
تجاوزت تيارات كثيرة في النظرية السياسية، وكذلك في الدراسات التطبيقية للأنظمة السياسية، المنظورات الكلاسيكية عن «العقد الاجتماعي»، المرتبطة غالباً بنزعة حقوقية ليبرالية، وخاصة فكرة تقسيم العالم إلى «أنظمة سلطوية» تقوم على القمع والعنف، و»أنظمة ديمقراطية» تقوم على الحقوق والمشاركة والمحاسبة. إذ لا يمكن لأي نظام، مهما بلغت قوته الأمنية والعسكرية، أن يقوم على القمع والعنف وحده؛ كما لا يمكن لأي نظام ديمقراطي، مهما بلغت حرياته وتسامحه، أن يقوم على الحقوق فحسب، فهنالك جانب أساسي منه يقوم على القمع والسيطرة والسلطوية، دعك من أن تعريف السيادة نفسها، ينبني على القدرة على فرض «حالة الاستثناء»، التي تعلّق فيها السلطة جانباً أساسياً من الضمانات القانونية والحقوق.
لتحقيق فهم أفضل للأنظمة غير الديمقراطية، بعيداً عن اختزالها بمقولة «الحكم بالحديد والنار»، ظهرت عدة نظريات لتفسير العلاقة المعقدة بينها وبين محكوميها، ومن أهمها فكرة «الشرعية الأدائية/الوظيفية»، وهي تقوم على أن الأنظمة الديكتاتورية تستمر بفضل عقد اجتماعي مضمر، تقدّمه لمحكوميها، أساسه تحقيق حد أدنى من الوظائف الاجتماعية، مثل النمو الاقتصادي، وقَدر من الدعم والرعاية الاجتماعية، والأمن، والصحة، والتعليم. إذا اختل هذا العقد المضمر، فمن المتوقع أن يحدث تمرّد واسع النطاق بين المحكومين، وعندها ستتحوّل الدولة، مهما بلغت ضراوتها، إلى مجرد طرف في حرب أهلية، لا يمتلك شرعية احتكار العنف، أو القدرة على بسط السيادة على الأرض.
انهيار «العقد المضمر» لا يمكن قياسه أو التنبؤ به، لأنه ليس مؤطراً بأطر سياسية وقانونية، واضحة الإجراءات والمعايير، ولذلك فبمجرد أن يضمحل نظام، ويعجز عن أداء وظائفه، يمكن لأي شرارة أن تفجّر الأوضاع، وتؤدي إلى اضطرابات اجتماعية كبرى. هناك أيضاً مفهوم «الائتلافات السلطوية»، وهو أكثر شمولاً، من حيث قدرته على تفسير استمرار أنظمة غير ناجحة وظيفياً؛ وكذلك كونه أكثر ابتعاداً عن ثنائية أنظمة سلطوية/أنظمة تمثيلية. ضمن هذا المفهوم، كثير من الأنظمة السلطوية تؤمّن تمثيلاً غير مباشر لمحكوميها، ونوعاً من المشاركة، والمحاصصة، وتوزيع المناصب غير المُسمّى أو المعلن، عبر بناء ائتلافات اجتماعية واسعة، تكوّن قاعدة السلطة، وقد تقوم على أساس مناطقي، أو عشائري، أو طبقي، أو ديني، أو خليط من كل ما سبق. ويتم ضمان ولاء الائتلاف، وتبعية فئاته المتعددة، عبر شبكات من توزيع الريوع والفوائد والنفوذ، حسب القرب والبعد من مركز السلطة.
يؤمّن هذا النظام استقرار سلطة الدولة، في مجتمعات ضعيفة القدرة على التمثيل المستقل لنفسها، وذات «مجتمع مدني» ضعيف النمو، ليس بسبب السلطة فقط، بل بسبب بدائية علاقات الإنتاج ورثاثة المؤسسات، التي تنشئ مجال المجتمع المدني أصلاً، فتدخل المجتمعات في دائرة مفرغة: المجتمع المدني أضعف من إنتاج علاقات سياسية، وتمثيل ذاتي متطوّر، والدولة، بسياساتها الأبوية، سياسياً واقتصادياً، وكذلك شبكاتها الزبائنية، تمنع تطوّر المجتمع المدني، ما يجعل الحديث عن عقود اجتماعية، وحقوق مقوننة، غير واقعي. تنهار الائتلافات السلطوية عندما تعجز الدولة عن الحفاظ على ائتلافها الاجتماعي الكبير، وتمثيله في بناها، ومد شبكاتها الزبائنية، وإدماج الفئات المختلفة فيها، وعندها قد يحدث انفجار اجتماعي شديد العنف، تنحلّ فيه الدولة إلى وضعية الميليشيا الفاقدة للشرعية.
يتداخل النموذجان المذكوران أعلاه، فلا يمكن بناء ائتلاف اجتماعي من دون أداء وظائف معيّنة بنجاح؛ ولا يكفي النجاح الوظيفي في ضمان الشرعية، إذا لم يستطع بناء حد أدنى من الائتلافات الاجتماعية/السياسية. فضلاً عن هذا، لا بد من رواية مؤسِّسة للدولة وشرعية السلطة في كل الحالات؛ وبناء قومي واضح المعالم لـ»الأمة» و»الشعب»؛ وحشد ضد عدو معيّن، سواء كان داخلياً أو خارجياً، في إطار معركة تاريخية ما. باختصار: الديكتاتوريات والأنظمة السلطوية، أعقد بكثير من حاكم شرير، يريد أن يفرض تسلّطه على محكوميه، كما أنها أعقد من «سلب الحقوق» من المجتمع، فالحقوق ليست بديهيات، بل نتائج لصراع اجتماعي وسياسي، وتوازنات قوى، وقدرة على التمثيل الذاتي المستقل في مجتمع متعدد، قادر على بناء أطره التواصلية والتفاوضية، التي تصل إلى مرحلة «الحقوق».
أيضاً فإن الحاكم الديكتاتوري ليس مجرد «صاحب سيادة»، يفرض نفسه بالعنف المؤسس للقانون، وقدرته على فرض «حالة الاستثناء»، بل هو أيضاً مؤدٍ لوظائف، وباني ائتلافات، وصفته السلطوية «المنتجة» هذه، لا تقل أهمية عن صفته السلطوية القمعية والعنفيّة، في ضمان نجاحه واستمراره.
يمكن القول إذن أنه لا يمكن دراسة أي نظام سلطوي، مع تجاهل عاملين: الهيمنة والرضا، أي قدرته على الهيمنة الأيديولوجية على محكوميه، وجعل مفاهيمه «طبيعية» بالنسبة لهم، وتشكّل «الحس السليم»؛ وكذلك قدرته على ضمان الحد الأدنى من رضا المحكومين، حتى لو لم يتمتعوا بحقوق فعليّة. وقد يمكن تعريف الرضا بأنه نوع من الحساب العقلاني، الذي يجريه المحكومون، ويتوصّلون فيه إلى أن ما يعرضه عليهم الحاكم هو أفضل الممكن، بالمعنى الإيجابي والسلبي معاً، فهو يمنحهم بعض المكاسب من جهة، وينجيهم من الفوضى والعنف، الذي قد يمارسه هو نفسه، ما يجعل التمرّد أكثر كلفة من الخضوع. إلا أن هذا الحساب لا يتم بشرط عقلاني مجرّد ومتعالٍ، بل ضمن إطار الهيمنة الأيديولوجية للنظام نفسه، الذي ينتج «الحس السليم» لمحكوميه، وتصوراتهم عن الذات والحياة، ومفاهيمهم الأساسية عن الأمة والسياسة والأدوار الاجتماعية، بل ينتج حتى جانباً أساسياً من تصوراتهم عن أجسادهم ومستوى معيشتهم عبر سياساته الحيوية. إنه تفكير يتم من داخل النظام، وضمن نمطه من «العقلانية»، وليس بمعايير مطلقة. ولذلك فإن مفهوم المحكومين عن المقبول والمرفوض، المُذِل وغير المُذِل، الحد الأدنى للحياة والاستمرار، مبني بشكل قَبْلي، من قبل السلطة والنظام العام السائد، وهما مفهومان أوسع حتى من الدولة وأجهزتها.
إضافة لهذا يوجد جانب الأداء الرمزي، عبر إظهار القبول والخضوع بواسطة عدد من الطقوس السلطوية، التي يمارسها المحكومون حتى لو لم يقتنعوا بها، أو سخروا منها في جلساتهم الخاصة، وهو ما درسته مثلاً الباحثة الأمريكية ليزا ودين، في عدة دول عربية، منها سوريا، ويعني أن السلطة تُمَارس عبر عادات متجسّدة، بما يُنتج الاعتياد الاجتماعي عليها، وإظهار سطوة السلطة في الحياة اليومية، ودمجها في الأداء الجسدي للأفراد، فيعيد الفرد إنتاج مظاهر السلطة بشكل «طوعي»، عبر المشاركة بطقوس الولاء لها، حتى لو كان يسخر منها في أعماقه. إلا أن ودين بالغت للغاية في تقدير جانب الأداء الرمزي، ولم تهتم بما فيه الكفاية بالجانب الوظيفي والائتلافي للسلطة، وكذلك بالرضا والهيمنة، فحتى لو كان البشر يسخرون من الطقوس التي يؤدّونها، فممارستهم لها لا يمكن أن تستمر، من دون رضا وهيمنة، وتبنّي الافتراضات الأساسية للنظام حول الأمة وأعدائها، والذات والأمن والسياسة والمجتمع و»الطبيعي»، فالهيمنة أعمق من أن تكون مجرّد اقتناع بشعارات وأداءات معينة، ومن دون جانب الهيمنة والرضا لا يمكن تفسير أداء المحكومين للطقوس السلطوية، التي يسخرون منها، إلا بتعرّضهم للتهديد بالعنف المحض، ونعود بذلك إلى النظرة الاخترالية المبسّطة لـ»الأنظمة السلطوية» بوصفها حكماً بالحديد والنار.
في كل الأحوال، نحن نبقى دائماً على مستوى الدول والأنظمة المكتملة، عندما نتحدث عن هيمنة أو رضا أو أداء رمزي، ولكن ماذا عن الحالات التي تنهار فيها الدول والأنظمة؟ هل يمكن أن تستمر الهيمنة والرضا، حتى لو لم يكونا يؤديان وظائف، أو يبنيان ائتلافات؟
حق الاستئصال
برز في عدد من دول المنطقة، عقب «الربيع العربي»، نمط جديد من شرعية الدول: أي دولة أفضل من اللادولة؛ وأسوأ دولة أفضل من أفضل ميليشيا. هكذا رمّمت عدد من الدول شرعيتها، من دون وعود كبيرة، أو روايات أيديولوجية متماسكة، فقط تكفي الإشارة إلى البلدان التي انهارت فيها الدول، لنيل رضا المحكومين عن الوضع القائم. بالطبع هذا الشرعنة السلبية لا يمكن أن تستمر على المدى المتوسط والطويل، ولكنها عدّلت بالفعل سقف التوقعات عما يمكن أن تصل إليه شعوب المنطقة: مجرد الحياة من دون اعتداءات ميليشياوية، وحرب أهلية، وتحت أي ظرف كان، هو بحد ذاته إنجاز. خفض التوقعات هذا صار عنصراً بنيوياً في أي هيمنة متكاملة، يمكن بناؤها مستقبلاً.
إلا أن الأمر لا يقتصر على التهديد بالفوضى، الذي يمكن أن يشكّل عاملاً ضاغطاً سياسياً في أي مجتمع، بل يتعداه إلى جانب أكثر عمقاً، يبرز في المجتمعات الخاضعة لسيطرة الميليشيات، وله أبعاد أيديولوجية شديدة الوضوح: المنّة في استمرار الوجود. ومنظوره الأساسي أن الاستمرار في الحياة نفسها، وعدم التعرّض للقتل أو التعذيب أو الاغتصاب، هو منّة من طرف قوي، يملك «الحق الطبيعي» في الإلغاء والاستئصال والاعتداء، ولكنه يتنازل عن ممارسته، وليس عن الحق نفسه. ولدى أي إخلال بعلاقة الخضوع، أو تمرّد عليها، سيعود إلى ممارسة حقه الطبيعي. هذا يجعل الوعد الوحيد الجدّي للسلطة هو عدم القتل، أما رضا المحكومين، المختلط بالامتنان، ناتج عن أن القتل لم يتم. هذه العلاقة الغريبة ليست «طبيعية» على الإطلاق، وليست مجرد نتيجة للخوف، بل هي نتيجة هيمنة، من دونها قد لا يقبل البشر بهذه المعادلة، ويسعون لحماية أنفسهم من قوة صاحب «الحق الطبيعي» بأي طريقة.
الهيمنة هنا تنبني على أساس التفوّق العرقي أو الديني لمجموعة ما، تعتبر نفسها مادة أو جوهر الأمة، ويحق لها فرض سيادتها، وثقافتها، وإدماج كل الآخرين والمخالفين بها، كما أن لها تراثاً في فرض هذه السيادة. وهذا الافتراض لا تقتنع به المجموعة مدعية التفوّق فقط، بل صار يحمل سمات بديهيّة، تؤمن بها في العمق حتى المجموعات الدونية أو المُعرّضة للاستئصال، والتي ترى أنه من «الطبيعي» أن تعيش تحت مثل تهديد كهذا، وأن تدير حياتها وسلوكها ومظاهرها الثقافية على أساسه، أو في سبيل التأقلم معه. الإبادة هنا عنصر أيديولوجي تأسيسي، حتى لو لم تقع، يكفي «وجودها بالقوة»، أي إمكانية تحققها في أي لحظة، لبناء نوع من الهيمنة، التي لم تكن ممكنة لولا الإقرار بامتياز المجموعة صاحبة «حق الاستئصال»، والرضا بعدم المساواة معها. ويجب البحث في أسباب هذا الإقرار والرضا في مفاهيم «الشعب» و»الأمة» السائدة، بما فيها من روايات تاريخية، ودين، وأيديولوجيا.
ورغم أن الفوضى و»الحق الطبيعي في الاستئصال» يخفّضان المعايير وسقف التوقعات الاجتماعية والسياسية إلى أقصى درجة، وينتجان أنماطاً من الهيمنة، ينبني عليها حساب «واقعي»، قد ينتج شكلاً من الرضا، والمشاركة ببعض الطقوس الرمزية للسلطات القائمة، إلا أنهما لا يمكن أن يكونا أساساً لدولة أو نظام، لأنها لا يستندان إلى أي ائتلافات اجتماعية موسّعة، أو وظائف اجتماعية مؤدّاة، ما يجعل استمرار الفوضى، والتحريض، والعنف اليومي غير المُحتكر من قبل دولة، ضرورة لاستمرار السلطات القائمة، التي ليس لديها ما تقدّمه، إلا اللعب على وتر المخاطر الوجودية للمجموعات الخاضعة لها. يخلق هذا النوع من السلطات مجال الفوضى، وينتعش ضمنه، ويستعمله ليحقق غاياته، ولا مصلحة له باستقرار الأمور، لأنه يضعه أمام استحقاقات اجتماعية وسياسية لا يرغب، ولا يستطيع تلبيتها، وتتعارض أصلاً مع منظوراته الأيديولوجية.
قد تصبح حالة الفوضى هذه مستدامة، ولها شبكاتها، وأمراؤها، وناشطوها، وأثرياؤها، وتوجد أمثلة كثيرة عن بلدان عاشتها لسنوات طويلة، من النوع الذي يُسمى «الدول الفاشلة»، إلا أن هذه التسمية معيارية أكثر من اللازم، تفترض أن القوى الحاكمة والمسيطرة في تلك البلدان تهتم أصلاً بأن تصير دولة، ولكنها تفشل، فيما الأرجح أنها تشتغل ضمن نموذج مغاير للدولة، بأي تعريف لها، والأجدى البحث في هذا النموذج باستقلال، بدلاً من وصفه بما ينقصه، لكي ينجح بمعايير نموذج آخر مختلف.
بروز الحقوق
الموافقة الضمنية على امتياز الجماعة التي تمتلك «حق الاستئصال»، لها تراث طويل في القومية العربية والإسلام السياسي، وهي لا تشمل فقط الجماعات المهددة بالإبادة، بل أيضاً كثيراً من المثقفين والناشطين، الذين يعتبرون المساواة أمراً غير مطروح، ويتنازلون عن أساسيات حرية المعتقد والتعبير، كي لا يستفزوا «ثقافة الشعب»، التي يحق لها أن تستأصل كل ما يخالفها.
قد يكون نزع بداهة هذا الامتياز الخطوة الأولى في مواجهة الهيمنة، ويفتح الباب أولاً لحق «غير طبيعي»، ولكنه من أساسيات كل تفكير حقوقي حديث، بما في ذلك الأفكار المتجاوزة لليبرالية: حق الحياة غير المشروط، أي يجب أن لا تعيش أي جماعة تحت تهديد الإبادة، أو أي فرد تحت تهديد القتل، من دون جرم، إلا الاختلاف العقائدي أو القومي أو الإثني، أو تغيير الدين أو نقده، أو حتى الاختلاف في السلوك الجنسي، ولا داعي هنا لمراعاة أي «حساسيات» أو «ثقافة شعب»، فـ»ثقافة» ترى أنه من الطبيعي قتل من يخالفها يجب عدم مراعاتها أو الخضوع لها. حق الحياة غير المشروط هذا يفتح الباب تلقائياً لحقوق أخرى، مثل حرية المعتقد والتعبير وتقرير المصير الفردي والجماعي، وهي كلها حقوق تتطلب إطاراً سياسياً لضمانها، لا يمكن أن يقوم إلا على مبادئ مثل العلمانية والاعتراف، والحد الأدنى من التمثيل المؤطّر.
لا توجد مجموعات قادرة على تمثيل نفسها باستقلالية، والمطالبة بحقوقها، في مجتمعات مدمّرة، ودول مضمحلة، ولكنّ الخطر الوجودي، وضرورة كسر الهيمنة القائمة على الاستئصال، قد يساهمان ببروز مفاهيم واضحة عن الحقوق، وسعياً إلى تمييز الذات، ومن ثم تمثيلها، للمطالبة بتلك الحقوق.
بالتأكيد بروز مفهوم عن الحقوق لن يؤدي تلقائياً إلى نيلها، ولن يحدد حتى أشكال تأطيرها وممارستها، ولكنه يُعطي توجهاً سياسياً، وبوصلة عمل. رغم ذلك يبدو الخروج من الهيمنة شديد الصعوبة بين المجموعات البشرية التي تعيش ظروف المنطقة حالياً، والتي تميل إلى تكرار نمط ملحوظ من ادعاء التفوّق، المختلط بـ»المظلومية»، ومحاولة فرضه على الآخرين، ومن ثم الخضوع مجدداً، من دون أن تنتج مفاهيم تواصلية، تعترف بالتعددية، وبحق الآخر بالوجود غير المشروط، وتفهّم مصالحه ومطالبه وموقعه. قد تكون الحروب الأهلية الدائمة، ومحاولات الإخضاع الدموية، والفاشلة في الوقت نفسه، ودعوات العقوبة الجماعية والإبادة، هي الدائرة التي يصعب كسرها حالياً.
في كل الأحوال، توصيف ما يحدث بأنه دائرة من الهمجية، مفيد على المستوى العملي، وليس فقط النظري، إذ سيدرك البشر أنهم أمام خطر تعذّر استمرار الحياة، وعليهم السعي للخروج من «الأمة» الأحادية، التي أنتجت تلك الدائرة، وهذا يعطيهم خياراً، ويحمّلهم مسؤولية، ويخرجهم من موقع الضحية الأبدية، ولعل هذه أولى خطوات اكتساب مفهوم عن الذات السياسية، أي كونك فاعلاً وليس مجرد قائم بـ»ردة فعل»، وصاحب خيار، عليك أن تتحمّل نتائجه.