شكّل اتّصال وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو برئيس الجمهوريّة جوزف عون، وتحذيره من أنّ “إعادة شحنة المتفجّرات المضبوطة إلى “الحزب” يجب ألّا تكون مطروحة”، تحوّلاً لافتاً في مسار القضيّة، بعدما نقلها من دائرة التحقيقات الأمنيّة والقضائيّة إلى مستوى الاهتمام الأميركيّ المباشر. أضفى الموقف الأميركيّ بُعداً سياسيّاً إضافيّاً على ملف تتضارب بشأنه الروايات الأمنيّة بين معلومات سوريّة عن عمليّة ثانية مشابهة تمّ خلالها ضبط أكياس قمح يُشتبه في خلطها بموادّ متفجّرة على محور رنكوس ـ الطفيل، وموقف لبنانيّ رسميّ يحصر الوقائع بشحنة واحدة ضُبطت في منطقة القصر ـ الهرمل، فضلاً عن شاحنة ضهر البيدر.
تكمن أهميّة اتّصال روبيو في توقيته والدلالات السياسيّة التي يحملها، ويعكس حرص واشنطن على ربط قضيّة ضهر البيدر بمسار أوسع يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة وضبط الحدود ومنع انتقال الموادّ العسكريّة خارج إشراف المؤسّسات الرسميّة، حيث سارع السفير الأميركي ميشال عيسى إلى التأكيد أيضاً “نعطي هذه الحادثة أهمّية وسنلاحقها إلى “آخر تكّة” وهذا ما طلبناه من الحكومة اللبنانية”. كذلك قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تعليقه إلى محطة الـMTV: “نحن نبحث في الأمر”. فيما عكس موقف النائب فضل الله تمسّك “الحزب” باستقلاليّة نشاطه العسكريّ، مقابل التوجّه الرسميّ نحو حصريّة السلاح والقرار الأمنيّ بيد المؤسّسات الشرعيّة.
تكشف عمليّات ضبط المتفجّرات المتلاحقة على الحدود اللبنانيّة السوريّة، وفي الداخل اللبنانيّ، عن نشاط مقلق لشبكات تهريب الموادّ الشديدة الانفجار، وتضع التنسيق الأمنيّ بين بيروت ودمشق أمام اختبار جدّيّ.
قمح مخلوط بمتفجّرات
في هذا السياق، كشف مصدر أمنيّ سوريّ رفيع لـ”أساس ميديا” أنّ الجيش اللبنانيّ ضبط أيضاً بالقرب من الطفيل ثلاثة حمير تحمل تسعة أكياس من الخيش تحتوي على قمح مخلوط بمادّة يُشتبه بأنّها متفجّرة. وأوضح المصدر أنّ إبلاغاً بشأن الواقعة جرى عبر غرفة التنسيق اللبنانيّة السوريّة عند الساعة الثانية عشرة ظهراً من يوم الإثنين 12 تشرين الأوّل، بالتزامن تقريباً مع إعلان ضبط شحنة القصر ـ الهرمل. ورجّح المصدر أن تكون المادّة المخلوطة بالقمح من نوع “سي 4″، وأنّ القمح استُخدم وسيلة للتمويه، لكنّه امتنع عن الجزم بطبيعة المادّة قبل صدور نتائج الفحوص المختصّة.
على الرغم من إصرار الجانب اللبنانيّ على أنّ عمليّة الضبط محصورة بواقعة القصر، إلّا أنّ الحادثة تكشف عن أسلوب تهريب يستفيد من طبيعة المنطقة الجبليّة والحركة المعتادة في الجرود، حيث يمكن نقل المؤونة الزراعيّة بواسطة الدوابّ عبر ممرّات يصعب على المركبات اجتيازها.
رأى المصدر الأمنيّ السوريّ أنّ تعدّد محاولات التهريب يشير إلى نشاط متزايد لـ”الحزب” في نقل الموادّ الشديدة الانفجار من سوريا إلى لبنان، وربّما يرتبط بالحاجة إلى تعويض نقص في مخزونه من هذه الموادّ.
شبكة إنذار تحت الاختبار
بحسب المعلومات الأمنيّة المتاحة لـ”أساس ميديا”، ينسّق الجانبان اللبنانيّ والسوريّ عبر شبكة إنذار مشتركة لتبادل المعلومات بوتيرة شبه ساعيّة عن حركة المهرّبين والعمليّات المنفّذة ضدّهم. ويجري التواصل من خلال غرف عمليّات على جانبَي الحدود، إلى جانب غرفة مركزيّة.
تتولّى إدارة حرس الحدود في وزارة الدفاع السورية حماية الحدود مع لبنان، وتنشر، وفق هذه المعلومات، أربعة ألوية من منطقة معبر العريضة إلى السفوح الشماليّة لجبل الشيخ. وفي الجانب اللبنانيّ، تتوزّع المهمّة على أربعة أفواج للحدود البرّيّة، بإسناد من وحدات الجيش الأخرى، ويشمل قطاع الفوج الثاني القصر- الهرمل، فيما ينتشر الفوج الرابع في المنطقة الواقعة بين بعلبك ومعربون، ويؤمّن جانب الحدود المقابل لعسال الورد ورنكوس وسرغايا.
على هذا الأساس، يرفع وجود شبكة إنذار بهذا المستوى سقف المسؤوليّة على الجانبين. فالمعيار هو سرعة متابعة المعلومة، والقدرة على قطع مسار التهريب وتحديد أصحابه. ويضع فرار مهرّبي شحنة الهرمل إلى سوريا أمام هذه المنظومة مهمّة مباشرة، تبدأ بتعقّبهم وتمتدّ إلى كشف صاحب الحمولة والجهة التي كانت تنتظر وصولها.
مع ذلك، تزيد وعورة الحدود وتداخل حركة السكّان صعوبة المهمّة، ما يمنح المعلومات المحليّة والمتابعة المشتركة أهميّة تضاهي أهميّة الدوريّات. فالشبكات التي تخسر شحنة تستطيع تعويضها ما دامت تحتفظ بتمويلها ومخازنها ومسالكها البديلة. وتشير حركة التهريب المستمرّة إلى أنّ شبكات التهريب عابرة للأيديولوجية والحسابات السياسيّة، وتهتمّ بمصالحها الشخصيّة، وتتعامل مع أحمال التهريب بوصفها بضائع للنقل بصرف النظر عن طبيعتها ومحتواها، وما يمكن أن تتسبّب به من خلل أمنيّ ينعكس على الدولتين معاً.
لذلك سيُقاس نجاح التنسيق بين دمشق وبيروت بالوصول إلى شبكات التهريب ومموّليها ومستودعاتها والجهات المستقبِلة للشحنات. وعمليّة التفكيك تلك تحدٍّ كبير أمام دولتين منهكتين أمنيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً.
ثلاث عمليّات أمنيّة
يذكر أنّه في الأوّل من تشرين الأوّل 2026 أعلن الجيش اللبنانيّ ضبط نحو 245 كيلوغراماً من مادّة “تي إن تي” الشديدة الانفجار، وأربع عبوات ناسفة وثمانية مفجّرات وأسلاك كهربائيّة خاصّة بها، أثناء محاولة تهريبها من الأراضي السوريّة إلى الداخل اللبنانيّ. وأشار بيان الجيش إلى أنّ المهرّبين فرّوا باتّجاه سوريا فور وصول الدوريّة العسكريّة.
بعد أحد عشر يوماً، وتحديداً في 12 تشرين الأوّل، أعلنت قيادة الجيش ضبط نحو 200 كيلوغرام من الموادّ المتفجّرة في منطقة القصر ـ الهرمل، موضَّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من سوريا إلى لبنان. ومرّة أخرى، نجح المهرّبون في الفرار إلى الأراضي السوريّة، فيما سلّمت الوحدات العسكريّة المضبوطات إلى المراجع المختصّة، وبدأت المتابعة والتنسيق لتوقيف المتورّطين. وقد تبيّن أنّها كانت منقولة على حمار، وأنّها من نوع “سي 4”.
بين هاتين العمليّتين، برزت قضيّة ضهر البيدر، حيث ضبط حاجز لقوى الأمن الداخليّ شحنة كبيرة من المتفجّرات، وأوقف شخصين كانا ينقلانها. ووفق المعلومات المنشورة، ضمّت الشحنة 14 شوالاً من مادّة “تي إن تي” بوزن 562 كيلوغراماً، و206 كيلوغرامات من مادّة “سي 4″، إضافة إلى 15 كرتونة من الكرات المعدنيّة (الخردق) بوزن 350 كيلوغراماً، وخمسة قوالب معدنيّة فارغة مخصّصة للحشوات الموجّهة.
