً استخفاف تقني يفترض أن الكارثة تنتهي بمجرد صبّ الخرسانة ورفع الجدران وسقف البيوت المهدومة. هذه القراءة الهندسية التبسيطية تقع في عجز معرفي فاضح؛ لأنها تقيس الحرب بحجم الدمار الذي يلحق بالحجر، وتغفل تماماً عن الجريمة الأعمق: جريمة موت المكان وإبادة البنية الأنثروبولوجية للاجتماع الأهلي.
أولى الصدمات الوجودية التي سيواجهها أهل القرى المدمرة عند عودتهم، هي وقوفهم أمام جغرافيا سائلة ومتلاشية بالكامل. في القرى التاريخية، لا تُحدد الملكية بالخرائط الجافة أو إحداثيات الأقمار الصناعية، بل تُطبع في الذاكرة العضلية والبصرية المشتركة للبشر. تحددها شجرة زيتون معمرة، أو سور صخري بناه الأجداد، أو التفافة طريق ترابي، أو عتبة بيت فلان. عندما تسحق الآلة العسكرية هذه المعالم وتسويها بالتراب، لا تتدمر البيوت فقط، بل يتدمر المعيار الذي يقيس به البشر وجودهم وانتماءهم. تصبح الأرض فجأة افتراضية، مجرد رقم تائه في صك ملكية، أو سند يشبه أوراق الأسهم في بورصة المال. تملك القيمة نظرياً، لكنك لا تعرف إحداثياتها الفيزيائية على الأرض، لتصبح العودة عبارة عن تيه صامت: أنا أملك أرضا هنا، لكنني لا أعرف أين أنا بالضبط.
والمعضلة الأشد فتكاً، بهذا الاجتماع الذي كان، تكمن في تدمير رابطة الجيرة بوصفها معطىً تاريخياً وعائلياً، لا طبقياً. في المجتمعات الأهلية التقليدية، لم تكن الأحياء تُقسم بناء على حجم الثروة كما هي حال المدن الحديثة. بل كانت تؤسس على جيرة مؤصلة بالتاريخ والعشرة والمصلحة وقرابة الدم. قد يكون أحد أبناء الحارة قد حصّل مالاً وفيراً في الاغتراب وأصبح ميسوراً، لكن بيته يظل ملاصقاً لبيت جاره الذي لم يتمكن من اليسر، وتربطهما علاقة قرابة وتاريخ عائلي يمتد لأجيال. هذا التشابك الإنساني يشكل شبكة الأمان الوجدانية واليومية التي تذيب الفوارق المالية في سياق الأهل.
لكن إعادة الإعمار المقبلة لن تلتفت إلى هذا التاريخ. بل سيقوم بها حصراً من يملك القدرة المالية والارتباطات والسيولة الفورية. وهنا سيتولى رأس المال العاري، وحده وبلا أي ذاكرة، إعادة تخطيط الاجتماع البشري. سينهار الرابط الأهلي لتتحول الأحياء إلى غيتوات طبقية محكومة بالفوارق المالية وتفاوت الثروة بين الأفراد والعائلات. فلان يبني قلعته الإسمنتية فوراً لأنه يملك المال، وجاره المفلس يبقى وسط الركام أو داخل كشك مؤقت. وحين ينتهي الميسور من بناء بيته، سيكتشف أنه لا يعرف جاره، ولا بيت جاره. إذ ستبنى هذه الأماكن بمنطق المدن الحديثة (شقق مستقلة، جدران عازلة، وداخل مجهول تماماً ومغلق أمام الخارج).
وعليه، فإنه من الراجح أن تصبح العلاقات مبنية هذه المرة على أساس الملكية والقدرة والاستهلاك، لا على أساس العشرة والتاريخ. وهذا الفرز القسري يمثل تدميراً كاملاً لكل أواصر التماسك الأهلي، ويحول الفوارق المالية العابرة إلى جدران فيزيائية ونفسية صلبة، تفكك مفهوم الأهل وتستبدله بالضغينة والرعب والقلق المتبادل، مما يترك هذا الاجتماع الجديد هشاً وعرضة للانفجار الداخلي في كل وقت.
والأكثر إيلاماً في مستقبل هذه القرى التي سيعاد بناؤها، أنها ستبنى بمنطق المدن المغلقة وستفقد تماماً وظيفتها الحيوية. فالمدن في أصلها التاريخي تفترض وجود سبب اقتصادي وبنيوي لوجودها: هي تقاطع طرق، أو أسواق، أو مراكز تجارية وإنتاجية يعبرها المرء لقضاء مقصد. أما هذه القرى، فستتحول إلى تجمعات غريبة وخاصة، لا تنتج شيئاً وليست معبراً لأحد ولا لمكان. النتيجة الأرجح أنها ستتحول إلى مجرد ملاجئ نوم عملاقة أو مخيمات إسمنتية عشوائية، تفتقد حنان وألفة القرية القديمة، ولا تكتسب حيوية المدينة ووظيفتها الاقتصادية.
في النهاية، نحن أمام قفزة نحو اجتماع تفكك بالكامل، وتحوّل إلى نمط عيش غريب لن نستطيع التكهن بمساراته بدقة. لكن الأكيد، أن الكائن الذي سيعيش في هذه المخيمات الإسمنتية، المربوط بخيط الثروة والجدران المصمتة، سيكون كائناً معزولاً ومنفرداً، يحرس ركام بيئته، ويتحمل تبعات عيش في أرض لا تخص أحداً، حيث يصبح الحزن على البيت القديم ترفاً لا تملكه الحارات الجديدة. ويمكن القول إننا اليوم نستطيع أن نعاين أنفسنا، بعد إعلان وثيقة التفاهم ووقف إطلاق النار، فلا نتعرف عليها. وندرك أننا محكومون بالعيش فوق جغرافيا سائلة فقدت ذاكرتها وحدودها البشرية. لنكتشف أن السؤال الحقيقي ليس: متى نعيد البناء؟ بل: من هم الجيران الذين سنبني لهم ومعهم، بعد أن مات المكان الذي كان يجعلنا أهلاً؟