ملخص
خلال عام 1932 حين أصدر سيلين روايته الكبرى باتت في حد ذاتها انفجاراً كبيراً حرك سواكن الحياة الأدبية الفرنسية، لكن الكاتب لم يكن حينها قد أضحى نازياً بعد.
هناك “سحر” ما بات لا بد من العثور على تسمية نهائية له، لا يزال حتى اليوم يحول بين الفرنسيين وبين تصفية حسابهم النهائي مع واحد من أكبر كتابهم في القرن الـ20: لويس فيردينان سيلين. فعلى رغم عشرات الكتب التي صدرت عنه وألوف الدراسات والأطروحات الجامعية والأعمال الإبداعية المتنوعة التي لا تتوقف عن “دراسة حالته” والتبحر في ذلك التأرجح الذي لا تزال ذكراه تعيشه بين صورتين متطرفتين له، صورة الكاتب الروائي الكبير من ناحية، وصورة الوحش النازي “المعادي للسامية” حتى الجنون من ناحية ثانية، لا يزال الفرنسيون يجدون أنه لا مفر من العودة إليه وإلى حكايته بين الحين والآخر، ودائماً عبر أعمال تتناوله وملفات تستعيده، تحاول، لا أن تجد له أعذاراً في ضروب جنون مواقفه، كما قد يخيل للمرء، بل إن تمعن في إدانته وكأنه بات وحده حامل صليب تلك القضية التي يمكن تلخيصها بعد كل شيء بقضية الاحتلال الهتلري المذل لفرنسا خلال السنوات الأولى من القرن الـ20، وما رافقها خاصة من مصائب حلت بأعداد كبيرة من اليهود، نفياً أو قتلاً أو رمياً في معسكرات الاعتقال.
والغريب هنا أن ثمة من يلقي مسؤولية كل ذلك على سيلين، متناسياً وبشكل مدهش أنه لم يكن أكثر من فرد سلاحه قلمه، وأن الجلادين الحقيقيين هم النازيون الألمان وبقية المتعاونين السياسيين والعسكريين مع هؤلاء.
وفي هذا السياق يلفت النظر في الآونة الأخيرة فيلم تلفزيوني في ثلاث حلقات بثته القناة الخامسة في التلفزيون الفرنسي خلال الربيع الماضي ويصدم ما جاء فيه من تأكيد أحد الأصوات المشاركة بأن لا – سامية سيلين هي المسؤولة عما حل باليهود، خلال تلك السنوات.
أكاذيب زمن الطفولة
يحمل الفيلم التلفزيوني في أجزائه الثلاثة عنواناً واحداً هو “لويس فيردينان سيلين: سفر بلا عودة” في اقتباس من عنوان روايته الأساسية التي حين يقول لك كثر من الفرنسيين إنهم يعدونها واحدة من أهم الروايات الفرنسية التي صدرت في القرن الـ20، يضيفون متأوهين “للأسف”. وهم بالطبع يأسفون لا لأنها صدرت في هذا القرن، ولا لأنها رواية كبيرة، بل لأنها تجبرهم على اعتبارها رواية كبيرة متمنين لو لم تكن كذلك. وثمة منهم من يؤكد لك أنها العمل الأدبي الكبير الوحيد لسيلين “الذي أضاعته نازيته ولا ساميته”، لكنك في الأحوال كافة تعرف أن ذلك ليس صحيحاً.
فسيلين كان كاتباً كبيراً جداً في روايته تلك، وحتى في نصوصه الأخرى بما فيها نصوصه النازية، بيد أن الجديد في هذا الفيلم الذي أنجز خلال بدايات هذا العام، وربما لضرورات سياسية قصوى سنعود إلى فرضيتنا حولها بعد سطور، أنه لم يفعل كما اعتاد أن تفعل نصوص وكتب وبرامج أخرى تتناول الموضوع نفسه، فتستعيد طفولة الكاتب البائسة ويتمه وكونه رُبِّي تقريباً من دون والدين، وما شابه ذلك من ظروف كانت تبدو دائماً مخففة، بل إن واحداً في الأقل من أقسام السيرة المثلثة التي يتكون منها الفيلم، وهو القسم الأول المعنون “مبدع الغضب”، إذ يتناول السنوات الأولى من حياة الكاتب بدءاً بولادته وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، يؤكد ما لم يكن أحد يتوقعه. وهو أن سيلين، الذي كان اسمه ديتوش، قد روى أكاذيب كثيرة تتعلق بتلك الطفولة وبما كان متداولاً من حول عدم اهتمام أبيه بتربيته وما شابه ذلك.
الترويج للنازية
إذاً، بدت المرحلة الأولى أسطورية تمتد من عام ولادة سيلين البائسة (1894) إلى نهاية الحرب العالمية الأولى التي شارك بها سيلين جندياً وجرح وجابه الأهوال والرعب اللذين لم يبارحاه بعد ذلك على الإطلاق وسيكونان في خلفية معظم مواقفه في أزمنته المقبلة. وهو عبر عن ذلك بقوله على أية حال “لقد التقطت الحرب في داخل رأسي حيث استقرت إلى الأبد”.
والحقيقة أن ذلك الاستقرار استراح قليلاً خلال عام 1932 حين أصدر سيلين روايته الكبرى التي كانت في حد ذاتها انفجاراً كبيراً حرك سواكن الحياة الأدبية الفرنسية، كما يخبرنا الفيلم في معرض التأكيد لنا بأن الكاتب لم يكن حينها قد أضحى نازياً بعد. هو سيتجه صوب النازية على مشارف الحرب العالمية الثانية التي سيعالجها الفيلم التلفزيوني في قسمه الثاني “المتعاون” – وهو المصطلح الذي يطلقه الفرنسيون على مناصري النازية من الفرنسيين كما نعرف – ولعل الغريب في الأمر
وبحسب الفيلم فإن سيلين كان رجل الطليعة في البروباغندا النازية خلال فترة الاحتلال النازي الألماني لفرنسا. ومع ذلك لا يفوت البعض في هذا الجزء من الفيلم أن يخبرنا كم أن سيلين كان مثيراً للشفقة خلال تلك المرحلة. وربما بأكثر مما سيكون خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ونهاية النازية والتخلص من المتعاونين بقتلهم إعداماً أو اعتقالهم أو نفيهم. وذلكم، كما يخبرنا القسم الثالث المعنون “المضلل”، والذي يبدأ بهرب سيلين إلى الدنمارك من طريق ألمانيا، حيث انضم هناك إلى هاربين نازيين مثله “أكثرهم من الألمان” قبل أن يتوجه ليعيش في الدنمارك، ولكن فقط ريثما يجري اعتقاله هناك.
ولعل واحدة من كوارث حياة سيلين، في تلك المرحلة ما قبل الأخيرة من حياته، كانت في الدنمارك، حيث راح يبذل كل ما يمكنه من جهد لكيلا يرحل إلى فرنسا، حيث كان مدركاً لما ينتظره. غير أن ما سيحدث له حقاً، وهنا أيضاً بحسب الفيلم، هو أقل بكثير مما توقعه. فأهل بلده سرعان ما أعادوا له مكانته، “على رغم كل شيء” كما يقول واحد من المشاركين في الفيلم وعلى وجهه آيات الأسف التي تنم عن أن ثمة من كان يتوقع، بل حتى، يريد له، مصيراً أسوأ. وهو موقف الفيلم برمته عل أية حال.
وربما من ذلك المنطلق السياسي الذي يشير إليه البعض من أن ثمة في الإعلام الفرنسي، وغير الفرنسي، من يتطلع دائماً “وفي منعطفات سياسية محددة”، بل من يرى في استعادة هذا النوع من الحكايات والتركيز من خلالها على معاداة السامية التي استشرت في فرنسا أيام الاحتلال، نوعاً من تبرير لجرائم ترتكب في أزمنتنا الراهنة هذه، بالتالي كان سيلين وحياته بالطريقة التي قدمهما الفيلم بها، أسلوباً أمثل للاستفادة من ذلك كله.
