
ثائر الزعزوع
روائي وصحفي..المصدر جريدة الثورة السورية
ومع التحفظ على استخدام مصطلح الاعتصام، الذي يفيد بـ”السيطرة على مكان أو مقر ما واحتلاله سلمياً”، وكان الأفضل استخدام مصطلح “مظاهرة” أو “وقفة احتجاجية”، فقد أثارت تلك الوقفة لغطاً واسعاً بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، وصل إلى حد تبادل الشتائم والإهانات والاتهامات.
ففيما اعتبرها الطرف الداعي والمؤيد لها صرخة حق في وجه “الغلاء، والفوضى، وانعدام الأمان، وبنود كثيرة أخرى بلغت العشرين بنداً”، نظر إليها معارضوها على أنها حركة من “الفلول” لتعطيل سير الدولة، والتشويش على “إنجازاتها” وقد تطوع مئات ممن يعتبرون أنفسهم “مؤيدين للدولة” لتنظيم وقفة احتجاجية معارضة للوقفة الأولى، التي اختار لها منظموها تسمية “قانون وكرامة”، وحدث ما يمكن اعتباره “شارع ضد شارع”.
فشهدنا اشتباكات لفظية وشتائم متبادلة، وربما، ولست متأكداً، بعض الاشتباكات بالأيدي. ولكن، في المنتصف بين الطرفين، وقف العشرات من رجال الشرطة، ليفصلوا بين المتخاصمين، ويقوموا بحمايتهم، بهدوء، ومن دون أي انفعال، وكأنهم قد تلقوا تدريباً عالياً على ضبط النفس، وهو الأمر الذي لقي استحساناً من كثيرين، فنشروا صور رجال الشرطة، وشكروهم على أداء واجبهم.
وهي ليست المرة الأولى، إذ حدث في أثناء المظاهرات التي شهدتها مناطق في الساحل السوري، أواخر العام الفارط، أن تحولت صورة أحد رجال الأمن العام إلى ما يشبه الصورة الأيقونية، وصار الشاب العشريني الواقف بهدوء تحت المطر، يقوم بواجبه في حماية المحتجين، رمزاً لمرحلة جديدة، في مقارنة مع مرحلة بائدة، كان مجرد ذكر اسم الأمن فيها يثير الذعر في قلوب السوريين.
ذلك المشهد السوري بأكمله يبدو جديداً، فلا معارضو السلطة ولا مؤيدوها سبق لهم أن شاركوا في مظاهرات حقيقية، أو وقفات احتجاجية، إذ لا يمكن تشبيهها بالمظاهرات التي شهدتها المدن السورية إبان سنوات الثورة، فتلك المظاهرات، كانت تمزيقاً وتحطيماً لأسطورة الدولة الأمنية، وتدميراً لبنيان تشكل على الرعب والخوف، لذلك لم يكن مستغرباً أن يتم وصفها بالمعجزة السورية، لأن مجرد الخروج كان يعني لا عودة.
أما اليوم فالمشهد مختلف كلياً، فمن يخرج من بيته سيعود إليه، وسيروي للناس تفاصيل ما حدث معه، بل إن الإعلام الحكومي سوف يكون موجوداً ليغطي تظاهرته، نعم هكذا بكل بساطة، تقف على جانب الشارع كاميرا الإخبارية السورية، ويلتقي مراسلها بالمحتجين، وتنقل صحيفة “الثورة السورية” على صفحتها الرئيسة خبر الوقفة الاحتجاجية، من دون الحاجة لأن تكتب أن أهل المدينة خرجوا ليشكروا ربهم على نعمة المطر، مثلاً.
وإن كان البعض قد عبر عن استيائه من تلك الوقفة، واعتبرها فرصة لشخصيات معينة، قد تستغلها للاصطياد في الماء العكر، كما يقال، فحتى هذا الأمر يمكن توقعه، ألم يستغل كثيرون الثورة السورية ليظهروا على حسابها، ويتاجروا بها؟ وبرأيي أن هذه الشخصيات اتكالية وغير فاعلة، تنتظر أي حدث لتبني عليه أحلامها الطوباوية، وترسم لنفسها خططاً، لكنها ليست مستعدة لتخوض في وحل الواقع، ولا لتكون مؤثرة على الأرض، وأعتقد أن الشارع بات أذكى من أن يتم استغلاله.
وفي الحقيقة، فأنا لست ميالاً لاتهام تلك الشخصيات بالعمالة لجهات أو دول معادية، كما كتب البعض، ربما هم فقط يعارضون السلطة، لكنهم لم يستوعبوا بعد أنهم يمكن أن يعارضوها بطريقة مختلفة.
شخصياً، أعجبني أن يتظاهر الناس، وأن يطالبوا بحقوقهم، فسوريا، وبشهادة كبار مسؤوليها بدءاً برئيس الجمهورية مروراً بكافة الوزراء، ما زالت في حاجة لكثير من العمل اليومي كي تنهض على قدميها من جديد، خدمياً واقتصادياً وسياسياً، وكل شيء، كل شيء تقريباً، فلماذا نستغرب أن ينفد صبر بعض الناس، ويرفعوا أصواتهم؟ هذه هي الحرية التي خرجنا لأجلها.
أخيراً، ربما يلزمنا بعض الوقت لنعتاد، وعلينا أن نمرن أنفسنا شيئاً فشيئاً على الحرية، وعلى التظاهر إن لزم الأمر، فالذين يخرجون في مظاهرة ليسوا أبطالاً، وهم ليسوا أعداء بطبيعة الحال، هذه مظاهرة ومن حق أي إنسان أن يتظاهر، وفي انتظار أن يلتئم شمل مجلس الشعب العتيد، ويقر قوانين لتنظيم التظاهر، والحياة السياسية، سوف نظل نهباً لقيل وقال.