بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية.. موقع درج
اعترفت أني وقعت في حبّ تورنتو، بعدما كنت أخشاه وأتحاشاه، وقرّرت ألّا أكتم هذا الحبّ بعد الآن، بل أصدّقه وأُعلنه، وقبل وصولي إلى البيت بدأ القلق من أن أخسرها يوماً ما ينخر قلبي، فلربما يحضّر لي القدر فراقاً آخر كعادته حين يراني وقعت في الحبّ… حتى ذلك الوقت سأغني مع هايده “يا ذا العينين السوداوين أنا لست بخير”!
تفتح تورنتو ذراعيها لي مجدّداً، تنكشف أمام عيني غاباتها الخضراء التي تخترقها غابات من الأبنية الزجاجية في مشهد عجيب، وتلمع بحيرتها من بعيد مثل سمكة فضية عملاقة، تنفرج شوارعها أمامي كأن عصا سحرية تشير إليها، فتمتثل، يداعب نسيمها الناعم وجهي، وينفخ في صدري شعوراً طافحاً بالحرّية، أسمع هاتفاً يقول: حللت أهلاً ووطأت سهلاً… فتمتلئ خزّاناتي بمزيد من الطاقة.
هكذا هي تورنتو دائماً ساحرة، مثلما رأيتها للمرّة الأولى، مثلما أراها في كل مرّة… تطوّقني بالدهشة فأهرب منها لائذة بقوقعة الثبات الانفعالي، تجبرني على الاقتراب على رغم حرصي على البقاء بعيدة. في كل مرّة أراها أكافح لحماية قلبي من الانزلاق إلى فخّ حبّها، أحاول ألّا أبالغ في تضخيم مشاعري نحوها، أو أن أتوغّل في فكفكة أسرار حبّها وطبقاته.
كل ما في تورنتو جذّاب ويُغري بالإعجاب، الوداعة التي تمنح الغريب شعوراً بالألفة غصباً عنه، الألوان والروائح والأصوات واللطف الزائد عن الحاجة التي تعرضها بسخاء على حواسّه وقلبه.
أسأل نفسي: أليس الإعجاب هو الشعور الأوّلي الذي يُعبّد الطريق نحو الحبّ؟ أهمّ بالاعتراف، فينتفض قلبي فجأة كأن هبّة صقيع مسّته، يصدّني شعور بخيانة مدن فارقتها ولم تفارقني.
أترك وسطها الساحر خلفي، وأصل إلى موعدي في الحيّ اليوناني مبكرة قليلاً، ليس حرصاً على الالتزام بل رغبة في اكتشاف تفاصيل جديدة.
مقهى “اللقلق” ليس بعيداً، ودلال لم تتّصل بعد تستعجلني، يمكنني إذاً، أن أحوم في الحيّ مثلما يحوم طائر اللقلق فوق مياه البحيرة، سأصطاد ما يعجبني من مشاهده وأخزّنها في ملفّ خاصّ في ذاكرتي، ربما سأطلق عليه اسماً يونانياً “إيثاكا” مثلاً، لأُطعم منه لاحقاً وحدتي حين يسدّ الثلج الطرقات ويراكم طبقات عزلتي.
أترجّل من السيّارة، وأقصد حديقة صغيرة تتوسّط مقهيين، أجلس على أقرب مقعد أراقب كيف تحدث حياة الناس من دون قيود، أسجّل انفعالاتهم وسكناتهم تحت سقف الحرّية العالي للمدينة. عشّاق ملتصقون جسدياً كأنهم توائم سيامية، امرأة في مثل سنّي تنظر إلى شاشة هاتفها تقرأ وتذرف الدموع من دون إحراج، مسنّان يجلسان شاردين والصمت ثالثهما، شبّان يبالغون في الضحك والصخب، وعصافير صغيرة تتنقّل فوق الأغصان وتقترب من المتنزّهين بطمأنينة. ما أبسط هذا العالم! ليتني لم أعرف غيره.
أمضي إلى موعدي وأنا مأخوذة بتفاصيل الحيّ البعيد عن المدينة القريب من القلب، الذي يشبه أحياء كثيرة عشت فيها أو عاشت فيّ: العشوائية المنظّمة، روائح الخبز والخضار المعروضة على البسطات، أصص الورود على الأرصفة، الأبنية القديمة القليلة الارتفاع، النوافذ المفتوحة وستائر الحرير التي تتطاير مع نسمات الهواء، أدندن أغنية شادية “شباكنا ستايره حرير من نسمة شوق بتطير”، وأطير.
عند زاوية الشارع ألمح الشرطي يبتسم، يبدو هذا مألوفاً هنا، أتبع حركة الشارع وعبور المارّة فوق التقاطعات، أقف مع جيش المنتظرين عند الإشارة، نتبادل التحايا والابتسامات، يمسك الفضاء المفتوح يدي، ينقلني إلى الرصيف المقابل، بكثير من الثقة والأمان.
أقف أمام مقهى “اللقلق” ألوّح لدلال من خلف الزجاج، أرى في وجهها كل ما يسرّ العين والقلب… جميلة دلال وهي تعي ذلك جيّداً، جميلة لأنها ليست من النساء اللواتي يُنكرن قيمتهن، وأنا أعي هذا جيّداً، أجمل ما فيها أنها تحلم، تحلم كثيراً، وثاني أجمل ما فيها أنها تعمل، تعمل كثيراً أيضاً، أظنّ أن هذين الأمرين كفيلان بأن يجعلا أي امرأة تنتصر على أعتى جيوش العائلة والمجتمع والقبيلة، يمنحانها صكّاً ممهوراً باستحقاق الحياة.
ندخل مباشرة في صلب الموضوع، ما هو الموضوع؟ أفكارنا المذهلة عن الحبّ والزواج والسفر والصحافة والكتب، عن بطولات النساء حين يخلّصن أنفسهن من الألم بأيديهن، حين تكون نجاتهن من مرض أو رحلة ليست نتيجة علاج أو علاقة أو مال أو فرصة مؤاتية، بل نتيجة قرار. عن شجاعتهن حين يعترفن لمراياهن بأخطائهن وهفواتهن، أو حين يكرّرن تجاربهن على رغم خيباتها وصعوباتها، حين لا ترعبهن فكرة الوحدة ولا الوحشة ولا الغربة، حين تخرج أرواحهن من أقبية العتمة مضيئة مثل خيوط الأمل، حين يتذكّرن كيف تحمّلن العيش مع الجميع، وكيف يتحمّلن العيش من دون الجميع ويقهقهن، يقهقهن بصوت عالٍ، مثلنا… دلال وأنا.
نتمشّى صوب المطعم الإيراني، يستقبلنا صوت هايده (مغنّية إيرانية)، هايده كانت تغنّي بروحها كما يصفونها، يثقب صوتها قلبي كما يفعل في كل مرّة، تُعيد مقطع “يا ذا العينين السوداوين أنا لست بخير”، فيما نحن ننظر إلى صحن الأرزّ بالزعفران مع الكباب والسلطة الشيرازية! ونضحك كثيراً غير آسفتين على ما فاتنا، ونتّفق على أننا ما زلنا بخير…
في المطعم الإيراني، قالت دلال إن ما يحميها ليس الصلابة، بل سحر اكتشاف الهشاشة. تلك الجينة النسائية التي لا يعترف الطبّ ولا العلم بها، التي تجعل النساء أكثر تصالحاً مع الحياة، فيكنزن القناعة ويورثنها لحفيداتهن.
وأنا قلت إني أخاف من الحبّ ومع ذلك أتمنّاه، وإن في داخلي طفلة لم تنضجها نار التجربة، تفسّر كل عطفة حبّاً، ساذجة إلى درجة أن غريباً يمكن أن يضحك عليها ويخطفها، طفلة صارت امرأة فجأة لكنّها لم تتفاجأ، ما فاجأها حجم الألم الذي وأد براءتها.
نخرج إلى الشارع للتمشية مجدّداً، نشتري “البوظة” ونجلس في الخارج على مقعد ونمدّ أرجلنا على مقعد آخر، نسترخي كأننا نتشمّس على شطّ بحر الهوى. يتدخّل في المشهد صوت موسيقى تصدح في الشارع، إنها أغنية إغريقية صاخبة، تدنو الشمس كثيراً من مثلّجاتنا فنقضي عليها قبل أن تذوب.
في طريق العودة كنت مثل طفلة ضلّت طريقها، فلم تعد تعرف أين البيت ومن أين الطريق، ذوّبني سحر تورنتو وحيّها اليوناني واعترافاتنا الجميلة، وقرّرت أن أستكملها مستغلّة زحمة السير.
فاعترفت لنفسي، أني أحبّ أساطير اليونان، وأحبّها إليّ الحرب التي أحرقوا فيها طروادة من أجل امرأة! وأني أحبّ الحيّ اليوناني لأن فيه شيئاً من روح بلادي البعيدة ومزاجها، وأني أحبّ دلال لأن صلابتها علّمتني كيف أُجبر خاطري المكسور بتقنياتي الخاصّة، وأُسكت القلق الذي يقرض عمري مثل فأر وأعيشه لئلا يمرّ على الفاضي.
واعترفت أيضاً أني وقعت في حبّ تورنتو، بعدما كنت أخشاه وأتحاشاه، وقرّرت ألّا أكتم هذا الحبّ بعد الآن، بل أصدّقه وأُعلنه، وقبل وصولي إلى البيت بدأ القلق من أن أخسرها يوماً ما ينخر قلبي، فلربما يحضّر لي القدر فراقاً آخر كعادته حين يراني وقعت في الحبّ… حتى ذلك الوقت سأغني مع هايده “يا ذا العينين السوداوين أنا لست بخير”!