تفكيك الثنائيات: من سلطة السمع إلى دينامية النظر
— خلاصة كتاب: ثقافة الأذن وثقافة العين
— تأليف: عبد السلام بنعبد العالي، فيلسوف ومفكر مغربي
— دار النشر: دار توبقال للنشر
— مكان النشر: الدار البيضاء، المغرب
— الطبعة: الطبعة الثانية
— سنة النشر: 2008
الفكرة العامة
ينطلق الكتاب من إشكالية إبستيمولوجية وثقافية مركزية تتجلى في هيمنة “ثقافة الأذن” على بنية العقل العربي، وهي ثقافة ترتبط بالقرب، والانفعال، والطاعة، والتسليم الدوغمائي للمسموع. في المقابل، يطرح المؤلف الحاجة الماسة للانتقال نحو “ثقافة العين”، بوصفها حاسة تستلزم المسافة والانفصال، وتتيح تعدد زوايا النظر، وتؤسس لثقافة نقدية قادرة على المراجعة وتصحيح الأخطاء. يتخذ المؤلف من هذه المقاربة مدخلاً لتشريح آليات الفكر التقليدي وتفكيك المفاهيم المغلقة المرتبطة بالهوية، والتراث، والإيديولوجيا، داعياً إلى حركية فكرية تتجاوز سكونية اليقين.
المحاور والأفكار الأساسية
1. إبستيمولوجيا الحواس وفخ الإيديولوجيا
يبدأ المؤلف بتأسيس تمييز دقيق بين حاسة السمع التي تفرز “ثقافة طاعة” مبنية على الامتثال للصوت والتقليد، وحاسة البصر التي تتطلب التباعد وتفرز ثقافة نقدية قائمة على قلب المنظورات وتصحيح الأخطاء (ص 9-10). ينتقل التحليل لاستكشاف طبيعة الإيديولوجيا بوصفها بنية تخفي تناقضاتها عبر التستر وادعاء الحقيقة المطلقة، ويكون كشفها عبر إدراك العلاقات اللاشعورية التي تحكمها (ص 10-11). يمتد هذا الفهم ليطال مسألة “التراث والهوية”، حيث يُطرح التراث غالباً ككتلة متجانسة يُلجأ إليها هرباً من تحديات الحاضر، وتُفهم الهوية كمعطى ثابت، بينما يتطلب الأمر وعياً تاريخياً يعتبر التراث صيرورة قابلة للانفصال والاتصال (ص 12-14). يتتبع النص تعثر استيعاب الفكر العربي للعلوم الإنسانية، متوقفاً عند محاولات إضفاء طابع “وضعي” على دراسة الإنسان، ومشيراً إلى أن الماركسية في العالم العربي تحولت أحياناً إلى غطاء إيديولوجي يعيق الفهم النقدي للواقع الرمزي والاجفاعي (ص 15-18). يُختتم هذا المسار بإعادة تعريف فعل “الترجمة”؛ فهي عملية تفاعل حية مع النص الأصلي تكشف عن هشاشة الاعتقاد بوجود “نسخة طبق الأصل”، وتؤكد أن اللغات تتغذى من تناقضاتها وانفتاحها (ص 19-20).
2. الحداثة، الهوية، واستراتيجية التفكيك
تُقارب الحداثة في هذا المحور بوصفها “عمليات لا متناهية” من الدمقرطة والعقلنة، وتتجاوز كونها مجرد حقبة زمنية أو نقطة فصل حاسمة مع القديم (ص 21-22). تتشابك هذه الرؤية مع مفهوم الهوية الذي يُنزع عنه طابع السكون، ليصبح “مشروعاً” يتأسس على التعدد داخل الوحدة، ويدمج الاختلاف مع الآخر كشرط لا غنى عنه لوجود الذات (ص 23-24). يدعم المؤلف هذا التصور بتبني مفاهيم “الحل والترحال”، مفضلاً الفكر النقدي المنفتح الذي يشبه “غزوات الكشافة” على الفكر الوثوقي المستقر الذي يركن إلى العمارة الجاهزة (ص 24-26). تبرز التفكيكية هنا بوصفها أداة لتحرير الفكر من ثنائياته الميتافيزيقية الصلبة، عبر استراتيجية تنصب على التقويض اللغوي والمفاهيمي للبناء من الداخل، تفادياً لخلق تناقضات عدمية (ص 26-27). يتم تسليط الضوء على وهم “الوحدة” في الخطابات الإيديولوجية العربية، التي تصهر التناقضات قسراً وتلغي الفوارق تحت يافطة إجماع مزيف، متجاهلة دينامية التعدد والاختلاف (ص 28-29).
3. نقد الخطاب الوثوقي ومأزق المثقف
يتوغل التحليل في فلسفة الاختلاف، منتقداً الجدلية الهيغلية التي تسعى دائماً لرد التناقض نحو وحدة مطابقة، ومشدداً على أهمية الاختلاف كقوة مولدة بحد ذاتها بعيداً عن منطق السلب (ص 32-33). يوجه النص نقداً لاذعاً لصورة المثقف العربي المعاصر الذي يتقمص دور “المفتي”، ويوزع الإجابات الجاهزة ويصنف المواقف بناءً على أطر إيديولوجية مسبقة، متخلياً عن وظيفته النقدية (ص 34-35). تتضح الفروق العميقة بين “خطاب الرأي” المرتبط بالانغلاق والقناعات المسبقة، و”خطاب الفكر” المنفتح على السؤال والنقص المستمر (ص 38-39). يتم استدعاء التحولات الإبستيمولوجية الكبرى، لاسيما الثورة المعرفية التي أزاحت فكرة التطابق المباشر بين الدال والمدلول، وأكدت خضوع المعاني لشبكات لغوية وتاريخية معقدة (ص 39-40). يمتد هذا النقد لتشريح الاستعمالات السياسية لمفاهيم “اليمين واليسار”، موضحاً كيف أصبحت مجرد علامات هوياتية تفتقر للعمق التحليلي وتتجاهل التداخل المعقد في بنية المؤسسات الاجتماعية (ص 47-49).
4. السلطة، التاريخ، وأفول المعنى
يتعرض المؤلف لمسألة حيوية الأفكار وموتها، مبيناً أن انسحاب إيديولوجيا معينة لا يعني زوالها الفعلي، بل قد تتحول إلى معتقدات دوغمائية متحجرة تعيق إعمال الفكر (ص 58-59). في تفكيكه لـ “عصر الصورة”، يستند النص إلى الفلسفات المعاصرة لبيان أن العمق الميتافيزيقي لم يعد موجوداً خلف المظاهر، وأن السطح ذاته يحمل دلالاته، لتصبح المعرفة امتداداً على مساحات أفقية بلا جذور خفية (ص 64-65). يعيد النص النظر في مفهوم “السلطة”، متجاوزاً الشكل الهرمي التقليدي لصالح فهمها كآليات ميكرو-سياسية تخترق الجسد الاجتماعي بأكمله وتتوزع في علاقات القوى المتعددة (ص 74-75). كما يُطرح مفهوم “الذاكرة” كفعل استحضار مشروط بالحاضر، مبيناً أن التاريخ ليس حفظاً لآثار ميتة، بل هو إعادة تشكيل مستمرة ترتبط بأسئلة اللحظة الراهنة وتحدياتها (ص 80-82).
5. اليومي، الغزو الثقافي، والجسد السياسي
يتجه الكتاب في أجزائه الأخيرة نحو مقاربة تفاصيل الحياة اليومية، معتبراً إياها مجالاً خصباً لتمظهرات الإيديولوجيا والسلطة، بدءاً من العادات الغذائية وصولاً إلى التقنيات المعاصرة (ص 84-85). يتم نقد مفهوم “الغزو الثقافي”، وتوضيح استحالة وجود ثقافة نقية مغلقة على ذاتها، نظراً لأن التداخل والتثاقف هما شرطا الوجود الفعلي لأي منظومة معرفية (ص 107-108). يكتسب “الجسد” دلالة سياسية عميقة، حيث تترجم الأمراض والأنظمة الغذائية وإيقاعات العمل آليات الضبط الاجتماعي، ليصبح الجسد ساحة تتصارع فيها القيم الفسيولوجية مع الإكراهات السياسية (ص 118-119). يُفكك المؤلف وهم “الأصل” و”المنبع”، مؤكداً أن البحث عن بدايات صافية هو مجرد حنين ميتافيزيقي يتجاهل التراكمات والانقطاعات التي تصنع الكائن البشري (ص 120-121). تُختتم هذه القراءة بتحليل رمزي للألعاب والتقنيات، كاشفاً كيف يتم تمرير الأنساق الثقافية وبرمجة الأجيال القادمة عبر ترويج استهلاك الأشياء وإخضاعها لمنطق العصرنة والفعالية (ص 128-129).
الخاتمة
يُجمل المؤلف نتائجه التأملية بالتشديد على ضرورة إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع الأنساق الفكرية المغلقة التي طالما حكمت العقل العربي. تتجسد الأطروحة النهائية في الانتصار لدينامية “ثقافة العين” التي تعترف بالاختلاف، وتقبل بنسبية المعرفة، وتمارس النقد المستمر للبدهيات. الفلسفة، وفقاً لهذا المنظور، ليست تقديم إجابات نهائية أو صياغة هويات جاهزة، بل هي ممارسة حية للتفكيك، وكشف لآليات التستر الإيديولوجي، وتحرير للمفاهيم من ثقل التراث السكوني. يفتح الكتاب آفاقاً واسعة لإعادة التفكير في دور المثقف، متسائلاً عن إمكانية صياغة خطاب فكري قادر على التفاعل مع تعقيدات السلطة، وتقنيات العصر، والتحولات الميكرو-سياسية للجسد والمجتمع، دون السقوط في فخاخ الوثوقية أو العدمية المفرطة.