ملخص
تعجز منظومة المشتريات العسكرية الأميركية البطيئة والمعقدة عن مواكبة السرعة التي تتطور بها تقنيات الحرب، فيما تمنح المسيّرات والذكاء الاصطناعي والابتكارات التجارية خصوم واشنطن ومنافسيها قدرة متزايدة على تقليص تفوقها العسكري. إصلاح الخلل يتطلب تغييراً جذرياً في قواعد الشراء والتمويل والتوظيف، ومنح البنتاغون مرونة أكبر في تحمل الأخطار والاستفادة من ابتكارات “وادي السيليكون” قبل أن تتقادم في دهاليز البيروقراطية.
تخيّل أنك تريد شراء هواتف “آيفون” جديدة لك ولأسرتك. تذهب إلى متجر لمعاينة أحدث طراز، “آيفون17″، ثم تدخل إلى موقع “أبل” لشراء هاتفك، لكن قبل إتمام عملية الشراء يُطلب منك أن تقضي عامين أو ثلاثة أعوام في اختبار الطراز الذي اخترته، وبحلول ذلك الوقت تكون “أبل” قد أطلقت طرازين أحدث، ربما “آيفون 18” و”آيفون 19″، ومع ذلك لا يُسمح لك بتعديل طلبك، بل يتعين عليك الالتزام بالطراز الذي اختبرته.
وحتى عندئذ، لن تتسلّم “آيفون 17” الذي أصبح متأخراً بعامين عن أحدث الطرز، إلا بعد عامين إضافيين، تكون “أبل” خلالهما قد كشفت عن “آيفون 20” و”آيفون 21″، ولن يصل في ذلك الوقت سوى هاتفك أنت، أما زوجتك وأطفالك فلن يحصلوا على هواتفهم من طراز “آيفون 17” إلا بعد عام أو عامين آخرين، وقد تجد نفسك أيضاً ملزماً باستخدام نظام التشغيل الذي كان متاحاً على الهاتف عندما بدأت اختباره.
هذه، في جوهرها، هي الطريقة التي اضطرت بها وزارة الدفاع الأميركية منذ زمن طويل إلى شراء التكنولوجيا، بما في ذلك الصواريخ والمسيّرات والبرمجيات التي تتحكم بها، فعندما يحدد مسؤولو البنتاغون مشكلة ما، يستغرق العثور على منظومة قادرة على حلها وشرائها عادة أعواماً، ثم تمر أعوام أخرى قبل الحصول على عدد كاف منها لتلبية حاجات الجيش، وبحلول ذلك الوقت تكون المنظومة قد تقادمت، وفي حين تفرز المنافسة المتواصلة في القطاع الخاص تقنيات جديدة، يعجز الجيش عن شرائها، ناهيك عن شرائها على نطاق واسع، لأنها لم تمر بعمليات الاختبار والتقييم والشراء المعقدة نفسها.
وقد خبرت شخصياً طرفي هذه المعادلة من موقع متقدم، أولاً بصفتي مسؤولاً تنفيذياً في “أبل”، ثم بصفتي المسؤول المكلف دفع الابتكار الدفاعي في البنتاغون، ولذلك عاينت المشكلة من جانبيها عن قرب.
إن نظام المشتريات المتجذر والبالغ التعقيد، يهدد بأن تفقد الدولة الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية مكانتها كصاحبة الجيش الأكثر تطوراً في العالم، فالقطاع الأميركي الخاص يرسي المعايير العالمية للابتكار، ولا يتجلى ذلك في مكان أكثر مما يتجلى في مراكز التكنولوجيا مثل “وادي السيليكون”، لكن الطريقة التي تشتري بها الولايات المتحدة التكنولوجيا العسكرية وتنشرها غارقة في البيروقراطية، على نحو يذكر بخطط الأعوام السوفياتية الخمسة الجامدة التي تخلت عنها الصين وروسيا منذ زمن بعيد. وعلى رغم التقدم الحقيقي الذي تحقق، لا تزال الولايات المتحدة عاجزة عن تغيير هذه المنظومة بالسرعة وعلى النطاق اللازمين للحفاظ على أمنها في عالم يزداد خطورة.
وقد أظهرت ساحات القتال، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، بوضوح مدى التحول الذي طرأ على الحروب، فالوتيرة المحمومة للابتكار التكنولوجي تتيح نشر أسلحة ذاتية التشغيل وخوارزميات للذكاء الاصطناعي ومنظومات متطورة أخرى، تُحدّث باستمرار ويمكن توسيع استخدامها بسرعة، ويبرهن الروس يومياً في أوكرانيا على أن فرق المطورين التابعة لجيشهم قادرة على إنتاج مسيّرات جديدة وتحديث مكوناتها وبرمجياتها، وأحياناً بصورة يومية، لمواكبة التطورات المستمرة التي تحققها كييف، وتتيح هذه التطورات بدورها لأوكرانيا إبقاء روسيا تحت الضغط، على رغم أن اقتصاد الأخيرة وقواتها المسلحة أكبر بكثير، وفي الوقت نفسه شرعت الصين في حشد عسكري ضخم، فزادت إنتاج السفن والأقمار الاصطناعية والصواريخ والمسيّرات، وأثبتت قدرتها على تبني أحدث التقنيات ودمجها فيها، وحتى إيران نجحت هذا العام في استخدام تقنيات جديدة لإغلاق مضيق هرمز بصورة فعالة، على رغم التفوق الهائل للقوة العسكرية الأميركية عليها.
تواجه الولايات المتحدة تحديات متزامنة من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها، وقد طلب الزعيم الصيني شي جينبينغ من جيشه أن يكون مستعداً لهزيمة الولايات المتحدة في مضيق تايوان بحلول عام 2027، والحرب مع الصين ليست حتمية ولا وشيكة، لكن على واشنطن وحلفائها أن يكونوا قادرين على ردع شي، وأن يستعدوا للفوز إذا اضطروا إلى القتال، ولتحقيق ذلك عليهم تسخير قوة التكنولوجيا المطورة في القطاع التجاري.
يدرك الأميركيون أن نظام المشتريات الدفاعية معطل، فقد دعت إدارة ترمب، وقبلها إدارة بايدن، إضافة إلى الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس، والقادة العسكريين ومؤسسي شركات التكنولوجيا ومستثمريها، إلى تغيير جذري في الطريقة التي تشتري بها وزارة الدفاع التكنولوجيا وتنشرها، ويمثل هذا التوافق تقدماً مهماً، فقبل 10 أعوام لم يكن سوى عدد قليل من الأشخاص يرى أن البنتاغون تحتاج إلى مثل هذا التحول، أو أن التكنولوجيا التجارية التي ينتجها “وادي السيليكون” عنصر حاسم في القوة العسكرية، أما اليوم فقد أصبحت هذه الفكرة في صلب المؤتمرات المعنية بالدفاع، والسياسات الصادرة عن البنتاغون والكونغرس، والإستراتيجيات الاستثمارية لقطاع التكنولوجيا الدفاعية المتنامي والمتغير باستمرار.
لكن من الخطأ أن يعتقد الأميركيون أن واشنطن باتت قريبة من حل المشكلة، فهي ليست كذلك، فالولايات المتحدة لم تستجب بعد لهذه الضرورة الإستراتيجية، ولم تُحدث التحولات الدائمة اللازمة لذلك، وظل التقدم محدوداً ومتفرقاً، وقد تصدرت بعض النجاحات الأخبار، لكن معظم التحسينات بقيت على هامش المؤسسة العسكرية، وحتى الجهود الاستثنائية لاقتناء القدرات اللازمة للصراع مع إيران، اعتمدت في معظمها على مجموعة من الإعفاءات والإجراءات الخاصة، وتدخّل مباشر من القيادة لفرض النتائج.
ولتحقيق تغيير حقيقي ودائم بالحجم المطلوب، يجب تغيير المنظومة بأكملها، ويتعين على البنتاغون والكونغرس والقطاع الخاص البناء على الزخم الذي نشأ خلال الأعوام الخمسة الماضية، والتخلص نهائياً من نزعتهم المفرطة إلى الحذر، والتي يعززها كل طرف لدى الآخر في شأن شراء التكنولوجيا، وعليهم أن يعتادوا، معاً، تحمل الأخطار وارتكاب الأخطاء، وأن يتقنوا سريعاً الابتكار على نطاق واسع، تماماً كما تفعل شركات القطاع الخاص والمستثمرون والعملاء كل يوم، وإلا فلن تتجاوز التغييرات التي تحققت حتى الآن إعادة ترتيب كراسي سطح سفينة “تايتانيك” للأمن القومي الأميركي.
التحرك وسط العوائق
ترجع جذور منظومة المشتريات العسكرية الحالية لعام 1947، حين أقر الكونغرس قانوناً يهدف إلى توحيد وتبسيط عملية الشراء الفوضوية التي اتبعتها واشنطن خلال الحرب العالمية الثانية، وأدت القواعد الجديدة دورها جيداً عندما وسّعت الولايات المتحدة قدراتها لمواجهة التهديد السوفياتي خلال خمسينيات القرن الماضي، لكنها أوجدت أيضاً أخطاراً جديدة مع ازدياد الترابط بين الجيش والمتعاقدين الدفاعيين والقادة السياسيين والمؤسسات العلمية والتكنولوجية، مما أدى إلى نشوء “المجمع العسكري – الصناعي” الذي حذّر منه الرئيس دوايت أيزنهاور في خطابه الوداعي عام 1961، وقال أيزنهاور إن هذا المجمع يهدد بأن يخدم مصالحه الذاتية، ويفرط في الإنفاق، ويوجه السياسة الأميركية في الاتجاه الخطأ، وقد أثبت تحذيره أنه بعيد النظر. وعلى مدى العقود التالية، دفعت تجاوزات الكلفة وفضائح قطاع الدفاع الكونغرس إلى فرض قواعد صارمة تشدد على المنافسة وقابلية التدقيق والتوثيق والامتثال، وإضافة لوائح للمشتريات، هدفها ضمان الإنصاف وترشيد الإنفاق والشفافية.
وكانت هذه القوانين حسنة النية، وأدت، ولا تزال تؤدي، غرضاً مهماً، لكن تراكمها على مدى عقود أنتج متاهة هائلة من القيود التنظيمية والسياسات وأنماط السلوك المتجذرة، تدعمها شبكة من المصالح الراسخة داخل الحكومة وخارجها، مما أبطأ عمليات الشراء وتبني التكنولوجيا.
تبدأ المشكلات قبل طلب أي شيء أصلاً، إذ تنتج إجراءات تحديد المتطلبات وثائق تمتد إلى مئات الصفحات، تصف بصورة مملة المنتج الدقيق الذي تريد الحكومة تصنيعه، بدلاً من إتاحة المجال لخبراء قطاع التكنولوجيا، لتحديد أفضل طريقة لاستخدام التقنيات الجديدة في حل المشكلات العسكرية، وقد تكون هذه الوثائق مناسبة عند طلب قدرات تقليدية يعرفها الخبراء العسكريون جيداً، لكنها لا تصلح عندما تُطبق على تكنولوجيا مطورة تجارياً، تتحرك بسرعة سوق يقوده مليارات المستهلكين حول العالم، فالشركات الأكثر ابتكاراً، لا عملاؤها، هي التي تعرف عادة أين يمكن أن تحدث القفزة التكنولوجية التالية، ولو أن مهندسي “أبل”، حيث عملت بين عامي 2009 و2023، سألوا المستهلكين العاديين عام 2007 عن الهاتف الذكي الذي يريدونه، فلربما طلبوا هاتفاً قابلاً للطي أسرع وبألوان أكثر إشراقاً، ولو حدث ذلك، لما عرف العالم “آيفون” ولا متجر “آب ستور” ولا سائر الابتكارات التي جاءت بعدهما.
تثقِل ثقافة تجنب الأخطار في البنتاغون، التي تعززها القواعد التي وضعها الكونغرس، كاهل كل مرحلة من مراحل التطوير والشراء والدمج العسكري، وكثيراً ما يشعر القادة العسكريون الذين يدركون الحاجة إلى السرعة كأنهم يحاولون التحرك وسط مادة كثيفة تبطئ كل خطوة، فالبنتاغون تفرض على اختبارات المسيّرات التي تجرى بعيداً في عرض البحر، قواعد الاختبار نفسها المطبقة على الطائرات التي يقودها طيارون فوق مناطق مأهولة، مما يقيد تلك الاختبارات بإجراءات صممت لحماية الطيارين والأشخاص على الأرض، وحتى تحديثات البرمجيات الطفيفة وإصلاح الأخطاء، التي قد تنجزها الشركات التجارية مرات عدة في اليوم، قبل إطلاق منتج جديد، يمكن أن تستلزم في البنتاغون اجتماعات عدة، وقد ينتهي الأمر بالحاجة إلى موافقة ضابط من رتبة ثلاث أو أربع نجوم، وربما كان الأشد ضرراً أن إجراءات وضع الموازنة التي أقرها الكونغرس ووزارة الدفاع تثبت مسبقاً تصاميم منتجات بعينها قبل عامين في الأقل، ولا يبدأ دمج المنتج في التخطيط والتدريب وتخصيص الأفراد العسكريين إلا بعد اكتمال عملية الشراء، واستعداد البنتاغون لإدخالها الخدمة ميدانياً، ونتيجة لذلك يكاد يكون من المستحيل على البنتاغون المراهنة على تقنيات جديدة حقاً، أو مواكبة الوتيرة المتسارعة للحرب الحديثة.يتولى تنفيذ الإجراءات الكثيرة التي تحكم المشتريات جيش من المسؤولين المجتهدين والمخلصين لبلادهم، لكن نظام الحوافز يدفعهم إلى الالتزام الصارم بالحدود المرسومة، فإذا ظهرت عيوب في منظومة ما أو سجلت تجاوزات كبيرة في الكلفة، فقد يواجه موظفو المشتريات ورؤساؤهم ومن فوقهم في التسلسل الإداري استجوابات من الكونغرس وتحقيقات خارجية، وقد يخسرون وظائفهم، بل يخشى كثير منهم أن ينتهي بهم الأمر إلى السجن إذا فُسرت تصرفاتهم خطأ على أنها فساد، أما إذا قُتل جنود أو خسر الجيش الأميركي، لأنه لم يمتلك أحدث الابتكارات، فلن يعود أحد بعد خمسة أعوام للبحث عن الموظف الذي أدى تحفظه إلى تلك النتيجة، ولذلك فليس مستغرباً أن تمارس فرق المشتريات حذراً شديداً، وحتى بعد دعوة وزير الدفاع بيت هيغسيث في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إلى مكافأة النتائج وتحمل الأخطار، بدلاً من مجرد الالتزام بالإجراءات، لا تزال حوافز الأداء في البنتاغون قائمة على الامتثال، وبلوغ المراحل المحددة سلفاً، وتجنب تجاوز الكلفة.
تتفاقم هذه المشكلات بسبب الاعتماد المتبادل المختل بين مسؤولي المشتريات والمتعاقدين الدفاعيين التقليديين، فالشركات التي نشأت على تلبية المتطلبات البيروقراطية المتزايدة التعقيد، تحولت إلى مؤسسات يستهلك الامتثال جزءاً ضخماً من طاقتها، وقد يعمل ما يصل إلى 10 في المئة، وربما أكثر، من موظفيها في فرق الشؤون القانونية والعقود والأمن السيبراني، فيما قد يخصص 20 في المئة آخرون لمساعدة الشركة في اجتياز بيروقراطية البنتاغون. أما في شركات التكنولوجيا العادية، فلا تتجاوز فرق الشؤون القانونية والامتثال والعلاقات الحكومية في المتوسط ما بين اثنين وخمسة في المئة من القوى العاملة، وتنخفض النسبة أكثر في الشركات الناشئة، وهذه الشركات لا ترغب في توظيف جيش من الموظفين والمستشارين لإدارة علاقاتها مع المؤسسة العسكرية، ولا سيما حين لا يكون واضحاً أصلاً ما إذا كانت ستشتري منتجاتها، وبعضها يفعل ذلك على رغم كل شيء، لكنه يخاطر عندها بأن يصبح شبيهاً بالمتعاقدين التقليديين: أكثر تركيزاً على كيفية التعامل مع الحكومة، وأقل تركيزاً على ابتكار تقنيات تحدث اختراقاً نوعياً.
ولذلك فليس مستغرباً أن يقتني الجيش الأميركي القدرات التقنية بوتيرة لا تواكب إطلاقاً سرعة التغير في العصر الحديث، فأوكرانيا ستنتج نحو 7 ملايين مسيّرة هذا العام، وتحدث برمجيات مسيّراتها أسبوعياً، وتعدل مكوناتها كل بضعة أسابيع للتكيف مع التغيرات في الميدان، وفي المقابل، اشترت الولايات المتحدة 4 آلاف مسيّرة صغيرة فقط عام 2024، وقالت علناً إنها اشترت نحو 10 أضعاف هذا الرقم عام 2025، لكن كثيراً منها نماذج أقدم لم تُحدّث في ضوء الدروس المستفادة من أوكرانيا، أو النزاعات الأخيرة في الشرق الأوسط، مثل الحاجة إلى التعامل مع التشويش على “نظام تحديد المواقع العالمي” (جي بي إس)، وقد بذلت وزارة الدفاع كل ما في وسعها لشراء مزيد من المسيّرات للحرب في إيران، وطلبت تمويلاً من الكونغرس لشراء ما يصل إلى 340 ألف مسيّرة حديثة خلال العامين المقبلين، في إطار “برنامج التفوق في المسيّرات”، وأبرمت حتى الآن عقوداً لشراء أول 30 ألفاً منها عام 2026، ويطمح الجيش إلى مستوى أعلى بكثير، إذ يأمل بشراء مليون مسيّرة خلال العامين المقبلين، ومع ذلك تبقى هذه الأرقام المستهدفة بعيدة جداً من مستويات أوكرانيا، ويتوقف بلوغها، ناهيك عن تحويلها إلى قوة قتالية مستخدمة فعلياً في الميدان، على تغييرات واسعة لم تتحقق بعد في الجيش والكونغرس والقطاع الخاص.
السباق مع الزمن
تعرف وزارة الدفاع أن لديها مشكلة، وقد أمضت العقد الماضي في اتخاذ خطوات لحلها، وفي عام 2015، أنشأ وزير الدفاع آش كارتر “وحدة الابتكار الدفاعي” (DIU)التي كانت تعرف آنذاك باسم (DIUx) بهدف محدد وهو المساعدة في إيصال التكنولوجيا المطورة في القطاع التجاري إلى الجيش، وجاءت بداية الوحدة بطيئة، فخلال اجتماعاتها الأولى، جلس قادة شركات التكنولوجيا بقمصان “تي شيرت” وسراويل الجينز في مواجهة مسؤولين دفاعيين من الوحدة يرتدون البدلات، وكان كل طرف يتحدث بلغة لا يفهمها الآخر، لكن كارتر أعاد تشكيل الوحدة في وقت لاحق من العام نفسه، وجلب إليها قادة يجيدون لغة عالم التكنولوجيا ولغة القتال معاً، فنجحت في بناء جسر بين المجتمعين.
وأثبتت النسخة الجديدة من الوحدة (DIU 2.0) أن المشكلات العسكرية الحقيقية يمكن حلها بتكنولوجيا مطورة في القطاع التجاري، وأن قطاع التكنولوجيا التجاري قادر على ابتكار هذه الحلول بسرعة، وتقديم نماذج أولية في غضون أسابيع أو أشهر، بدلاً من الأعوام الخمسة إلى الـ10 التي تستغرقها الإجراءات الحكومية المعتادة، وحقق الفريق ذلك من خلال الريادة في استخدام “صلاحيات المعاملات الأخرى” OTAs)) التي تتيح للوزارة تجاوز معظم قواعد المشتريات المرهقة، عند التعامل مع موردين غير تقليديين، وكانت هذه الصلاحيات متاحة قانونياً منذ انطلاق برنامج الفضاء في أواخر خمسينيات القرن الماضي، لكنها نادراً ما اُستخدمت، وقد ساعدت الوحدة في إنشاء عملية شراء سريعة وتنافسية تستجيب للحاجات الفعلية، وضم فريق المشتريات عسكريين من الخطوط الأمامية وخبراء تقنيين، وركز على السرعة والجودة معاً، وبين عامي 2017 و2023، قدم الفريق حلولاً ناجحة في أكثر من 50 في المئة من مئات المشاريع، أي أن النماذج الأولية قُبلت من الجيش، وساعد شركات مبتكرة مثل “أندوريل” على الانطلاق، وكذلك أدخل أدوات لتخطيط المهمات ومسيّرات وتقنيات مضادة للمسيّرات، وقدرات للإطلاق الفضائي.
لكن النماذج الأولية لا تردع الحروب ولا تكسبها، ولا تحقق العوائد المالية التي تحتاج إليها الشركات لتبرير استثمارات كبيرة، وبسبب بيروقراطية البنتاغون وانحيازها الراسخ إلى الموردين التقليديين، واجهت “وحدة الابتكار الدفاعي” صعوبة في نقل الابتكارات التي أدخلتها من مرحلة عقود النماذج الأولية إلى قدرات جاهزة للاستخدام الميداني، فلم يحصل الجيش على الأثر الإستراتيجي المطلوب، وبدأ قلق المستثمرين يتزايد. وفي عام 2021، حذّرت كاثرين بويل من شركة رأس المال المغامر “أندريسن هورويتز”، من أن “الوقت بدأ ينفد بالنسبة إلى وادي السيليكون”.
ثم رفع وزير الدفاع لويد أوستن، عام 2023، مكانة “وحدة الابتكار الدفاعي”، فأصبحت ترفع تقاريرها إليه مباشرة بدلاً من وكيل وزارة الدفاع للبحوث والهندسة، وكنت حينذاك مدير الوحدة الجديد، فكلفنا أوستن بوضع إستراتيجية جديدة، وأسفرت المهمة عن إستراتيجية (DIU 3.0) القائمة على خمس ركائز، تمثلت الأولى في إلحاق أعضاء من الوحدة بطواقم كل قائد قتالي من رتبة أربع نجوم، أي القادة الذين يشرفون على النشاط العسكري الأميركي في منطقة أو مجال معين، مثل العمليات السيبرانية، لضمان تركيز الوحدة على المشكلات التي يمكن أن يحقق حلها أكبر أثر، فعلى سبيل المثال، كان المسؤول عن ملف التكنولوجيا التجارية لدى الأدميرال صامويل بابارو، قائد القيادة الأميركية في المحيط الهادئ، عضواً من “وحدة الابتكار الدفاعي” ملحقاً بطاقمه، ومكلفاً بالمساعدة في سد الثغرات العملياتية والإستراتيجية الحيوية في المحيط الهادئ، وتعبئة إمكانات بقية الوحدة والبنتاغون لهذا الغرض.
أما الركيزة الثانية فتمثلت في الشراكة المباشرة مع فروع القوات المسلحة، أي الجيش والبحرية والقوات الجوية والقوة الفضائية ومشاة البحرية وخفر السواحل، التي تتولى توفير الأفراد والتدريب والتجهيز، لضمان أن تتوافق المبادرات الناشئة من الركيزة الأولى مع أولويات هذه الفروع، وأن تمتلك ما أطلقت عليه الإستراتيجية الجديدة “مساراً نحو التوسع”، فيما دعت الركيزة الثالثة إلى تحويل أكثر من 200 كيان في وزارة الدفاع، يركز على الابتكار، إلى مجتمع مترابط، وركزت الرابعة على ضمان امتلاك “وحدة الابتكار الدفاعي” عمقاً معرفياً وروابط قوية في القطاع التقني، وخبرة تقنية داخلية، وقاعدة معرفية في كل مجال من مجالات عملها، مثل الأسلحة ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي والفضاء والأنظمة البشرية والقدرات السيبرانية والطاقة، لكي تتمكن وزارة الدفاع من الوصول إلى أحدث الابتكارات وأفضلها، وكذلك ركزت هذه الركيزة على إزالة العوائق أمام الشركات التي تعمل مع الجيش، بهدف توسيع قاعدة الموردين. أما الركيزة الخامسة فدعت إلى بناء علاقات مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، كي تصبح القوات الأميركية وقوات الحلفاء أقوى معاً.
ثم حوّل الكونغرس التغيير التنظيمي الذي أجراه أوستن إلى قانون، فجعل مدير “وحدة الابتكار الدفاعي” أحد كبار مساعدي وزير الدفاع، في مستوى وكيل وزارة الدفاع، ومنحه مقعداً على طاولة قيادة البنتاغون، ورفع موازنة الوحدة إلى نحو مليار دولار، وغير أيضاً الطريقة التي يمكن إنفاقها بها، وابتداء من “قانون اعتمادات الدفاع الوطني لعام 2024″، الذي حظي بدعم كين كالفرت، رئيس اللجنة الفرعية لاعتمادات الدفاع في مجلس النواب، منح الكونغرس الوحدة مرونة غير مسبوقة، فأصبح بإمكانها نقل الأموال داخل محفظة مشاريعها لتلبية أكثر الحاجات إلحاحاً، وتمويل الأفكار منذ لحظة تصورها حتى نشر أولى المنظومات العملياتية، وأتاح ذلك التجريب والتحسين في الوقت الفعلي، وأصبح بوسع الوحدة مساعدة فروع القوات المسلحة في شراء التكنولوجيا الجديدة، وصنع نماذج أولية واختبارها سريعاً، والبدء في نشرها خلال عام واحد، وفي العام الثاني تستطيع مساعدة الفروع على توسيع استخدام التكنولوجيا الجديدة مع استمرار تحديثها، أما في العام الثالث، فحتى نظام الموازنة الحالي المعقد يسمح بتوسيع نطاق استخدامها فعلياً، شرط أن تخطط الفروع لذلك منذ بداية تعاونها مع الوحدة في العام الأول، وهكذا أصبحت “وحدة الابتكار الدفاعي” وفروع القوات المسلحة، بالعمل معاً، تمتلك أخيراً الأدوات اللازمة لجعل مثال “آيفون” الذي بدأت به المقالة شيئاً من الماضي.
ولرؤية هذه الآلية عملياً، يمكن النظر إلى شركة “سارونيك” الناشئة في مجال التكنولوجيا الدفاعية، ففي يناير (كانون الثاني) 2024، أعلنت “وحدة الابتكار الدفاعي”، بالتعاون مع البحرية، طلب مقترحات لطراز جديد من الزوارق السطحية المسيّرة منخفضة الكلفة وعالية القدرة، شبيهة بتلك التي اشتهر الأوكرانيون باستخدامها لإغراق أجزاء من أسطول البحر الأسود الروسي، على رغم امتلاكهم قوة بحرية صغيرة جداً. واستجابت أكثر من 100 شركة، من متعاقدين دفاعيين راسخين إلى شركات ناشئة، وفي يوليو (تموز) الماضي، منحت الوحدة عقوداً لتطوير نماذج أولية لثلاث شركات، من بينها “سارونيك”، وهي شركة صغيرة مدعومة برأس المال المغامر، يقودها عنصر سابق في قوات “سيل” الخاصة التابعة للبحرية، وبحلول ديسمبر (كانون الأول) 2025، اجتازت زوارق “سارونيك” الأولية اختبارات صارمة، أجراها مشغلو البحرية وخبراء تقنيون من الوحدة وآخرون، وحصلت على “مذكرة نجاح” من الوحدة تؤهلها للتوسع، واستخدمت الوحدة مرونتها الجديدة في التمويل لشراء أولى الوحدات العملياتية، لمصلحة سرب بحري أُنشئ حديثاً، كي يتمكن بحارته من التدريب على تلك الزوارق، وتطوير تكتيكات لاستخدامها أثناء إنتاجها، ثم منحت البحرية “سارونيك” عقداً بقيمة 392 مليون دولار في منتصف عام 2025، يكفي لشراء مئات الزوارق، وقد ساعدت زوارق الشركة بالفعل الجيش الأميركي في إيران، بما في ذلك إنقاذ طياري مروحية، تقطعت بهما السبل قبالة ساحل عُمان في وقت سابق من هذا العام.
ويعكس تقييم الشركة هذا التسارع، إذ جمعت 600 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة ((C في فبراير (شباط) 2025، ثم 1.75 مليار دولار في جولة من الفئة (D) في مارس (آذار) 2026، عند تقييم بلغ 9.25 مليار دولار، ولم يكن أي من ذلك ممكناً من دون “وحدة الابتكار الدفاعي”، ومرونتها التمويلية وشراكتها مع البحرية.
واتخذت القيادة الحالية للبنتاغون خطوات للبناء على هذا التقدم، فقد دعا هيغسيث إلى إنشاء “نظام مشتريات موجه للعمليات القتالية” لتوسيع إصلاح نظام المشتريات، وألزم باستخدام آلية “المعاملات الأخرى” الخاصة بالوحدة في جميع مشتريات البرمجيات، وجعل صنع القرار في شأن أولويات، مثل منظومة الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية” والغواصات والمسيّرات أكثر مركزية، وطرح الكونغرس مقترحات تشريعية عدة، فيما أصدر البيت الأبيض سلسلة متواصلة من الأوامر التنفيذية التي تعكس دعماً للابتكار.
وفي الوقت نفسه، تستثمر الشركات التجارية في الابتكار الدفاعي أكثر من أي وقت منذ بدايات الحرب الباردة، بل إنه أحد المجالات القليلة في رأس المال المغامر التي نمت خلال الأعوام الأخيرة، ففي عام 2025، استثمرت شركات رأس المال المغامر 30 مليار دولار في التكنولوجيا الدفاعية وحدها، أو ما يصل إلى 50 ملياراً إذا احتُسبت الشركات ذات الاستخدام المزدوج، مقارنة بأقل من 10 مليارات دولار عام 2020، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن الرقم كان دون ملياري دولار، واستمر الارتفاع عام 2026، إذ تجاوزت الاستثمارات في التكنولوجيا الدفاعية والسلع ذات الاستخدام المزدوج 35 مليار دولار خلال النصف الأول من العام وحده، وضختها شركات قائمة منذ زمن، إضافة إلى جهات جديدة دخلت هذا القطاع.
وبات الجيش الأميركي يمتلك الآن عدداً أكبر من الأنظمة المسيّرة في الجو وعلى سطح البحر وتحته، وقد استخدمها لضرب أهداف في الشرق الأوسط، ويعدل تكتيكاته حول العالم بما يتناسب مع القدرات الجديدة، وبات يستطيع الوصول إلى عدد أكبر من نماذج الذكاء الاصطناعي ويحسن استخدامها، بما في ذلك لتعزيز دفاعاته في مواجهة مسيّرات الخصوم، وهو يطور حلولاً تقنية جديدة في طيف واسع من المجالات، ويصبح أكثر كفاءة في ذلك.
إصلاح من الجذور
مع ذلك، لا تقترب هذه الخطوات من أن تكون كافية، فعلى رغم الصلاحيات الموسعة والأوامر التنفيذية والسياسات الجديدة والتصريحات العلنية، لا تنفق الولايات المتحدة سوى ما بين واحد وثلاثة في المئة من موازنتها الدفاعية على تقنيات مبتكرة حقاً، أما موازنة “وحدة الابتكار الدفاعي” نفسها فتعادل نحو 0.1 في المئة فقط من إجمال الإنفاق الدفاعي، ولا يُبرم وفق آليات “المعاملات الأخرى”، سواء عبر الوحدة أو غيرها، سوى نحو ثلث الواحد في المئة من العقود، وهي تمثل أقل قليلاً من ثلاثة في المئة من الالتزامات التمويلية الجديدة.
وتظل بقية المنظومة عالقة في الطرق القديمة، فيما تذهب الغالبية الساحقة من العقود إلى متعاقدين دفاعيين تقليديين، وقد ولدت إصلاحات الأعوام الأخيرة زخماً إيجابياً ومتسارعاً، لكنها لا تزال حلولاً للالتفاف على المنظومة أكثر منها تغييرات فيها، وتحتاج واشنطن إلى خطوات أكثر جوهرية نحو تغيير حقيقي ومنهجي، يصمد بعد الإدارة الحالية والإدارة التي تليها”.
أولاً، ينبغي للولايات المتحدة تعزيز النجاحات الباكرة في الوصول إلى التكنولوجيا المطورة في القطاع التجاري، وتطوير نماذجها الأولية، وإيصالها ودمجها في القوات، ثم توسيع هذه النجاحات، وهذا يعني تعزيز دور “وحدة الابتكار الدفاعي” في قيادة عالم الأشخاص الذين يجمعون بين فهم التكنولوجيا والعسكر، من خلال توزيع مزيد من موظفيها في أنحاء وزارة الدفاع عبر شراكات مع فروع القوات المسلحة، وتعميق التواصل مع مجتمع التكنولوجيا.
وينبغي أن تظل مركزة على أهم الحاجات الإستراتيجية للبلاد، وأن توضع في موقع يمكنها من إزالة ما تبقى من الحواجز بين البنتاغون والقطاع التجاري، وكذلك ينبغي للكونغرس زيادة موازنتها المرنة، ويجب أن تبقى الوحدة صغيرة، لكن ينبغي تمكينها من أداء دور طليعة التغيير.
لكن تحمل الأخطار وإدخال أحدث التقنيات مسؤولية وزارة الدفاع بأكملها، لا وحدة واحدة، ومن دون إصلاح الطريقة التي تعمل بها أموال البنتاغون، لن تُجدي الإصلاحات الحالية الرامية إلى نقل منظومة المشتريات من برامج تقليدية إلى محافظ أكثر مرونة، ولن تحدث إعادة بناء منظومة الابتكار داخل الجيش الأثر المطلوب، ولذلك ينبغي للكونغرس اقتطاع جزء من الموازنة، ولنقل 20 في المئة من موازنة البحوث والمشتريات الحالية، لكل فرع من فروع القوات المسلحة، وإلزامه بإنفاقها على حلول تكنولوجية في مجالات مثل الأنظمة ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا الحيوية والفضاء والتقنيات السيبرانية، والتصنيع المتقدم والحوسبة الكمومية، وضمن هذه المحافظ المعتمدة، ينبغي أن تتمتع الفروع بالحرية نفسها التي تتمتع بها “وحدة الابتكار الدفاعي” حالياً في الانتقال من منتج إلى آخر، ومن نسخة إلى أخرى، ومن النموذج الأولي إلى النشر العملياتي، من دون العودة في كل مرة للكونغرس.
وفي مقابل هذه المرونة الجديدة، ينبغي إلزام فروع القوات المسلحة، مثل “وحدة الابتكار الدفاعي”، بتقديم تقارير مفصلة في الوقت الفعلي تبين كيفية استخدام هذه الأموال، مع تحديثات متكررة حتى عندما تكون الأخبار سيئة، بما يضمن رقابة مناسبة من الكونغرس والشعب الأميركي، ويعتقد كثر في البنتاغون أن مشاركة هذا القدر من المعلومات تنطوي على أخطار كبيرة أو أنها شديدة الصعوبة، لكن تكنولوجيا تتبع المشاريع التي أصبحت معياراً في القطاع الخاص، تجعل هذا النوع من التقارير معياراً متزايداً في الحوكمة، لا عبئاً استثنائياً، وقد أوضح الكونغرس بالفعل أنه لن يمنح الفروع المرونة نفسها التي تمتعت بها الوحدة، من دون القدر نفسه من الشفافية والثقة المتبادلة.
وتحتاج وزارة الدفاع أيضاً بصورة ملحة إلى خفض كلفة اقتناء المنصات التقليدية، مثل السفن والطائرات وتسريع العملية.
وقد يبدو هذا بعيداً من المسيّرات والذكاء الاصطناعي، لكن القطاع التجاري يستطيع المساعدة هنا أيضاً، عبر توفير مكونات ومواد وتقنيات تصنيع متقدمة تساعد الجيش في إنتاج هذه الأنظمة على نطاق أوسع وبكلفة أقل، وهذا يحدث بالفعل في برمجيات المقاتلة “أف-35″، وفي استخدام البحرية برمجيات شركة التصنيع “هادريان” لإنتاج الغواصات، وفي تجارب تجريها فروع عدة مع شركات متخصصة في التصنيع المتقدم لإنتاج صواريخ “كروز”، وغيرها من المنصات، وسيتطلب النجاح في المنصات الكبرى شراكات بين شركات تجارية سريعة الحركة، ومتعاقدين تقليديين يمتلكون القدرة على إدارة البرامج الضخمة، وعلى البنتاغون استخدام ثقلها لتسهيل هذا التعاون.
وللاستفادة الكاملة من التكنولوجيا الجديدة، سيحتاج المسؤولون الأميركيون أيضاً إلى النظر إلى ما وراء حدود بلادهم، فأفضل الابتكارات تستند عادة إلى مواهب ومكونات وبرمجيات من أماكن مختلفة، معظمها لدى حلفاء الولايات المتحدة، وكذلك تحتاج إلى أسواق عالمية كي تستطيع منافسة منظومة التصنيع الصينية، وتحتاج واشنطن إلى أن يمتلك حلفاؤها أفضل التكنولوجيا، كي يكونوا فعالين في مواجهة الخصوم المشتركين وقادرين على العمل بصورة متكاملة مع القوات الأميركية، وكذلك تحتاج شركات التكنولوجيا لدى الحلفاء إلى فرص في السوق الأميركية، والشركات الأميركية إلى فرص في أسواق الحلفاء، حتى يتمكن الجميع من المنافسة من دون الاعتماد على الأموال أو المكونات الصينية، وعلى رغم أن ضغوط الرئيس دونالد ترمب بدأت أخيراً تدفع الحلفاء إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي، فإن الاحتكاكات بسبب قضايا مثل رغبته المعلنة في ضم غرينلاند، والرسوم الجمركية والاختلالات التجارية، والحرب في إيران، تقوض في الوقت نفسه ثقة الحلفاء بواشنطن، وزادت قرارات مثل قطع وصول الحلفاء في يونيو (حزيران) الماضي إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي من شركة “أنثروبيك” المخاوف في عواصم حليفة عدة من أخطار الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأميركية، ويتعين على الولايات المتحدة التركيز على حاجاتها الحيوية، ولكن مع إدراك كامل أن القوة الحقيقية في التكنولوجيا والأمن القومي تأتي من الشراكات، لا من دولة واحدة بمفردها.
ولعل الأهم أن على البنتاغون بذل جهد أكبر لإطلاق الإمكانات الكامنة في فرقها، وعليها أن تغير حوافز الأداء للعاملين في المشتريات والتعاقد وتبني التكنولوجيا، بحيث تكافئ تحمل الأخطار المحسوبة بدلاً من معاقبة كل إخفاق، فلا يكفي أن يطالب قادة الدفاع موظفي البنتاغون بتغيير سلوكهم، بل يجب أيضاً تغيير معايير التقييم والترقية التي تحدد مساراتهم المهنية، ويقع تحقيق التوازن الفعال بين الأخطار والفرص، مع اتساع القوى العاملة، في صميم نجاح “وادي السيليكون”، ويمكن للحكومة تحقيق الأمر نفسه، وللكونغرس دور أيضاً، من خلال الموازنة بين محاسبة المسؤولين عندما لا تؤتي المجازفات التي أقدموا عليها ثمارها، ومكافأة من يخوضون مجازفات جريئة استناداً إلى تقدير سليم.
ويجب أن يتغير مؤسسو شركات التكنولوجيا وممولوها أيضاً، فقطاع التكنولوجيا الدفاعية يشهد حالياً إقبالاً استثمارياً كبيراً، تدفعه الحاجة المتزايدة والإمكانات الضخمة والخطوات الفعلية نحو إصلاح الحكومة، وارتفاع الموازنات الدفاعية، وتزايد عدد الشركات الناجحة التي تقدم نماذج يحتذى بها، ويشمل القطاع مجالات تزداد تشبعاً، مثل المسيّرات الجوية البسيطة، وأخرى لا تزال في بداياتها ومفتوحة أمام الوافدين الجدد، مما يعني أن بعض المجالات أصبحت مهيأة للاندماج والتوسع، بينما لا تزال أخرى أرضاً خصبة للشركات الناشئة.
وتوضح برامج مثل مبادرة “ريبليكاتور” التابعة للبنتاغون التي موّلت أكثر من 100 شركة كان ثلثاها من الشركات الصغيرة ورفضت أكثر من 300 أخرى، أن المنافسة الشرسة ذات الطابع الدارويني حتمية وصحية في هذا القطاع، والتفوق على الصين في الابتكار يتطلب عقلية “وادي السيليكون” القائمة على حركة متواصلة من إطلاق المنتجات والإخفاقات والاستحواذات، وإعادة توجيه رأس المال والمواهب، بدلاً من نهج المتعاقدين التقليديين القائم على اللجوء إلى الكونغرس أو الصحافة عندما يتكبدون الخسائر.
الأخطار المحسوبة
في جوهر الأمر، يحتاج عالم الدفاع إلى تحول جذري في طريقة تعامله مع الأخطار، فعلى مسؤولي وزارة الدفاع والكونغرس، بالتعاون مع القطاع الخاص، تحمل أخطاراً مالية وإجرائية تمس السمعة بصورة محسوبة اليوم، كي يتجنبوا مستقبلاً أخطار أشد خطورة على المهمات العسكرية والجنود والبلاد عموماً، ويجيد الأميركيون إجراء تغييرات جذرية رداً على الصدمات الكبرى، مثل “بيرل هاربور” و”هجمات 11 سبتمبر” وجائحة “كوفيد-19″، لكن هذه المرة ينبغي للولايات المتحدة ألا تنتظر وقوع المأساة.
وبالطبع، لا يمكن لإصلاح منظومات المشتريات وتبني التكنولوجيا في الجيش أن يضمن أن واشنطن ستردع خصومها أو تنتصر في صراع كبير، لكن الإدارة الحالية والكونغرس يملكان فرصة تاريخية للعمل مع قطاع تكنولوجي متحمس، وتسخير قدراته لدعم أفضل المقاتلين في العالم، وإحداث تغيير حقيقي الآن، وجعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمناً، ومهما كان موقع الأميركيين على الطيف السياسي، ومهما اختلفت آراؤهم في خيارات السياسة الداخلية أو الخارجية، فلا يستطيعون أن يسمحوا لبلادهم بتفويت هذه الفرصة.
دوغ بيك شغل بين عام 2023 وأغسطس (آب) 2025 منصب مدير “وحدة الابتكار الدفاعي” التي ساعد في تأسيسها عام 2015، وعمل بين عامي 2009 و2023 نائباً لرئيس شركة “أبل”، حيث تولى إدارة أعمالها في شمال شرقي آسيا والأميركتين، وهو يحمل رتبة كابتن في احتياط البحرية الأميركية، وشارك في حربي أفغانستان والعراق.
مترجم عن “فورين أفيرز” سبتمبر (أيلول) / أكتوبر (تشرين الأول) 2026
