ملخص
ربما يصح القول إن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز النظام الدولي، لكنه فعل ذلك بثمن إنساني وسياسي هائل، عشرات ألوف القتلى وقطاع مدمر ومستقبل غامض لمئات الألوف من الفلسطينيين.
مع اقتراب العام الثالث من الحروب التي أطلقها “طوفان الأقصى” في غزة من نهايته، تستمر هذه الحروب في كل ساحاتها التي كان مقرراً لها أن تكون ساحة موحدة بقيادة إيران، فإذا بخصومها يحولونها إلى مسرح عمليات موحد لأنشطة حربية تبدأ في إيران مروراً بلبنان ولا تنتهي في “باب المندب” حيث ما كان قبل سنوات مجرد تصورات يتحول الى وقائع مُرّة وصعبة.
ويخطر في البال بعد مرور هذه السنوات الثلاث الحافلة سؤال قد لا ينسجم مع مسارات التاريخ ووقائعه، وفحواه: ماذا لو لم يحصل “طوفان الأقصى”، بالتالي لم تنشب وتتطور سلسلة الحروب التي نعيش في صلبها وتحت تأثيرها الآن، في فلسطين ولبنان وإيران والخليج واليمن، بل في كل الشرق الأوسط، ويصل وهجها الى شتى أنحاء العالم؟
لقد دارت أحاديث فضائحية في إسرائيل خلال الأيام الأخيرة عن تنبيهات صريحة تلقاها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من مصر والإمارات عن عملية كبيرة تنوي حركة “حماس” القيام بها، لكن نتنياهو أخفى المعلومات. ولم يكن ذلك إهمالاً بقدر ما كان رهاناً إسرائيلياً على اكتفاء “حماس” بأداء دور في نطاق قطاع غزة فقط. وفي خلفية هذا الرهان إيمان نتنياهو الثابت بأن “حماس” في عدائها للسلطة الوطنية الفلسطينية إنما تحقق هدفاً إسرائيلياً جوهرياً في منع قيام سلطة ودولة فلسطينية واحدة على أرض فلسطين في الضفة وغزة.
لكن يبدو أن نتنياهو كان وحيداً في تصوراته التي انقلبت “حماس” عليها، مستندةً إلى محور “وحدة الساحات” الايراني. لو لم يقع هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الـ”حماسي”، كما كان يأمل نتنياهو لكانت المنطقة الآن مختلفة جذرياً، وإن لم تكن بالضرورة أكثر استقراراً.
لا يعني ذلك أن كل شيء كان سيصبح هادئاً؛ فكثير من الأزمات كانت موجودة قبل السابع من أكتوبر، ولكن كرّس معنى تحويل مسارات متفرقة إلى مسرح واحد مترابط. “وحدة الساحات” ظهرت كما يمكن أن تكون عليه خارج النظريات. “الطوفان” امتحنها وأظهرها بالفعل. لقد جرى تحريك جبهات لبنان واليمن وغيرها مباشرة مع انطلاق حرب غزة، لكن النتائج جاءت كارثية في غزة ولبنان، وفي اليمن دخلت المنطقة النقطة الأكثر خطورة مع تلبية الحوثيين الحاجة الإيرانية في السيطرة على “باب المندب”.
في المقابل، كان يمكن توقع أن تبقى غزة، من دون السابع من أكتوبر، تحت الحصار مع جولات مدروسة من إطلاق الصواريخ .والاحتمال الأكبر كان أن تستمر إسرائيل في ما تفعله الآن من توسيع المستوطنات وزيادتها في الضفة، ومزيد من الضغوط لإضعاف السلطة الفلسطينية، واستمرار الانقسام بين غزة والضفة بما يسهل المهمة الإسرائيلية.
من ناحية ثانية كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة ستواصلان الضغوط من أجل توسيع عمليات التطبيع العربي – الإسرائيلي، علماً أنه عشية السابع من أكتوبر كانت السعودية تطرح احتمال التطبيع مقابل مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، واعتبرت إيران ومعها “حماس” أن أحد أهداف “الطوفان” هو وقف هذا المسار.
ربما يصح القول إن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز النظام الدولي، لكنه فعل ذلك بثمن إنساني وسياسي هائل، عشرات ألوف القتلى وقطاع مدمر ومستقبل غامض لمئات الألوف من الفلسطينيين. لقد تعاطفت الشعوب مع القضية الفلسطينية مجدداً بعد السابع من أكتوبر، لكنه تعاطفٌ لا يفوق في أهميته التعاطف الدولي الذي اكتسبته هذه القضية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية عشية تحقيقها الاعتراف بمبدأ حل الدولتين.
لبنان انقلبت وقائعه السياسية رأساً على عقب في أعقاب انخراط “حزب الله” في معركة غزة بعد ساعات على اندلاعها. فتح الحزب جبهة الجنوب اللبناني في الثامن أكتوبر. في اليوم السابق كان الجنوب عامراً بعماراته وسكانه وحياته الهادرة، لكن ابتداءً من هذه اللحظة سيتغير كل شيء.
بالتالي، من دون حرب غزة ما كانت جبهة الإسناد اللبنانية لتقوم على رغم تهديدات حسن نصرالله باجتياح الجليل، ومن دون ذلك الإسناد ما كانت حرب 2024 لتستعر إلى حد إبادة قادة “حزب الله” وعناصره، وما كنا لنصل إلى السياق العسكري اللاحق الذي قاد إلى الحرب التدميرية خلال العام الجاري.
بداية التصعيد الحالي في لبنان يرتبط مباشرة بهجمات “حزب الله” بعد أكتوبر 2023. وفي السيناريو الافتراضي، لو لم يحصل السابع من أكتوبر، كان يمكن للبنان اليوم أن يكون من دون دمار ونزوح، وجنوبه أقل تعرضاً للخراب. لقد دفعت الحرب الجيش اللبناني لتوسيع دوره فيما “حزب الله” يخضع، على رغم المكابرة، لرفض سياسي داخلي لموقفه ولسلاحه في آن.
لكن علينا التنبؤ بأن أزمات لبنان لم تأت نتيجة السابع من أكتوبر. هي كانت متجذرة طويلاً، ولم يكن لبنان ليستقر ويزدهر في ظروف تحول “حزب الله” إلى دولة داخل الدولة، وفي ظل حكام فاسدين بالمعنى السياسي والمالي، لكنه، ربما، كان سيملك مساحة “هدوء” أكبر لمعالجة أزماته الداخلية.
في الجانب السوري تبدو الأمور أكثر تعقيداً، فسوريا كانت منذ سنوات في قلب صراع إقليمي ودولي بين إيران وإسرائيل وتركيا وروسيا والولايات المتحدة. وجاء “طوفان” أكتوبر “ليعطي إسرائيل مبرراً ومساحة أكبر لتكثيف ضرباتها ضد البنية الإيرانية وحلفائها في سوريا.” ثم جاء سقوط نظام بشار الأسد في 2024، ليغيّر الخريطة السورية والإقليمية بصورة كبيرة. وأبرز التغييرات خسارة إيران معبرها الأساسي إلى البحر المتوسط.
في السيناريو المضاد (عدم حصول حرب غزة) لا يمكن التأكيد أن الأسد كان سيبقى؛ فسقوطه كان نتيجة تراكمات سورية وإقليمية أخرى، “لكن توقيته وشكل انهيار النظام، وربما شكل النفوذ الإيراني في سوريا، كان يمكن أن يكون مختلفاً جداً.”
كانت الأذرع التي بنتها ودعمتها ايران قبل معركة غزة تمتد بثقة في المشرق العربي واليمن، لكن تلك الأذرع وساحاتها لم تتحرك قبل تلك المعركة في جبهة حرب واحدة كما حصل لاحقاً.
كانت الأحزاب والميليشيات المفيدة لطهران حتى تلك اللحظة مجرد شبكة نفوذ وتوسّع وردع. بعد غزة تحولت الشبكة إلى شيء مختلف مع غرفة عمليات واحدة يقودها ضباط في “الحرس الثوري” يتحركون بحرية في لبنان والعراق واليمن تحت السقف القائل: إذا حوصرت جبهة، تتحرك جبهة أخرى.
ساعد ذلك في توسيع الحرب إلى خارج غزة لتتحول إلى حرب شبه عالمية نعاني آثارها اليوم. لقد اطلق “حزب الله” التصعيد على الحدود بعد هجوم “حماس” باعتباره جزءاً من تلك الجبهة التي بدا في لحظة ما أن نصرالله يقودها نيابة عن الإيرانيين، خصوصاً بعد مقتل اللواء قاسم سليماني في غارة أميركية قبل ست سنوات.
لو لم يقع “الطوفان” كان يسهل ترجيح بقاء “وحدة الساحات” نظرية ردع تستخدمها ايران في علاقتها مع أميركا وإسرائيل، وفي إخضاع بلدان عربية لنفوذها، ولم تكن تلك النظرية لتتحول إلى واقع عسكري يفترض انخراطاً مشتركاً له أثمانه.
لكن ماذا عن إيران؟
كان النظام الايراني الديني العسكري سيستمر في بناء نفوذه الإقليمي على حساب وحدة المجتمعات العربية وبلدانها. وشبكة الأذرع ما كانت مضطرة إلى الدخول في المواجهات المتلاحقة المدمرة.
كانت الأذرع ستعمل على إضعاف سلطات بلدانها في لبنان والعراق واليمن، وإيران كانت ستمسك بأوراقها القوية “درّة التاج”.
“حزب الله” في لبنان، سوريا الأسد، العراق وحشده، الحوثيون، والبرنامج النووي، كانت إيران ستستخدم كل هؤلاء “كأدوات ضغط وردع، وليس كجبهات حرب متصلة، وكان لذلك أن يجعل المواجهة الأميركية- الإيرانية أبطأ وأطول نفساً وأقل مباشرة وبالواسطة.
السابع من أكتوبر كان بمثابة الصاعق الذي فجّر الملفات الآنفة في “عبوة” واحدة.
كان حجراً أول في سلسلة دومينو، والأحجار التالية كان مقدراً لها أن تسقط بطرق مختلفة، أميركا وإسرائيل في صلبها تماماً .
لكن أكتوبر حصل، والإقليم يحصد نتائجه التي لم تستقر بعد، وإيران تواصل القتال، وهي تستهدف جيرانها قبل كل شيء، ووصلت إلى “باب المندب” في محاولة لضمه إلى ورقتها في هرمز، وحركت الحوثيين من اجل هذه المهمة وأرسلت إليهم السلاح والقادة، ثم جعلت “حزب الله” عناصر تستميت ضد دولتها، وتلتزم ما يقال في طهران حرفياً. وأيضاً جعلت ميليشياتها في العراق تتولى قصف منشآت النفط السعودية والكويتية.
كنا نتساءل ماذا لو لم يحصل الطوفان؟ لكنه حصل، ويبدو أن نتائجه لن تتبلور قبل بلوغ مدياتها مع إيران أولا، ثم في بقية ساحاتها ثانياً.
