
سعد سلوم.. جريدة المدى
ما تزال العلاقات العراقية الكويتية رهينةً لحدث تأسيسي مأساوي يتمثل في الغزو العراقي في 2 آب/أغسطس 1990. ففي جلسة استذكار جمعتني بالروائي أحمد سعداوي، بمناسبة ذكرى إطلاق مؤسسة مسارات الطبعة الأولى لرواية «ضياع في حفر الباطن» للروائي عبد الكريم العبيدي، توقفنا مطولاً عند محطة تحويل هذا العمل الأدبي إلى مسلسل تلفزيوني عُرض على شاشة قناة العراقية الفضائية عام 2012، بعد أن صاغه سعداوي في سيناريو توثيقي غني بالتفاصيل.
ولفت انتباهنا تباين الذاكرة الفنية؛ إذ تزامن عرض المسلسل العراقي -الذي أقرّ بشجاعة بخطيئة الغزو- مع عرض دراما كويتيّة تناولت الحدث ذاته بعدسة مغايرة. وهنا يلاحظ سعداوي أن بعض الإنتاج الدرامي الكويتي مَالَ نحو تركيز الضوء على أبعاد الغزو بوصفه امتداداً لإرثٍ صداميٍّ مؤلم، متجاوزاً تفصيل كونه عدواناً مدبراً من قبل نظام سياسي استبدادي محدد. هذا التباين في الذاكرة الجمعية لا يقتصر على الشاشات، بل يتسلل بانتظام إلى مجالات الحياة العامة؛ فرصد مؤسسة مسارات لأشكال الحساسيات المتبادلة بين العراق والكويت يكشف عن تجليات تتجدد باستمرار، بدءاً من الشحن العاطفي الحاد في المناسبات الرياضية (كما تجلى بوضوح في بطولة «خليجي 25»)، مروراً بالخطاب الشعبوي لبعض أعضاء البرلمان في البلدين ممن يعيدون إنتاج التوتر لتحقيق مكاسب سياسية، وصولاً إلى القيود الإدارية التي تعرقل مشاركة بعض الفنانين والمثقفين العراقيين على المسارح الكويتية.
هذه الذاكرة المشحونة لا تظل محبوسة في النصوص أو الشاشات، بل تتجسد حيةً في تفاصيل اللقاءات اليومية والتجارب الشخصية. أتذكر جيداً عندما كان صديقي الأكاديمي الكويتي الدكتور “بدر السيف” ضيفاً دائماً على منتديات الجامعة الأمريكية في السليمانية ودهوك؛ ففي كل مرة أُصطحبه فيها في جولة بالمدينة، كنت أتعمد أن نستقل سيارة أجرة عشوائية. وما إن يتحرك بنا التكسي حتى أبادر السائق بسؤال اعتيادي يحمل في طياته أبعاداً أعمق: “هل التحقتَ بالجيش العراقي في الكويت؟”. وحينها، يندفع السائق في سرد شريط طويل من ذكريات تلك الحرب، وما إن يكتشف لاحقاً أن ضيفي كويتي الجنسية حتى يسارع إلى تقديم الاعتذار. هذه القصص الإنسانية العفوية وجدت صداها الأعمق في زيارة أخرى للدكتور بدر إلى بغداد، حين كنا نتناول الغداء معاً في أحد المطاعم البغدادية العريقة على شارع أبو نؤاس. فخلال وجبة الغداء، تلقيت اتصالاً من أحد طلابي السابقين -وهو ضابط متقاعد- وما إن علم بوجود ضيف كويتي حتى أصر على الانضمام إلينا لسببٍ وعد بشرحه لاحقاً.
وما إن وصل هذا الطالب حتى جلس بيننا ليقص علينا حكاية هزت وجداننا جميعاً؛ فقد روى أنه في عام 1991 كان ضابطاً شاباً في الحرس الجمهوري يتمركز مع قواته في البصرة عندما تلقى فجأةً أمر دخول الكويت. ثم أطرق رأسه بخجل بالغ ليتابع قائلاً إنه في أحد الأيام حصلت ظروف جعلت من خاتم صغير في أحد المنازل يجد طريقه الى جيبه، ومع غبار الانسحاب من الكويت عاد الخاتم برفقتَه إلى بغداد. وما إن علم والده بالأمر حتى تحول ذلك الخاتم إلى وصية صارمة ظل الأب يكررها عليه حتى آخر يوم في حياته: “يجب أن تعيد هذا الخاتم إلى أصحابه الأصليين”. وهنا، أخرج الضابط من جيبه صندوقاً كارتونياً صغيراً، وقدمه بابتسامة يغمرها الندم إلى الدكتور بدر، قائلاً بصوت خاشع: “ها أنا أرجع الخاتم معتذراً، أتمنى أن يصل إلى أرض الكويت وفاءً لوصية والدي».
لا يقف الأمر عند حدود الشارع واللقاءات الفردية، بل يمتد إلى النخب الفكرية التي تبحث عن جسور للخلاص من هذا الإرث المأساوي؛ وهو ما تجلى بوضوح في حواري مع الكاتب الكويتي أنور الرشيد، حين جمعنا لقاء إذاعي مشترك عبر أثير “مونتي كارلو” بمناسبة ذكرى الغزو في عام 2025. لقد أفضى بنا ذلك التواصل المستمر إلى خطوة عملية ومبادرة هادفة لكسر الجليد، توجت بصياغة بيان مشترك حمل عنوان “بيان حسن النوايا: نحو جغرافيا جديدة للطمأنينة بين العراق والكويت”، والذي يرتكز على فكرة أساسية تتمثل في تفكيك إرث القطيعة التاريخية والنفسية، وتطهير الخطاب العام والإعلامي من لغة التحريض والكراهية، ووضع آليات تربوية وثقافية وحقوقية تحمي كرامة الإنسان وتصون أواصر الجيرة، لتحويل الحدود المشتركة من خطوط مواجهة إلى مساحات آمنة للتلاقي والتنمية المستدامة.
وفي السياق ذاته، وفي ظل تعقيدات المشهد الثنائي، طرحتُ رؤية للتعاون مع الدكتور بدر السيف ترتكز على تفعيل “دبلوماسية المسار الثاني” لفتح قنوات تواصل بديلة بين النخب -بدلاً من الاستسلام لتنافس السرديات الرسمية- مع مقترح بإنشاء مرصد مشترك لرصد خطابات الكراهية. وفي المنحى ذاته، اختار الدكتور السيف مقاربة مؤسسية عبر المساهمة في إعداد تقرير لصالح مجموعة الأزمات الدولية حول الخلافات البحرية التي تعيق مسار العلاقات العراقية–الكويتية؛ وهو جهد مقدر صدر عن مؤسسة دولية بارزة، وإن ظل محكوماً بطبيعة التقارير البحثية المؤسسية التي تختلف في أدواتها عن المبادرات الشعبية الحية.
هذه اللحظات الإنسانية النادرة التي تسقط فيها جدران العزلة والعداء تكشف عن بون شاسع بين وجدان الشعبين وركود السياسة؛ حين تصطدم تلك الروح التوافقية بواقع صلب. فالعلاقات العراقية الكويتية تعد من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، وهي علاقة متأرجحة عبر التاريخ بين محاولات مضنية لبناء جسور الثقة، وبين عُقَدٍ قانونية وجغرافية ما زالت تطفو على السطح بين الحين والآخر لتعيد إنتاج التوتر.
وإذا أردنا تفكيك جوهر هذه العقدة، سنجد أنفسنا أمام أبعاد متشابكة تبدأ من طبيعة الخلاف التقني والحدودي والملاحي؛ حيث يتركز الصراع على السيادة والموارد في المنطقة البحرية الواقعة “بعد العلامة 162″، التي يسعى العراق من خلالها لتعزيز وصوله البحري، بينما ترى الكويت أن أي تغيير في الإحداثيات يمس بسيادتها التاريخية وحقوقها القانونية المستندة إلى قرارات مجلس الأمن واتفاقيات دولية. يضاف إلى ذلك تحديات اتفاقية خور عبد الله التي واجهت عقبات سياسية وقانونية داخل العراق -بما في ذلك القرارات القضائية الصادرة بشأنها- وهو ما دفع برئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، إلى كتابة مقال تضمن قراءة قانونية مسؤولة أكد فيها ضرورة احترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المبرمة وفق السياقات الدستورية، تماشياً مع المبادئ الراسخة في القانون الدولي (كوجوب الوفاء بالالتزامات)، وهي خطوة تتصف بالحكمة حمايةً للاستقرار القانوني وتخفيفاً لحدة الاحتقان السياسي.
إن النزاعات لا تُدار بالسلاح وحده، بل تسبقها وتتغذى عليها حروب المعاني واللغات؛ وهنا يبرز ما يطرحه جيف لويس في كتابه (حروب اللغات) حول مركزية السيطرة على السردية كأداة حاسمة في الصراعات. فعلى مدار عقود طويلة، تعرضت الذاكرة المشتركة في البلدين لاحتكار لغوي صارم فرضته السرديات الرسمية للطرفين؛ ففي العراق جرى التمترس خلف مصطلحات الاستحقاق التاريخي وتعديل الحدود، بينما استقرت الكويت في خندق الخوف الوجودي.
هذا الإغلاق المحكم حول كل كلمة إلى ما يشبه الأداء العنيف الذي يحاصر أي محاولة لقراءة تاريخية موضوعية، ولم يقتصر على الخطاب الإعلامي، بل امتد ليتجلى في الفيض الهائل من الكتب، والأطاريح الأكاديمية، والمقالات الصحفية المحمومة التي غمرت حقبة التسعينيات مكرسةً روايات التبعية والتآمر. وبهذا التورط المنهجي، جرى توظيف المؤسسات التعليمية والأكاديمية لتربية أجيال كاملة لا ترى في الجار سوى خطر داهم ورمز للعدوان، ليتحول “الآخر” في مخيال الجانبين إلى مجرد تجسيد للتآمر، مما يجعل تفكيك هذا الإرث الثقيل شرطاً أساسياً للعودة إلى أي قراءة موضوعية مشتركة
إن الأزمة تتجاوز حدود الخلافات السياسية والتقنية لتصيب في عمقها ما يسميه المفكر جيريمي والدرون في كتابه (ضرر خطاب الكراهية) بالطمأنينة (Assurance)، باعتبارها الضمانة الأساسية لحق الأفراد في العيش بلا خوف، ووقاية البيئة الاجتماعية من تلوث التحريض والتشهير الجماعي الذي يقوض أركان العيش المشترك. وفي التطبيق على المشهد العراقي-الكويتي، نجد أن خطاب الكراهية المتبادل -الذي وإن تراجعت حدته الظاهرة في بعض الأحيان، إلا أنه يظل كامناً بضراوة في الخلفية الثقافية والاجتماعية- قد نجح في تلويث “الهواء الاجتماعي” الإقليمي المشترك. هذا التلوث المعنوي حرم أجيالاً كاملة من نعمة الاستقرار النفسي والطمأنينة الإقليمية، بات معها المواطن في كلا البلدين يرزح تحت أسر “متلازمة الخوف الدائم” من الآخر. لقد أدى هذا المناخ المسموم بالعداوات إلى قتل روح الجيرة وتآكل موروثها الإنساني، مستبدلاً إياه بحالة خانقة من الاستنفار الأمني والنفسي الدائم، وهي حالة تقف سداً منيعاً أمام أي محاولة لبناء روابط مدنية واقتصادية وثقافية حقيقية ومستدامة بين الشعبين الشقيقين.
ولا يتوقف الأمر عند حدود اللغة والتلوث الاجتماعي، بل يغوص في أعماق البناء النفسي للخطاب الجمعي؛ وكما تشرح الباحثة نيزا ياناي في كتابها (أيديولوجية الكراهية: القوة النفسية للخطاب)، فإن آلية “الانقسام” تُستخدم بوصفها أداة حادة لتقسيم العالم قطبياً إلى “نحن” الطاهرة في مواجهة “هم” الشيطانية، عبر توظيف المشاعر العميقة واللاوعي السياسي لتعبئة المجتمعات وتثبيت أطر العداء والقطيعة. وتتجلى هذه الآلية بوضوح صارخ في التطبيق على العلاقات العراقية الكويتية؛ حيث جرى اللجوء لسنوات طويلة إلى صناعة صورة “الآخر” واستخدامها “حلاً أيديولوجياً جاهزاً” لتوحيد الجبهة الداخلية في كلا البلدين. ففي العراق، طالما استُخدم العداء للكويت أو التشكيك في وضعها كوسيلة لتعزيز شرعية السلطة والهروب من استحقاقات الأزمات الداخلية، وفي المقابل، تمسكت الكويت بالذاكرة التاريخية للغزو والتهديد الوجودي كورقة أساسية لترسيخ التلاحم الوطني وتجاوز التناقضات الداخلية. هذا الانقسام النفسي الممنهج أنتج حجاباً كثيفاً منع الطرفين من رؤية التحولات الديمقراطية والاجتماعية والثقافية الإيجابية الحقيقية التي حدثت في مجتمعي البلدين مع مرور الزمن، وأبقى الصور النمطية الجامدة تحكم حركة المستقبل.
لا يقتصر خطر هذا الاحتقان عند حدود اللغة والتحليل النفسي، بل يمتد إلى التخدير البصري واللغوي نتيجة التكرار المستمر؛ حيث ساهم الإعلام في المنطقة بشكل كبير في تحويل الذاكرة العنيفة إلى مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية. فمن خلال الإفراط في إعادة تدوير مشاهد الحروب وعرضها، تُبقى جذوة الغضب الأخلاقي مشتعلة دوماً، مما يعيق الأجيال الجديدة عن تجاوز الماضي. وهنا نجد أنفسنا صرعى “متلازمة العالم المخيف” (وهي الظاهرة التي تصبح فيها المجتمعات -نتيجة التغطية الإعلامية المكثفة والمستمرة للعنف، والتهديدات، والجريمة، والصراعات- ترى العالم الواقعي مكاناً أكثر خطورة مما هو عليه في الحقيقة).
وتقوم هذه المتلازمة برسم صورة الجار على أنه تهديد أبدي لا يزول، وهو ما يحول أي مبادرة للتعاون العابر للحدود إلى فعل سياسي “غير مفهوم” أو مشكوك في أمره، على الرغم من أنه في الواقع العملي داخل العراق مثلاً، قد تمر ذكرى الغزو سنوياً وكأنها صفحة لم يعد يحفل بها الشارع العراقي، عادّاً إياها ماضياً طُمر مع حقبة الاستبداد، غير أن عواقبه الهيكلية والقانونية ما تزال تفعل فعلها. وتتضاعف هذه المأساة في ظل غياب أي إطار تشريعي إقليمي أو مبادرات قانونية مشتركة تجرم خطاب الكراهية العابر للحدود، على نحو جعل من “التحريض” سلاحاً سهلاً وطيعاً بيد المتطرفين والشعبويين. وحين يعجز القانون عن حماية كرامة البشر في البلدين من براثن التشويه المتبادل، يُترك المجال على مصراعيه أمام “الأصنام الذهنية” السياسية لتسييد خطاب العداء وإبقاء الجراح مفتوحة.
وخلاصة المشهد أن العقدة العراقية-الكويتية لا تكمن قط في الخطوط المرسومة على الخرائط وحدها، بل في تلك الحواجز النفسية واللغوية في جغرافية الكراهيات التي أُحكم إغلاقها لعقود عبر استثمار الذاكرة الجريحة وأدوات الإقصاء. إن تضارب المصالح الاقتصادية المرتبطة بالحقول المشتركة والمنافذ البحرية، وثنائية السيادة المطلقة في مواجهة الحاجة الملحة للتوافق، ليست سوى أعراض جانبية لعلة أعمق تتمثل في غياب الطمأنينة الإقليمية واستمرار الأداء العنيف للغة السياسية.
وحين تصطدم مصالح الشعبين بجمود الأصنام الذهنية والتشريعات العاجزة، يظل التعويل قائماً على إرادة سياسية شجاعة وواعية، قادرة على كسر طوق الخوف، وتجاوز ميراث “العالم المخيف”، وافتتاح صفحة جديدة تُدرك أن استقرار (بغداد وكويت الحاضر والمستقبل) لا يتحقق بالاستنفار الدائم، بل بشجاعة المصالحة التي تُعيد للإنسان كرامته وللجيرة معناها الإنساني الحقيقي، خصوصاً في منطقة تعصف بها التوترات ولا تحتمل مزيداً من استنزاف الأرواح والفرص.
إن تجاوز ما يمكن وصفه بـ “هندسة العدم” في هذه العلاقة التاريخية يستلزم تفكيكاً جذرياً لبنى العداء المتجذرة، ويبدأ ذلك بالعودة إلى تبني “الحيرة النقدية” التي تُعيد قراءة التاريخ بعيداً عن أسر الروايات الرسمية والأحادية التي تغذي “الانقسام النفسي”. ولتحقيق هذا التغيير، لابد من الشروع في نزع سلاح اللغة عبر التخلص التدريجي من مفردات التخوين المهيمنة في الإعلام والمناهج الدراسية، واستبدالها بخطاب عقلاني يرتكز على لغة المصالح المشتركة وأواصر الإنسانية. وحين يندمج ذلك مع ضرورة إعادة بناء “الطمأنينة الإقليمية” -من خلال تشجيع التبادل المدني والثقافي والإنساني الواسع- سيتبين جلياً أن المواطن في العراق والكويت يتقاسم ذات الهموم التنموية والمعيشية التي تتجاوز تماماً حدود جغرافية الكراهيات.
إن العبور بهذا الاستحقاق التاريخي يتطلب ثورة جذرية في طريقة إدارة الوعي والذاكرة؛ فبدلاً من الاستسلام لأسر الأرشيف الرسمي الذي لا يحتفظ سوى بملفات الخلاف، تبرز الضرورة الملحة لبناء أرشيف شعبي يخلد قصص التضامن الإنساني العفوي لتعلوا “ذاكرة التعاطف” فوق ذاكرة الدم، مثل توثيق قصص الاستضافة الشعبية المتبادلة والمواقف الإنسانية للأفراد خلال الأزمات. وبدلاً من الاكتفاء بالتجاذبات الحدودية المعطلة، لا بد من التحول نحو الاقتصاد الإقليمي المشترك ومشاريع التنمية المستدامة -كربط شبكات الكهرباء الإقليمية وتفعيل الممرات التجارية الحيوية- لتصبح الشراكة الاقتصادية صماماً يجعل التوتر باهظ التكلفة.
ولأن التحديات الكبرى لا تتوقف عند السياسة، فبدلاً من تبديد الطاقات في مواجهة أزمات بيئية ومناخية صامتة تقف بلا تنسيق عابر للحدود، يجب جعل حماية البيئة وموارد المياه أمناً مصيرياً مشتركاً يفرض تعاوناً تقنياً فورياً، كمواجهة العواصف الغبارية وإدارة الأهوار والمجاري المائية العابرة للحدود بشكل تشاركي. وأخيراً، بدلاً من ترك الأجيال الجديدة رهينةً للصور النمطية البالية، يكمن الرهان الحقيقي في تمكين جيل الشباب الرقمي عبر منصات التبادل الثقافي الرقمي والمشاريع المعرفية المشتركة لصياغة سردية معاصرة تؤمن بأن مصير البلدين واحد لا يقبل التجزئة.
إن العلاقة بين الشقيقين لم تكن يوماً قدراً محتوماً من الخصومة، بل يمكن إعادة هندستها بحكمة وشجاعة لتكون نموذجاً فريداً للاستقرار الإقليمي؛ فالتاريخ ليس كله أرشيفاً للقطيعة، بل يزخر بلحظات إنسانية عفوية، كذاك الخاتم الصغير الذي عاد بعد عقود إلى أصحابه وفاءً لوصية أب، ليؤكد أن طي صفحة الماضي يبدأ بشجاعة الاعتراف ورد الحقوق. إن استقرار الحاضر والمستقبل لا يتحقق بالاستنفار الدائم، بل بتلك الشجاعة التي تُعيد للإنسان العراقي والكويتي كرامته، وللجيرة معناها الإنساني الحقيقي، تماماً حين يجد الضالّ طريقه، ويعود الأمان إلى نصابه.