ليس إصرار رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو على إقامة علاقة مع المملكة العربيّة السعوديّة مجرّد محاولة لإضافة دولة عربيّة كبرى إلى قائمة الدول العربيّة المطبِّعة. إذ تمثّل السعوديّة ثقلاً سياسيّاً ودينيّاً واقتصاديّاً واستراتيجيّاً، من شأن انفتاحها على إسرائيل أن يغيّر موقع الأخيرة في المنطقة، ويمنحها شرعيّة إقليميّة أوسع، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل شبكة التحالفات في الشرق الأوسط.
من هنا يمكن فهم محاولات نتنياهو استثمار المواجهة مع جماعة الحوثيّين لإقناع الرياض بقبول تدخّل إسرائيليّ في اليمن، تحت عنوان التعاون الأمنيّ ومواجهة التهديدات المشتركة، بحسب ما أوردته صحيفة هآرتس، حيث تسعى إسرائيل، عبر وساطة أميركيّة، إلى إقناع الرياض بقبول تدخّلها في المواجهة مع الحوثيّين، على أمل أن يساهم التعاون في تطوير العلاقات الثنائيّة وفتح الطريق أمام التطبيع. وقد قوبل الطلب برفض سعوديّ.
إذ توفّر الهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت السعوديّة لإسرائيل فرصة لتقديم نفسها بوصفها شريكاً أمنيّاً محتملاً، مستفيدة من اتّساع التهديدات التي تطاول البنية التحتيّة الحيويّة والملاحة في البحر الأحمر.
لكنّ هذه المقاربة تصطدم برفض سعوديّ واضح. فالرياض لا تنظر إلى المسألة باعتبارها مجرّد تعاون عسكريّ ضدّ خصم مشترك، بل تدرك أنّ قبول الدور الإسرائيليّ قد يمنح نتنياهو مدخلاً إلى إعادة تعريف العلاقة بين البلدين، بحيث يصير التعاون الأمنيّ مقدّمة للتطبيع، بدلاً من أن يكون التطبيع نتيجة لتسوية سياسيّة عادلة للقضيّة الفلسطينيّة.
السّعوديّة: الجائزة الكبرى في الحسابات الإسرائيليّة
يريد نتنياهو من السعوديّة أكثر بكثير من مكسب دبلوماسيّ. فالتطبيع مع المملكة من شأنه أن يبعث برسالة إلى العالم العربيّ والإسلاميّ بأنّ تجاوز الصراع الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ بات ممكناً، وأنّ إسرائيل تستطيع الانتقال من موقع الدولة التي تعاني العزلة والصراع إلى موقع الشريك الطبيعيّ في ترتيبات المنطقة.
تكتسب الرياض أهمّيتها أيضاً من ثقلها الاقتصاديّ والماليّ، ومكانتها في العالم الإسلاميّ، وموقعها الجغرافيّ الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر. ومن شأن إقامة علاقة استراتيجيّة معها أن تفتح أمام إسرائيل آفاقاً اقتصاديّة وأمنيّة، وتعزّز موقعها في المنافسة الإقليميّة مع إيران، وتمنحها فرصة للتأثير في الترتيبات الأمنيّة المحيطة بالجزيرة العربيّة.
أمّا الهدف الأبعد فيتمثّل في بناء منظومة إقليميّة تكون إسرائيل جزءاً أساسيّاً منها، وتقوم على تقاطع المصالح في مواجهة إيران وحلفائها، وحماية الملاحة والمنشآت الحيويّة. من هذا المنطلق، تبدو محاولة إقحام إسرائيل في المواجهة اليمنيّة أكثر من مبادرة عسكريّة، إذ تسعى لتأسيس سابقة تتيح الانتقال من التعاون في ملفّ محدّد إلى شراكة أمنيّة أوسع، ثمّ إلى تطبيع سياسيّ.
لماذا ترفض الرّياض؟
لا يعني الرفض السعوديّ التقليل من خطورة الهجمات الحوثيّة أو الاستغناء عن تعزيز القدرات الدفاعيّة. لكنّه يعكس تمييزاً بين ضرورة حماية الأمن الوطنيّ وبين قبول ترتيبات قد تفرض أثماناً سياسيّة واستراتيجيّة تتجاوز حدود المواجهة الحاليّة.
التعاون العسكريّ مع إسرائيل في ظلّ استمرار الصراع الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ لن يُقرأ باعتباره خطوة تقنيّة محصورة في اليمن، بل قد يُفسَّر على أنّه استعداد سعوديّ لفصل أمن المملكة عن القضيّة الفلسطينيّة، ومنح الحكومة الإسرائيليّة مكسباً استراتيجيّاً من دون أن تقدّم مقابله تنازلات سياسيّة جوهريّة.
لا يمكن اختزال الموقف السعوديّ في حسابات الرأي العامّ، على أهمّيتها. فالمملكة تتمسّك أيضاً بأنّ علاقاتها الخارجيّة ينبغي ألّا تتحوّل إلى أداة لتحقيق أهداف حكومة إسرائيليّة تريد تجاوز القضيّة الفلسطينيّة من دون حلّها. وقد أكّدت الرياض مراراً أنّ إقامة علاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل مشروطة بقيام دولة فلسطينيّة مستقلّة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة.
من هنا، لا يبدو رفض التدخّل الإسرائيليّ في اليمن موقفاً معزولاً، بل امتداد لسياسة أوسع ترفض تحويل الضغوط الأمنيّة إلى وسيلة لانتزاع تنازلات سياسيّة. فالسعوديّة لا تريد أن يصير أمنها مقابلاً لتطبيع لا تتوافر شروطه، ولا أن يتحوّل التعاون في مواجهة خطر مشترك إلى مدخل لفرض علاقة استراتيجيّة لا تنسجم مع أولويّاتها.
نتنياهو يريد التّطبيع قبل التّسوية
تكمن إحدى نقاط الخلاف الأساسيّة في ترتيب الأولويّات. فنتنياهو يريد أن تكون المصالح الأمنيّة والاقتصاديّة مدخلاً إلى التطبيع، بما يسمح بتراجع مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة في العلاقات العربيّة مع إسرائيل. وهو بذلك يسعى إلى قلب المعادلة التي قامت عليها المبادرة العربيّة للسلام، والتي ربطت تطبيع العلاقات بإنهاء الاحتلال والتوصّل إلى تسوية عادلة وشاملة.
أمّا السعوديّة فتصرّ على أنّ التطبيع ليس مكافأة تمنحها لإسرائيل لقاء التعاون الأمنيّ، ولا ثمناً تدفعه مقابل مواجهة تهديدات إقليميّة. إنّه قرار استراتيجيّ يرتبط بمستقبل المنطقة وبالتسوية الفلسطينيّة، ولا يمكن فصله عن قيام الدولة الفلسطينيّة.
هنا تظهر معضلة نتنياهو: فهو يريد المكاسب الاستراتيجيّة للتطبيع السعوديّ، لكنّه ليس مستعدّاً لدفع الثمن السياسيّ الذي تضعه الرياض في مقدَّمه. فكيف يمكن للسعوديّة أن تقدم على تطبيع تاريخيّ، فيما تتواصل السياسات الإسرائيليّة التي تقوّض فرص قيام الدولة الفلسطينيّة، ولا يزال أفق التسوية غائباً؟
اليمن والبحر الأحمر: صراع على النّفوذ
تكتسب المحاولة الإسرائيليّة أهميّة إضافيّة بسبب الموقع الاستراتيجيّ لليمن المطلّ على باب المندب، أحد أهمّ الممرّات البحريّة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهنديّ. من الطبيعيّ أن تهتمّ إسرائيل بأمن البحر الأحمر، خصوصاً في ظلّ تهديدات الحوثيّين للملاحة المرتبطة بها. لكنّ تقاطع المصالح في حماية الممرّات البحريّة لا يمنحها تلقائيّاً دوراً عسكريّاً في اليمن، ولا يعني أنّ توسيع حضورها الأمنيّ يخدم بالضرورة المصالح السعوديّة أو العربيّة.
ثمّة فارق بين التعاون الدوليّ لحماية الملاحة وبين منح إسرائيل موطئ قدم استراتيجيّاً جديداً في محيط الجزيرة العربيّة. وقد يؤدّي إدخالها طرفاً مباشراً في المواجهة إلى تعقيد الصراع، ويمنح الحوثيّين فرصة لتوسيع التعبئة تحت عنوان مواجهة إسرائيل، بدلاً من احتواء التهديدات.
بالنسبة إلى الرياض، لا يتعلّق الأمر فقط بقدرة إسرائيل على تقديم المساعدة، بل بهويّة القوى التي ستحدّد مستقبل الترتيبات الأمنيّة في البحر الأحمر. فالمملكة لا تريد أن يتحوّل أمن هذا الممرّ الحيويّ إلى مدخل لتوسيع النفوذ الإسرائيليّ، على حساب استقلال القرار العربيّ.
واشنطن بين الضّغط على الرّياض وإقناع إسرائيل
لا يمكن فصل التحرّك الإسرائيليّ عن الدور الأميركيّ. فواشنطن ترى في التطبيع السعوديّ ـ الإسرائيليّ فرصة لتعزيز موقعها الإقليميّ وبناء شبكة أوسع من المصالح الأمنيّة والاقتصاديّة. لكنّ نجاح هذا المشروع يصطدم بإصرار الرياض على ربط العلاقات الرسميّة بتقدّم ملموس نحو الدولة الفلسطينيّة.
أمام الإدارة الأميركيّة خياران:
1- الضغط على السعوديّة لقبول تعاون أمنيّ يتطوّر لاحقاً إلى تطبيع، أو ممارسة نفوذها على إسرائيل لدفعها إلى خطوات سياسيّة تجعل التسوية ممكنة. وقد يحقّق هذا الخيار غير الوارد سعودياً مكاسب تكتيكيّة، لكنّه ينطوي على مخاطر استراتيجيّة لأنّه يعمّق الانطباع بأنّ واشنطن تريد إعادة تشكيل المنطقة من دون معالجة جذور أزماتها.
2- استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات تتعارض مع مواقف قطاعات أساسيّة في الائتلاف الحاكم لدى نتنياهو.
لا تطبيع تحت ضغط التّهديدات
في المحصّلة، يريد نتنياهو السعوديّة لأنّها تمنح إسرائيل ما لا تستطيع اتّفاقيّات التطبيع الأخرى توفيره وحدها: شرعيّة إقليميّة أوسع، وثقلاً استراتيجيّاً، وفرصة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط على أساس المصالح الأمنيّة، مع تقليص مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة.
أمّا الرياض فترفض أن يكون أمنها بوّابة لتحقيق هذه الأهداف، أو أن تتحوّل الهجمات الحوثيّة إلى وسيلة لفرض علاقة لا تتوافر شروطها السياسيّة. وهي تستطيع تعزيز دفاعاتها وحماية منشآتها من دون أن تقبل تلقائيّاً إشراك إسرائيل في أمن اليمن والبحر الأحمر.
السؤال الحقيقيّ ليس ما إذا كانت السعوديّة وإسرائيل تمتلكان مصالح مشتركة في مواجهة بعض التهديدات، بل ما إذا كان نتنياهو مستعدّاً لقبول الشروط السياسيّة التي تجعل تحويل هذه المصالح إلى علاقة استراتيجيّة أمراً ممكناً.
نتنياهو يريد العلاقة قبل التسوية، فيما تصر الرياض على أن التسوية ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التطبيع. وبين الموقفين، يبقى التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي مشروعاً بالغ الأهمية لإسرائيل، لكنه ليس قراراً تستطيع واشنطن أو تل أبيب انتزاعه بمجرد استثمار التهديدات الأمنية. فالمملكة تريد أن تكون شريكاً في صياغة مستقبل المنطقة، لا أداة في مشروع لإعادة تشكيلها على حساب الحقوق الفلسطينية واستقلال القرار العربي.
