في لحظةٍ سياسية وأمنية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها تداعيات الحرب مع أسئلة الشرعية والقيادة داخل النظام الإيراني، يطفو على السطح خطابٌ مكتوب يحمل توقيع المرشد الجديد، لكنه يثير شكوكا أكثر مما يقدّم إجابات. وبين غياب الصوت والصورة، وحضور نصوصٍ مشبعة بنبرة التحدّي، تبدو طهران كأنها تُدار من خلف الستار.
طهران- عاود المرشد الإيراني الأعلى، مجتبى خامنئي، المغيّب عن الظهور العلني بالصوت والصورة، إصدار خطاب مكتوب رسّخ فيه معالم النهج المتشدّد لصقور النظام، وأحبط من خلاله أمل المجتمعين الإقليمي والدولي في جنوح طهران إلى قدر من المرونة يسهّل إبرام اتفاق مع واشنطن، يقود نحو مخرج سلمي من الحرب، ويجنّب المنطقة والعالم المزيد من تبعات الصراع المسلّح.
وفي وقت تشكّك فيه الإدارة الأميركية في الوضع الصحي للمرشد الجديد، الذي أُصيب في ضربة جوية إسرائيلية – أميركية استُهلّت بها الحرب في أواخر شهر فبراير الماضي وأودت بحياة والده علي خامنئي، وفي قدرته على ممارسة مهامه كسلطة دينية وسياسية عليا في البلاد، يرجّح متابعون للشأن الإيراني أن خطابات مجتبى المكتوبة لا تصدر عنه بالفعل، وأنّها تمثّل عملية توظيف من قبل الشق الأكثر تشدّدا في النظام الإيراني، والمكوّن من قيادات الحرس الثوري، لصورة الرجل ومكانته، عبر التحدّث باسمه لترسيخ النهج المتصلّب والمعارض لتقديم أيّ تنازل تطالب به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإبرام اتفاق ينهي الحرب.
وروّج خطاب مكتوب منسوب إلى المرشد، تمت تلاوته على التلفزيون الإيراني الرسمي، سردية النصر في الحرب التي يعتمدها الحرس الثوري، قائلا إنّ الولايات المتحدة هُزمت في حربها على إيران.
وأضاف، في نصّ الخطاب، “اليوم، وبعد شهرين من أكبر تحرّك عسكري واعتداء من قبل القوى المتغطرسة في المنطقة، وهزيمة أميركا المخزية، تتشكّل مرحلة جديدة للخليج ومضيق هرمز”.
وأكّد أنّ الجمهورية الإسلامية ستحمي “قدراتها النووية والصاروخية باعتبارها أصولا وطنية”، ليكون بذلك قد قطع الطريق على أيّ تنازل يمكن أن يقدّمه السياسيون في الملفين اللذين تركّز عليهما واشنطن بشكل رئيسي، في محاولتها جرّ طهران إلى مربّع المفاوضات.
و”بشّر” في رسالته بأنّ فصلا جديدا يتشكّل في الخليج ومضيق هرمز، وأنّ بلاده ستعمل على تأمين المنطقة والقضاء على “انتهاكات العدو للممر المائي”، قائلا إنّ الإدارة الجديدة للمضيق ستجلب الهدوء والتقدّم والفوائد الاقتصادية لجميع دول الخليج.
وهاجم في الرسالة ذاتها الولايات المتحدة، “مطمئنا” بلدان الإقليم بالقول “نحن وجيراننا… يجمعنا مصير مشترك، والأجانب الذين يأتون من على بُعد آلاف الكيلومترات للتعامل بجشع وحقد، ليس لهم مكان فيه إلا في قاع مياهه”.
وجاءت رسالة المرشد في وقت تروج فيه معلومات صادمة بشأن صحته وسلامته الجسدية، حيث نقلت وكالة رويترز، في وقت سابق من الشهر الماضي، عن ثلاثة مصادر مقرّبة من الدائرة الداخلية للزعيم الأعلى الإيراني الجديد، قولها إنّه لا يزال يتعافى من إصابات حادة في الوجه والساق، ألمّت به جراء الغارة الجوية التي قتلت والده في بداية الحرب.
وقالت المصادر الثلاثة إنّ وجه خامنئي تشوّه في الهجوم على مجمّع الزعيم الأعلى في وسط طهران، وأصيب بجروح بالغة في إحدى ساقيه أو كلتيهما.
غير أنّ المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها نظرا لحساسية الأمر، أشارت إلى أنّ الرجل البالغ من العمر 56 عاما يتعافى من جراحه.
ويُطرح التساؤل بشأن ما إذا كانت صحة خامنئي تسمح له بإدارة شؤون الدولة، في وقت تمرّ فيه إيران بأخطر أزمة منذ عقود، مع توقّف محادثات رعتها باكستان بين طهران وواشنطن.
وتقدّم روايات المقرّبين من الدائرة الداخلية لخامنئي الوصف الأكثر تفصيلا لحالة الزعيم، لكنّ غموضا كبيرا يكتنف مكان وجوده وحالته وقدرته على الحكم بالنسبة إلى الجمهور، إذ لم يتم نشر أيّ صورة أو مقطع فيديو أو تسجيل صوتي له منذ الهجوم الجوي الذي أعقبه تعيينه خلفا لوالده في الثامن من مارس الماضي.
وأصيب خامنئي في 28 فبراير الماضي، وهو اليوم الأول من الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في الهجوم الذي أودى بحياة والده وسلفه آية الله علي خامنئي، الذي كان يحكم منذ عام 1989. وكانت زوجة مجتبى خامنئي وصهره وأخت زوجته من بين أفراد عائلته الذين لقوا حتفهم في الغارة.
ولم يصدر أيّ بيان إيراني رسمي بشأن طبيعة إصابات خامنئي الابن، غير أنّ مذيعا في التلفزيون الحكومي وصفه، بعد اختياره زعيما أعلى، بكلمة “جانباز”، التي تشير في إيران إلى المحاربين الذين تعرّضوا لإصابات بالغة.
وتتطابق الروايات بشأن إصابات خامنئي مع تصريح أدلى به وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في وقت سابق، قال فيه إنّ خامنئي “أصيب بجروح، ومن المرجّح أن تكون ملامحه قد تشوّهت”.
وقال مصدر مطّلع على تقييمات استخباراتية أميركية لرويترز إنّ هناك اعتقادا بأنّ خامنئي فقد إحدى ساقيه.
وقال أليكس فاتانكا، وهو زميل أقدم في معهد الشرق الأوسط، إنّه بغضّ النظر عن خطورة إصاباته، يستبعد أن يتمكّن الزعيم الجديد، عديم الخبرة، من ممارسة السلطة المطلقة التي كان يتمتّع بها والده. وأضاف أنّه، على الرغم من النظر إليه باعتباره امتدادا لنظام والده، قد يستغرق الأمر سنوات حتى يتمكّن من بناء المستوى نفسه من السلطة.
وتابع “سيكون مجتبى صوتا واحدا، لكنه لن يكون الصوت الحاسم. عليه أن يثبت نفسه كصوت موثوق وقوي ومهيمن، وعلى النظام ككل أن يتّخذ قرارا بشأن الاتجاه الذي سيسلكه”.
في المحصلة، لا تبدو الرسائل المنسوبة إلى المرشد المغيّب مجرّد مواقف سياسية، بقدر ما تعكس صراعا مكتوما داخل بنية النظام نفسه، حيث تتقدّم مؤسسات القوة الصلبة لفرض إيقاعها في لحظة ارتباك قيادي غير مسبوقة. وبين خطابٍ يتشدّد في العلن وواقعٍ يكتنفه الغموض في الكواليس، تظلّ إيران معلّقة بين خيارين: إعادة إنتاج التشدد كآلية بقاء، أو الانزلاق نحو انكشاف داخلي قد يعيد رسم توازنات السلطة برمّتها.